دَلِيلٌ إلى قِرَاءَة
الكِتاب المُقَدّس
بقـلم
الأب اسْطفـَان شـربَـنتييه
نقَـله إلى العَـرَبِيَة
الأب صُبحى حَمَوي
اليَسوعي
الطبعـة الرابعة
دار المشـرق بيروت
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الجزء الثانى
العـهد الجــديد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فـهـرس المــواد
|
الصفحة |
العـنـوان |
||
|
120 |
|||
|
123 |
|||
|
124 124 132 |
1 2 3 |
||
|
137 |
1 |
|
|
|
147 148 150 152 |
1. التلاميذ
ينادون بإيمانهم. الكـرازة |
2 |
|
|
159 168 169 |
3 |
||
|
171 177 178 179 |
4 |
||
|
183 189 190 191 |
5 |
||
|
195 201 202 203 |
6 |
||
|
207 213 214 215 |
7 |
||
|
219 224 225 |
8 |
||
|
229 |
|
||
|
229 233 |
1 2 |
||
|
234 |
|||
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(120)
" هـل تفهم مـا تقـرأ " – " كيف لى ذلك، إنْ لمْ
يُرشـدنى أحـد؟ أنّ هذا الحـوار القصـير الـذى نسبه لوقا إلى فيلبّس والوكـيل
الحبشىّ ( رسل 8/30) يُبيّن ما هـو الهـدف من هـذا الكتاب: إنّـه، وبكلّ تواضع،
دليل إلى القـراءة
دلـيل سـياحى
حـين تزور بناءً أثـريًا بصـحـبة دليل، سـواء شـخصًا أمّ
كـتابًا، فـالمطـلوب من الدليل أنْ يتوارى وأنْ يُـريك ذلك البناء الأثـرى وأنْ
يهـديك إلى الجـوهـر. والمُـراد من هـذا الكـتاب أيضًا أنْ يُرشـدك فى أنحـاء
العـهـد الجـديد وأنْ يتوارى ليُهـديك إلى النصـوص.
من عـادة الـدليل السـياحى أنْ يعـرض عـليك أكـثر من إمكانية:
" إنْ لم يكنْ لديك سـوى بضـع سـاعـات، فـاكـتفِ بزيـارة هـذا أو ذاك
الـبنـاء الأثـرى... وإنْ أردْت أنْ تقـضى ثـلاثـة أيـام ..." وذلك شـأن هـذا
الدلـيل إلى العـهـد الجـديد. لا يُمْكـننا أنْ نقـول كلّ شئ فى عـدد قـليل من
الصفحـات. سـنحاول إذًا أنْ نهـتدى إلى الجـوهـر وأنْ نُـلقـى نظـرة إجماليّة، من
دون أنْ نُهْمِـل التـوقـّف عـند النصـوص الهـامّة. إنْ لمّ يكنْ لـديك سـوى
القـليل من الوقـت، لا يُمْكـنك أنْ تزور كلّ شئ: فـعـليك أنْ تخـتار! لا يُطـلب
مـنك أنْ تتعـمّـق فى كلّ شئ، بل أنْ تتعـرّف إلى كلّ شئ. وسـتُصْـبِح، فى أثناء
هـذه الزيارة، صـديقًا للـوقـا ويوحـنا وبولس... فـتعـود إليهم فيما بعـد.
الجـزء
الثـانى
من الأمـور الطـريفـة أنْ يبـدأ الإنسـان بالجـزء الثانى من
الكـتاب، فـإنّـه يسـتطيع بذلك أنْ يبتكـر ويتصـوّر ما يكـون قـد جـرى فيما
مضـى... ولكن هـذه الطـريقـة ليسـت هى أسـهل الطـرق لإدراك الغـاية! إنّ العـهـد
الجـديد هـو الجـزء الثـانى للكـتاب المقـدّس المسـيحىّ، والعـهـد القديم هـو
الجـزء الأوّل مـنه، والأفـضــل أن تبتـدئ بـه.
فى إمكـانك أنْ تبـدأ بهـذا الجـزء الثـانى، ولكن هـناك أمـورًا
كـثيرة لا تتّضح لك إلاّ إنْ بـدأت بـدرس الجـزء الأوّل، مع العـلم بأننا سـنعـود
كـثيرًا إليه.
كيف تستعمل
هذا الدليل؟
حـين تزور إحـدى المُـدن، تجـد فـيها أبنية أثـريّة خـليطـة:
فـكـثيرًا ما أضـيف إلى تلك الكنيسـة أو ذلك القـصـر أو ذلك البيت القـديم أجـزاءٌ
أُنْجـزت فى أزمـنة لاحـقـة... وتكـون الزيارة عـادةً لِكلّ بناء أثـرىّ عـلى
حـدة، الواحـد بعـد الآخـر، وبعـد ذلك فـقـط يأخـذ الإنسـان فكـرة إجمـاليّة عـن
كلّ ما رأى...
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(121)
تمّ تصـميم هـذا الدليل بحـيث أنّـك تســتطيع أنْ تـزور العـهـد
الجـديد بطـريقـة من الطـرق...
كل فـصـل يقـع فى اثنتى عـشـرة صفحة وينقـسـم إلى قـسـمين: فى
الصفحات الثمانى الأولى عـرض لأعـمـال أحـد المحـرّرين ( بولس ومرقس ويوحـنا... )،
وأمّـا الصفحات الأربع الأخـيرة، فـفـيها درس لأحـد مـواضـيع الجـماعة، من خـلال
تلك الأعـمـال كلّها ( إعـلان البشـارة ومعـجـزات وأمـثال... ). هـذان القسـمان
يُشـكّلان كُـلاً مسـتقـلاً، ولكنّه فى إمكـانك أنْ تدرسها الواحـد بعـد الآخـر.
فـيُمْكـنك الدخـول فى هـذا الدليل عـلى وجهـين:
·
يُمْكـنك أنْ تدرسـه صـفحة
صـفحة، وهـذا هـو الوجـه الأسـهـل.
·
ويُمْكـنك أيضًا، خصـوصًا
إنْ كان إلى جانبـك دليل كُـفُـؤ، أنْ تبدأ بزيـارة الجـماعـة الأولى: وفى هـذه
الحـال تبدأ بدراسـة الصفحات الأربع الأخـيرة من كلّ فـصـل. ثمّ تسـتأنف المسـيرة،
فى مـرحـلة ثانية، مع الصفحات الثمانى الأولى. وسـتُدْرك معـنى هـذه الإمكـانيّة
المـزدوجـة، بعـد أنْ تكـون قـد قـرأت المُقـدّمـة حتى الصفحة 129.
وأيّا كان اخـتيارك من هـاتين المسـيرتين، فمن المفـيد أنْ تبدأ
بقـراءة الفـصـلين الأوّلـين.
كيف يتم
العمل؟
يُمْكـنك أنْ تسـتعـمل هـذا الدليل وحـدك، كمـا أنّـه يُمْكـنك
أنْ تسـتعـمله إنْ كـنت تدرس مـع فـريق. ولذلك قـُسّـم إلى ثمـانية فـصـول، وذلك
بأنّ الفـريق، إنْ اجـتمع مـرّ فى الشـهـر، اسـتطاع أنْ يدرس العـهـد الجـديد
بكامـله فى سـنة واحـدة.
للفـصـلين الأوّلـين طـابع خـاصّ. أمّـا الفـصـول السـتّة
الأخـرى، فإنّهـا تتضـمّـن الأقـسـام نفسـها والترتيب نفسـه: أىّ، صفحة أولى
كمـدخـل يحـدّد وضع المـؤلَّـف وصـاحبه – ونظـرة إجماليّة إلى المـؤلَـف –
واقـتراح لـدرس نصـوص معـيّنة – آلام يســوع ( قـسـم خـاصّ بالأناجـيل الأربعـة ) –
ووجـه يسـوع فى هـذا المـؤلَّـف.
مـع
السـلامة!
بقـى لى أنْ أتمـنّى لك سـفـرًا ميمـونًا فى أنحـاء العـهـد
الجـديد وأنْ أشـكر جمـيع الـذين تمّ تألـيف هـذا الدليل بفـضـلهم...
اسـطـفـان شـربنتييه
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(122)
... اليَهود: " لا يَجوزُ لَنا أَن نَقتُلَ
أَحَداً ". بذلك تمَّ الكَلامُ الَّذي قالَه يسوع مُشيراً إِلى المِيتَةِ
الَّتي سَيموتُها. فعادَ بيلاطُس إِلى دارِ الحاكِم، ثُمَّ دَعا يسوعَ وقالَ له: "
أَأَنتَ مَلِكُ اليَهود؟ "...
... وأَنا ما وُلِدتُ وأَتَيتُ العالَم إِلاَّ
لأَشهَدَ لِلحَقّ. فكُلُّ مَن كانَ مِنَ الحَقّ يُصْغي إِلى صَوتي. قالَ له
بيلاطُس: " ما هو الحَقّ؟ " قالَ ذلكَ، ثُمَّ خرَجَ ثانِيَةً إِلى
اليَهودِ فقالَ لَهم: " إِنِّي لا أَجِدُ فيه سَبَباً لاتِّهامِه....
عُـثر عـلى هـذا الجـزء من المخـطـوطة البَرديّـة فى رمـال
مـصـر، وقـد نُشـر فى السـنة 1935. وهو يحـتوى، فى وجـه الصفحة وظهـرها، عـلى أوّل
وآخـر الآيات 18/31-33 و37-38 من إنجـيل يوحـنّا. وإلى جانب الصورة المنقـولة فى
حجمها الطـبيعى، تجد ترجمة لتلك الآيات. يقـول أهـل الاخـتصـاص بأنّ هـذه
المخـطـوطة يرقـى عـهـدها إلى ما قـبل السـنة 150، وهى أقدم نصّ معـروف للعـهـد
الجـديد. بما أنّ إنجـيل يوحـنّا قد وُضـع فى أواخـر القـرن الأوّل، فهـذه
المخـطـوطة البَرديّة تشـهـد بأنّ إنجـيل يوحـنّا انتشـر حـتى فى مـصـر بعـد
تأليفـه بقـليل.
|
|
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(123)
قـبل الـذهـاب لزيـارة بـلد أجـنبىّ، نسـتعـلم قـليلاً عـن
أعـرافـه وعـاداته وطـريقـة تفكـيره ولغـة سـكّانه، لئلا يكـون شـعـورنا بالغـربـة
شـديدًا ولئلا نقـع فى كـثير من الهـفـوات. ونرجـع إلى الخـريطـة ونسـتخبر عـن
الأوضـاع السـياسـيّة والاقـتصـاديّة والاجتماعـيّة...
أجـل، إننا نعـرف بعـض مقـاطـع العـهـد الجـديد معـرفـة جـيدة،
ومع ذلك فـنحـن نشـعـر بأنّـه لا يزال غـريبًا عـنّا بعـض الشئ. سـتـقـوم مرحـلتنا
الأولى عـلى قـراءة أعـمـال الرسـل لنكـتشـف ذلك العـالم الـذى عـاش فـيه
المسـيحيّون الأوّلـون.
ولكـنّنا سـنذكّـر قـبل ذلك، ولو سـريعـًا، بمـا هـو العـهـد
الجـديد وكـيف نشـأ ( يمكـنك أن تقـرأ الصفحـات 8 – 10 فى الجـزء الأوّل، من هذا
الكـتاب، لتتعـرّف كـيف نشـأ الكـتاب المقـدّس ). سـيضـعـنا ذلك فى إطـار مسـيرتنا
ويُبيّن لنا لمـاذا اخـترنا المـراحـل، ويـرينا كـيف أنّ هـناك طـريقـتين
لاسـتعـمال هـذا الدليل.
إليك ما تجـده فى تلك الصفحات:
1-
المراحل الثلاث فى تكـوين
العـهـد الجـديد. تُعْـرض هـذه المـراحـل فى لوحـة يرافقها مـوجـز
قـصـير ( الصفحتان 124– 125 ) وتُشـرح فى الصفحات 126–131 مع ما فيها من
الأهـمّيّة.
2-
الفنّ الأدبىّ
"إنجيل" ( الصفحتان 132–133 ). من حسن حظّنا أنه ليس لدينا
" صـُور" ليسـوع.
3-
الفـنون الأدبيّة فى
الأناجـيل ( الصفحتان 134– 135 ). أُلفـة أولى بالنماذج
وأنـواع الإنشـاء التى سـنجـدها فى طـريقـنا.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(124)
يسـوع
الناصـرى ( 6ق.م. ــ 30ب.م. )
وُلـد يسوع عـلى عـهـد هـيرودس قـبل عـصـرنا المسـيحى بسـتّ
سـنوات عـلى الأرجح. وعـاش فى الناصـرة عـيشـة يهـودىّ تقـىّ، فمـارس الشـريعـة
بـروح الفـرّيسـيّين وكانـوا أشـدّ اليهـود تـديّنًا
وفى حـوالى السـنة 27 أو 28، اعـتمـد عـن يوحـنّا المعـمـدان،
وكان هـذا الحـديث بـدء حـياته العـلنيّة وقد طـالت سـنتين أو ثـلاث سـنوات. ثمّ
اخـتار بعـض التـلامـيذ وأخـذ يُعْـلن معـهم، بأقـواله ولا سـيّما بأعـمـاله
وحـياته، مجئ مـلكـوت الله. لم يكـتب شـيئًا ( بلى! فـقـد كـتب مـرّة واحـدة عـلى
الرمـل..).
حَكَـم عـليه المسـئولون الدينيّـون، فـصـلبه الرومانيّون، فى 7
نيسـان ( إبريل ) من السنة 30 عـلى الأرجح.
الجـماعـات (
بين حوالى السنة 30 والسنة 70 )
بعـد قـيامة يسـوع من بين الأمـوات ونـزول الـروح القـدس يوم
العـنصـرة، أخـذ التـلامـيذ يكـتشـفـون سـرّ يسـوع. ما زال هـؤلاء التـلامـيذ
يهـودًا، لكنّهم شـكّلوا، فى داخـل الـدين اليهـودىّ، فـريقـًا مدهـشًا هـو فـريق
شـهـود يسـوع الـذى قـام من بين الأمـوات. ( يُمـثل اللـون الرمـادىّ فى هـذه اللـوحـة
الدين اليهـودىّ الـذى نشـأت فـيه المسـيحيّة ).
سـيكونون مخـلصـين لأمانتين: الأمانة ليسـوع – والأمانة للحـياة
التى تطـرح عـليهم العـديد من الأسـئلة.
وقـد أدّى بهم الاهـتمام بالإجابة عـن الأسـئلة إلى التذكّـر
بأقـوال يسوع وأعـماله: لكنّهم فـعـلوا ذلك فى ضـوء القـيامة. وسـتتمّ صـياغـة
هـذه الذكـريات حـول ثـلاث مـدارات رئيسـيّة خاصّـة:
·
يعـظ التـلامـيذ
ليُبشّـروا اليهـود ثمّ الوثنيّين بيسـوع الـذى قـام من بين الأمـوات. هـذا هـو
هـتاف إيمـان المسـيحيّين الأوّلـين.
·
يكـرّم التـلامـيذ ذاك
الـذى قـام من بين الأمـوات، فى الليتورجـيّة، وخاصّـة فى الإفخـارسـتيّا. وفى
هـذه المـناسـبة تمّـت صـياغـة كـثير من الذكـريات عـن يسـوع.
·
يعـلّم التـلامـيذ
المعـمّـدين الجـدد، فيكـرّرون لذلك أعـمـال يسـوع وأقـواله.
انضـمّ إلى التـلامـيذ الأوّلين تـلامـيذ آخـرون، منهم برنابا
والسـبعـة مع اسطفـانوس وفـيلبّس، ولا سـيّما بـولس. اهـتدى بـولس فى حـوالى
السـنة 36 فحمـل البُشـْرى إلى آسـية الصـغـرى واليـونان... حتّى رومـة. وبذلك
أصـبح ممكـنًا للوثنيّين أنْ ينضـمّـوا إلى الكنيسـة دون أنْ يُفـرض عـليهم أنْ
يكـونوا يهـودًا أوّلاً: ذلك ما قـُرّر فى " مجمـع " أورشـليم فى السـنة
50.
وفى ما بين السـنة 51 والسـنة 63، كـتب بـولس رسـائل إلى
جماعـات مخـتلفـة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(125)
وفى تلك الأثـناء، أخـذ الـدين اليهـودىّ ينبـذ المسـيحيّين.
وفى السـنة 70 دُمّـرَت أورشــليم عـن يد الرومـانيّين.
فـاجـتمع بعـض الفـرّيسـيّين فى جَـمْـنِيا ( أو يَـبْنـة جـنوبىّ تل أبيب )
ونفخـوا فى الـدين اليهـودىّ حـياة جـديدة اسـتمـرّت حتّى أيّامـنا.
تحـرير
المؤلّفـات ( بين السنة 70 والسنة 100 على التقريب )
قـام أربعـة من اللاهـوتيّين بجمـع التقـاليد التى سـبق أنْ
حُـرّرت وبـالإدلاء بشـهـادتهم فى يسـوع.
لا شـكّ أنّ الإنجـيل بحـسـب القـدّيس مـرقـس يـُدوّن، فى
حـوالى السـنة 70، كـرازة بطـرس فى رومـة. حـاول إشعـار الناس بأنّ يسـوع هو
المسـيح ابن الله، لا سـيّما عـبر أعـماله وبنـوع خـاصّ عـبر معـجـزاته.
دُوّن الإنجـيل بحـسـب القـدّيس لـوقـا فى حـوالى السـنوات 80 –90
ووُجّـه إلى جمـاعـات مـؤلّفـة خـاصّـة من مسـيحيّين كانـوا وثـنيّين. وبَـيّن
هـذا الإنجـيل كـيف أنّ الله هـو الـذى افـتقـد شـعـبه فى يسـوع وجـاء ليُظهـر لـه
حـنانه.
كـتب لـوقـا مجـلّدًا ثانيًا، هـو كـتاب أعـمـال الرسل، وبيّن
فـيه كـيف أنّ الرسـل حمـلوا كلمـة البشارة يؤيّـدهم الـروح القـدس، وكـيف أنّ
هـذه الكلمـة سـتنتشـر فى العـالم كلّه.
لا شـكّ أنّ الإنجـيل بحسـب القـدّيس مـتّى دُوّن فى حـوالى
السـنين 80 –90 فى جمـاعـة مـؤلّفـة من يهـود أصـبحـوا مسـيحيّين. جـادل مـتّى فى
كـتابه أولئك الفـرّيسـيّين فى جَـمْـنِيا وبيّن كـيف أنّ يسـوع أتمّ الكـتب
المقـدّسـة.
يرجـع متّى ولـوقـا، فى البحـث عـن سـرّ يسـوع، إلى أحداث
طـفـولـته ويُصـوّرانها فى ضـوء حـياته وقـيامـته.
أمّـا الإنجـيل بحسـب القـدّيس يوحـنّا، فهـو تأمّـل عـمـيق
جـدًا فى يسـوع كلمـة الله. لعـلّه دُوّن فى حوالى السـنين 95 – 100، وهـو يُبيّن
كـيف أنّ المصـلوب حىّ حـتّى اليـوم وانّـه يهـبنا روحـه. وعـلى الإنسـان أنْ
يـؤمن، عـبْر الآيـات التى صـنعـها يسـوع، لكى يـرى.
وألّـف يوحـنّا – يوحـنّا هـذا أو أحــد غـيره – كـتاب الرؤيـا
وصـوّر فـيه يسـوع غـاية التاريخ.
وفى تلك الأثناء، كـتب يوحـنّا وبطـرس ويعـقـوب ويهـوذا وغـيرهم
من التلامـيذ رسـائل إلى جماعـات مخـتلفـة.
فى السـنة 135، تمـرّد اليهـود مـرّة ثانية فـقـضى الرومانيّون
عـليهم. وسـتنقـضى قـرون وقـرون دون أنْ يسـتطيع اليهـود أنْ يدخـلوا إلى
أورشـليم. أمّـا المسـيحيّون، فكـانـوا قـد غـادروا أورشليم وأقـامـوا فى حـوض
البحـر المـتوسّـط كلّه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(126)
فى لوحـة الصفحـة السـابقـة، عَـرضٌ بالخـطوط العـريضـة
للمـراحل الأسـاسـيّة الثـلاث فى تكـوين العـهـد الجـديد. إنّ فى ذلك من
الأهـمّـيّة ما يحمـلنا عـلى العـودة إليه. سـنسـتعـين لذلك بصور وتشـابيه. لا
يخـلو هـذا من الخـطـر، ولكن الأمـور تكـون أقـل جـفـافـًا، وأنت قـادر عـلى وضـع
النقـاط عـلى الحـروف.
حـادث طـريف
صـادفـت ذات يـوم أكـثر نسـاء العـالم تقـتيلاً. كُـنت أزور
ورشـة آثـار فى العـراق، فـاسـتقـبلتنا إمـرأة المشـرف عـلى الورشـة. ولم نعـرف
إلا بعـد فـوات الأوان أنّ تلك المـرأة هى أغـاثا كريسـتى، الكاتبـة الشـهـيرة
للروايـات البوليسـيّة. لو عـرفـنا الأمـر قـبل ذلك، لكـنّا أطـلنا الحديث معـها.
أمّـا الآن، فكان عـلينا أنْ نسـتعـيد ذكـرياتنا القـليلة: بعـض الكلمـات التى
نطـقـت بها، وكـيف كان لباسـهـا...
لعـلّ مـثل هـذه القـصّـة قـد جـرى لكلّ واحـد مـنّا.
وهـذه القـصّة هى التى عـرفهـا التـلامـيذ الأوّلـون. لقد
اتّبعـوا يسـوع، لمجـرّد أنّ معـلّمهم يوحـنّا المعـمـدان دعـاهم إلى اتّباعـه،
دون أنْ يعـرفـوا من هـو فى الحـقـيقـة. أصـغـوا إليه بانتباه كما يُصغى الناس إلى
أحـد الأنبياء. لا بل اعـتقـدوا بأنّـه قـد يكـون النبىّ والمشـيح. ولم يكـتشـفـوا
إلاّ بعـد العـنصـرة أنّ ذلك الإنسـان هـو ابن الله! وكان أنّ ذكـرياتهم عـن تلك
السـنين التى قـضـوها معـه اكـتسـبت عـندئذ أهـمّـيّة جـديدة عـظـيمة، فـأخـذوا
يسـتعـيدون تلك الذكـريات.
وكلّمـا انقـضـت السـنون عـظـمـت تلك الأهـمّـيّة فى نظـرهم. فى
أواخـر حـياة يسـوع، كانـوا قد بـدأوا يعـتقـدون بمجئ مـلكوت الله فى شـخـصه، أو
بنهاية العـالم، وفـقـًا للاعـتقـاد السـائد فى ذلك الزمـان. وكانت الأشـهـر
والسـنون تمضـى، فـلا بُـدّ من الاسـتمـرار فى الانتظـار ومن التنظـيم. وكلّ
مجـتمع يحـتاج إلى قـواعـد ليعـيش ويـدوم. والحـال أنّ يسـوع لم يترك أيّـة
كـتابة.
|
بعـد وفـاة زوجها، تذكّـرت سـميرة يـوم أدركا أنّهما يحـبّ
أحدهما الآخـر: " اغـتنـينا، فى دفعـة واحـدة، بمـئات السـاعـات والأحـداث
التى عـشـناها معـًا وحـفـظـناها فى ذاكـرتنا، لأنها جمعـتنا ". وكـتب بعـضـهم: " لا تُكـتب قـصّة الحـبّ بالحـبر
الواحـد، إذا حُـرّرت يومـًا فـيومًا أو إذا عـاشـها الإنسـان مـرّة ثانية
بالـذاكـرة، بعـد أنْ يكـون المـوت قد خـتم عـلى كلّ شئ. لا بُـدّ من بعـض
الوقـت – وربّمـا من المـوت – لاسـتيعـاب الغـنى الفـائض من تلك المـئات من
اللحـظـات التى عـاشـها الحـبيبان معـًا ". |
لم يكـتب
يسـوع شـيئًا
لم يكـتب يسـوع شـيئًا إلاّ مـرّة واحـدة، عـلى الرمـل! لقد
تكلّم، ولقد عـاش. هـذا كلّ شئ. وهـذا أمـر عـلى جانب من الأهـمّـيّة. أنْظـُر إلى
سـقـراط الفـيلسـوف اليونانىّ وإلى تلمـيذه أفـلاطـون . إنّ سـقـراط أيضًا لم
يكـتب شـيئًا، وأفـلاطـون هـو الـذى دوّن تعـاليم مُعـلّمـه. ونحن ندرس الآن
مـؤلّفـات أفـلاطـون، ولكننا نهـتمّ بشـخـصـيّة سـقـراط.
والأمـر ينطـبق عـلى يسـوع وبصـورة خـاصّـة. فى أصـل البُشـرى
الإنجـيليّة، نجد يسـوع وشـخـصـيّته. لو كان قد تـرك كـتبًا، لكـنّا عـددناه
معـلّم حكمـة فـقـط. ولكن، لأنـه عـاش عـيشـة بسـيطـة وتامّـة، فنحـن نُحـال إلى
شـخـصـه هـو.
والـذى أثـّر فى تـلامـيذه هـو هـذا الشـخص وما فـيه من سـرّ.
مُخـتَبر
تصـوير
" تـأثـّر " التـلامـيذ بشـخص يسـوع. هـذه الكلمـة
تُسـتعـمل أيضًا فى التصـوير: حـين تـؤخـذ صـورة لغـرضٍ ما، يُـؤثـّر فى الفـيلم
ويُسجّـل الغـرض فـيه، لكـننا لا نـرى شـئيًا. ولكى تظهـر الصورة التى سـجّلها
الفـيلم، ولكى تُكـشـف هذه الصورة، لا بُدّ من تغـطيس الفـيلم فى حمّـام يُسـمّى
" حمـامًا كاشـفـًا ".
يُمْكـننا القـول عـلى الوجـه نفسـه إنّ التـلامـيذ "
تأثـّروا " بشـخص يسـوع وطـرقـة عـيشـه وأقـواله وأعـماله. ولكنّهم لم
يعْـلمـوا بالأمـر فى ذلك الوقــت، وبعـد العـنصـرة بقـى كلّ ذلك سـوادًا. ولكى
تظهـر تلك الصـورة المتعـدّدة التى احـتفـظـوا بها، لا بُـدّ أنْ يُغـطـّسـوا فى
حمّـام كاشـف وهـو حـياة الجمـاعـات المخـتلفـة.
من المعـروف أنّ التظـهـير فى المُخْـتبر شئ هـامّ: وبحسـب مدّة
العَـرْض أو المسـتحضـرات المُسـتعـملة، تكـون الصورة أكـثر أو أقـل تعَـرّضًا،
ويُمْكـن تنـويع الألـوان وإبـراز بعـض التفـاصـيل... وكذلك فإنّ صُـوَر يسـوع
تخـتلف بعـض الشئ باخـتلاف " الكاشـف "، أىّ الجمـاعـات التى تُعـالَج
فيها، وباخـتلاف الأسـئلة المطـروحـة.
وبناءً عـلى ذلك، فـيُمْكـننا انْ نشـبّه فـلسـطين وآسـية
الصـغـرى واليونان...، فى السـنوات التى بعـد العـنصـرة، بمُخـتبر تصـوير ضخم نـرى
فـيه الجمـاعـات المخـتلفـة تحمـل التـلامـيذ عـلى " كشـف" صُـورٍ
عـديدة لمعـلّمهم. وكانت تلك الجماعـات مـؤلّفـة بعـضها من يهـود أصـبحوا
مسـيحـيّين وبعـضها الآخـر من وثـنيّين أصـبحـوا مسـيحيّين، وبعـضـها من عُـمّال
وعـبيد، وبعـضـها الآخـر من تجّـار وحِـرفـيّين وأصحـاب المهـن الحـرّة...
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(127)
الحـياة
بمـثابة "
حَمّام كاشـف "
سـتكـون إذًا حـياة الجمـاعـات " الحَمّـام الكاشـف "
الـذى سـيُمكّن صور المسـيح من الظهـور. وسـيتمّ كلّ ذلك بمـناسـبة ثـلاثـة
نشـاطات رئيسـيّة.
1. الوعـظ:
أخـذ التـلامـيذ مـنذ بِـدء أمـرهم يُعـلِنون إيمانهم بيسـوع
الـذى قـام من بين الأمـوات، وكانـوا يُعـبّرون عـنه بجـمـلٍ قـصـيرة تُلخّـص
جـوهـر البُشـْرى. يُسـمّى أهـل الاخـتصـاص هـذا الوعـظ بكلمـة " كـرازة
" المُشـتقـّة من اليونانيّة، وهى " صـراخ المـنادى". كان
التـلامـيذ يقـولون: " إنّ يسـوع، ذلك الـذى صـلبتمـوه، أقـامـه الله ورفـعـه
وجـعـلـه ربًـا، ونحـن شـهـود بذلك، إنـّه يُرسـل إليكم روحـه، آمـنوا بالبشـارة
فـتنالوا الخـلاص ".
وكانـوا يجمـعـون أيضًا مخـتلف التطـويبات التى نطـق بها يسـوع
لإعـلان تلك البُشـرى. فـالفـقـراء لن يعـودوا فـقـراء بعـد اليوم، لأنّ الله جـاء
ليُقـيم ملكـوته، وكانـوا يروون ما أجـراه يسـوع من المعـجـزات، وهى تدلّ عـلى
تغـلّبه عـلى الشـرّ والألم والمـرض والمـوت.
وكانـوا يذكـرون الأمـثال أيضًا، وهى تعـليم بالقـصص يُعـبّر
تعـبيرًا جـيّدًا وبسـيطًا عـن السـعـادة التى جـاء بها يسـوع وعـن ضـرورة
الاخـتيار.
2. التكـريم
كان التـلامـيذ يُعـيدون عـشـاء يسـوع الأخـير والـذى يُعْـطى
لمـوته معـناه. لم يكُـنْ فى أوّل الأمـر سـوى التـلامـيذ الأوّلين، فـلم يكـونوا
بحاجة إلى الدخـول فى التفـاصـيل، إذ أنّهم يعـرفـون حـق المعـرفـة ما معـنى كلّ
ذلك، مع العـلم بانّ كلّ واحـد كان فى إمكـانه أنْ يُعـبّر عـمّـا فـهمـه وأنْ
يُضـيف بعـض التفـاصـيل. ومن السـهـل أنْ نتصـوّر بطـرس يَرْوِى كـيف خـان مُعَـلّمـه
ويوحـنّا يحـدّث عـمّـا عـاشــه عـند الصليب... ولكنْ، حـين انضـمّ إليهم تـلامـيذ
آخـرون لم يعـرفـوا يسـوع، كان لا بُدّ من شـرح معـنى كسـر الخـبز والشـرب من
الكأس. وهـكـذا نشـأت فى وقـت مُبكّـر أول روايـة للآلام.
ولم تكـنْ روايتهم لآلام ومـوت يسـوع روايـة رجـل مَـيّت، بل
روايـة رجـل حىّ – وهـذا أمـر مخـتلف تمامًا. فنحـن لا نـروى ما أصاب شـخصًا
محـبوبًا من مـرض ثـقـيل، وهـو فى المسـشـفى بين الحـياة والمـوت، كما نرويه بعـد
شـفـائه. فـفى الاحـتفـال بالإفـخارسـتيّا، يحضـر يسـوع لجمـاعـته، وبحضـوره معـهم
حـيًا يـروى تـلامـيذه مـوته. إنّ رواية الآلام، كسـائر الروايـات عـن يسـوع، تتمّ
فى ضـوء القـيامـة.
وفى هـذا الإطـار الليتـورجىّ، كانـوا يتذكّـرون أيضًا بعـض
أعـمـال يسـوع التى كانت تسـاعـدهم عـلى إدراك معـنى ذلك العـشـاء، كمعـجـزة
تكـثير الأرغـفـة، حـيث أطعـم يسـوع الجمـوع.
3. التعـليم
المسـيحىّ
عـلى المُعـمّـدين الجـدد أن يعـيشـوا كـتلامـيذ يسـوع. فـلكىّ
يعـرفـوا كـيف يعـيشـون فى الجمـاعـة ولكىّ يُجـيبوا عـن الأسئلة العـديدة التى
تطـرحها الحـياة اليومـيّة، أخـذوا يرجعـون إلى حـياة يسـوع وأقـواله وأعـمـاله.
فكانـوا يرجعـون إلى الأمـثال ويُكـيّفـونها عـلى الأوضاع الراهـنة: يجـب السـهـر
والاسـتمـرار فى التيقـّظ، يجـب أنْ يكـونوا التربـة الصـالحة... وكانـوا يبحـثون
عـن تعـليم جـديد فى المعـجـزات: كانت تلك الجمـاعـة الصـغـيرة تشـعـر بأنّها
سـفـينة ضـعـيفـة تتقـاذفهـا أمـواج العـاصـفة، وبأنّهـا لا تسـتطيع الصـمـود إلاّ
أنّ يسـوع الـذى قـام من بين الأمـوات ينهـض فى العـاصـفـة عـند طـلب كنيسـته"
خـلّـصـنا، يـاربّ "... كـيف يتصرّف المسـئولون؟ فكـانـو يتذكّـرون أنّ يسـوع
قـال لهم: أنتم فى خـدمـة الآخـرين. ولم يترك لهم سـوى قـاعـدتين: الرحمـة
والغـفـران...
وهكـذا، فحـيثما كانت تتكـوّن جمـاعـات مسـيحيّة، كانت تنكشـف
لـذاكـرة التـلامـيذ صُـور عـن يسـوع. سـتنضمّ هـذه الصـور بعـضها إلى بعـض
فـتتحـوّل إلى مقـاطـع. ولكنْ، قـبل أنْ نتوسّـع فى هـذه الناحـية، لا بـدّ من
التذكـير بحـدث هـامّ، وهـو أنّ اللاهـوتىّ اليهـودىّ شـاول أو بولس قــد أصـبح
مسـيحيًا.
اللاهـوتى
بـولس
كان التـلامـيذ الأوّلـون، بطـرس ويوحـنّا... رجـالاً ذوى
ثـقـافـة محدودة، أمّـا بـولس فهـو من الربّانيّين. قـضى شـبابـه فى درس الكــب
المقـدّسـة. عـلى طـريق دمشـق، قـبض القـائم من بين الأمـوات عـلى هـذا اللاهـوتىّ
اليهـودىّ ليجـعـل مـنه لاهـوتيًا مسـيحيًا ورجـلاً يفكّـر فى سـرّ يسـوع ودوره فى
التـدبـير الإلهـىّ. فـأخـذ يعـظ ويؤسّـس الكنائس مـدّة 15 سـنة ( من السـنة 36
إلى السـنة 50 ). وفى السـنوات الـ 15 الأخـيرة من حـياته، كـتب إلى الجمـاعـات
التى أسّـسـها رسـائل هى فى الحـقـيقـة مقـالات لاهـوتيّة. وسـيُسـاعـد كل ذلك
سـائر التـلامـيذ عـلى إعـادة تـفـسـير ذكـرياتهم عـن يسـوع.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(128)
تركـيب صُـور
شـفـّافـة
قـد يخـطـر فى بالك، فى الليـالى الشـتويّة، أنْ تجمـع الصور
الشـفـافـة التى التقـطتها فى عـطـلتك الصــيفـيّة وتجـعـل منها تركـيبًا. لنحـاول
أنْ نـرى ما هى المـراحـل التى يحـب المـرور بها.
1. صـور
شـفّـافـة
لقـد ذهـبت، مـدّة العـطـلة الصـيفيّة، إلى شـاطئ البحـر أو إلى
الجـبل أو إلى الريف، وأخـذت تلتـقـط، دون تفكـير واضـح، جمـيع ما كان يعـجـبك من
الصور: مشـاهـد طـبيعـيّة، أبنية أثـريّة، مشـاهـد عـائليّة... وهـذه الصـور، بعـد
أنْ " كُـشـفـت " فى المُخـتبر، أصـبحـت صورًا شــفّـافـة. ولكى تُركّـب
التركـيب، يجـب عـليك أوّلاً أنْ تجمعـها إلى مقـاطـع.
2. مقـاطـع
سـتتردّد هـنا: كـيف تجمـع هـذه الصور؟ فى إمكانـك أنْ تجمعـها
بحسـب الأمـاكن: صـور للجـبل، للبحـر .... أو بحسـب الأنـواع: صـور عـائليّة، سواء
التُقـطـت فى الجـبل أمّ فى البحـر. وفى إمكانك أنْ تُـراعـى التسـلسـل الزمـنى،
وهكـذا يتبعـك المشـاهـدون فى جمـيع تنقـلاتك المتعـاقـبة.
وكـذلك فإنّ صـور يسـوع المخـتلفـة، بعـد أنْ " كُشـفـت
" فى مخـتلف الجمـاعـات، جُمـعـت هى أيضًا إلى مقـاطـع. فـالمعـجـزات
والأمـثال مـثلاً جُمـعـت، وأقـوال يسوع المنفـردة وُصّـلت بعـضها ببعـض وأصـبحـت
خُطـبًا. ومن جهـة ثـانية فإنّ مسـيحيىّ كـفـرناحـوم أو أورشـليم تذكّـروا كلّ ما
قـاله وصـنعـه يسـوع عـندهم. حـين نفـتح الأناجـيل، نشـعـر بأنّ يسـوع قـال فى
نفسـه ذات صـباح: " ماذا أعـمـل اليـوم"؟ فـرجـع إلى مفكّـرته فـرأى
فـيها:" اليـوم معـجـزات"، فـنرى يسـوع فى مـتّى يُجـرى عـشـر معـجـزات
الواحـدة بعـد الأخـرى. وفى اليوم الثـانى، رجـع يسـوع إلى مفكّـرته فـرأى
فـيها:" اليـوم أمـثال"... من الواضـح أنّ الأمـور لم تجْـرِ عـلى هـذا
الوجـه، فـنحـن نشـعـر بأنّ " مقـاطـع" تكـوّنت أوّلاً ( الأمـثال
والمعـجـزات والخـطـب ) فـأدخـلها أصـحاب الأناجـيل فى مـؤلّفـاتهم.
ومن جهـة أخـرى أيضًا، فإننا نجـد، فى مطـلع إنجـيل مـرقـس، ما
يُسـمّى " يـوم كفـرناحـوم": دعـى يسـوع فـيه التـلامـيذ الأوّلين
الأربعـة عـلى ضـفّـة البحـيرة ودخـل بهم إلى كفـرناحـوم ووعـظ فى المجـمع وطـرد
شـيطانًا وشـفى حمـاة بطـرس. وعـند المسـاء اجتمـعـت المـدينة كلّها وأجـرى يسـوع
بعـض المعـجـزات، وبعـد هـبوط اللـيل، انفـرد فى مكـان مُـقـفـر ليُصـلّى، فـبحـث
بطـرس عـنه وذهـبوا ثانية للوعـظ... فجمـيع الصـور عـن نشـاط يسـوع فى كفـرناحـوم
اجـتمـعـت فى مقـطـع واحـد.
لقـد جـمـعـت صـور العـطـلة الصـيفـيّة إلى مقـاطـع، وهـا إنّك
الآن تـركّـب منها تركـيبًا.
3.
التـركـيب
إنّـك تصل مخـتلف المقاطع بعـضـها ببعـض. ولعـلّك تُضيف إليها
هذه الصورة التى التقـطتها فى السنة السابقـة أو تلك الصورة التى اشتريتها فى
المكتبة ( بناءً أثريًا مثلاً ) واسـتعـددت لتقيم لنا "أمسية صـور
شـفّـافـة". من الواضـح أنّـه، من خـلال هـذا التركـيب، تظهـر نظـرتك إلى تلك
العـطـلة بعـد انقضـائها. فإنْ أخـذ غـيرُك من الأهـل والأولاد هـذه الصور
الشـفّافـة نفسـها ورَكّـب كلّ منهم تركـيبه، كانت النتيجـة مخـتلفـة ولا شــكّ.
فـالنتيجـة تبيّن كـيف عـاش كلّ منهم تلك العـطـلة.
وعـلى الوجـه نفسـه، قـام، فى أزمـنة مخـتلفـة وفى جمـاعـات
مخـتلفـة، أربعـة تـلامـيذ ( سـمّاهم التقـليد متّى ومـرقـس ولـوقـا ويوحـنّا ) وأقـدمـوا
عـلى القـيام بـ " تركـيب " عـن يسـوع. فجمـعـوا مخـتلف "
المقـاطـع " التى سـبق أنْ تكـوّنت، وأضـافـوا إليها أحـداثًا التقـطـوها من
هـنا ومن هـنا وأخـرجـوا من كلّ ذلك " فـيلمًا "، أربعـة أفـلام تعـرض
نظـرتهم ونظـرة جمـاعـتهم إلى يسـوع. وهكـذا فـالأناجـيل تحـدّثنا عـن يسـوع،
ولكنها تحدّثنا بالقـدر نفسـه عـن الجمـاعـات التى نشـأت فـيها. إليك مـثلاً
يسـاعـدك عـلى إدراك ما نقـوله.
كـتابان عـن
لـوثـر
لنأخـذ كـتابين ألّفهما كاثوليكـيّان فى لـوثر، الواحـد فى
السـنة 1900 والآخـر فى السـنة 1980. كـتب الأوّل ما يلى تقـريبًا: لـوثـر، ذلك
الراهـب الـذى خـلع ثـوبـه الرهـبانىّ وأفـسـد راهـبة وأعـمـل فى أوروبـّا الحـديد
والنـار... وكـتب الآخـر: عـرف لـوثـر الضـعـف ككلّ واحـدٍ مـنّا. كان متطـرّفـًا
ونقـصـه الصــبر والتواضـع... ولكـنّه كان راهـبًا مـتديّنًا جــدًا، مشـغـوفًا
بحـب الله وخـلاص البشـر. شـعـر بأنّ الكنيسـة تحـتاج إلى إصـلاح وإلى العـودة إلى
الكـتاب المقـدّس وإلى تقـديم الإيمـان عـلى الأعـمـال... فى هـذين الكـتابين،
نتعـلّم أشـياء عـن لوثـر - قـلّمـا تاريخ مـولـده وبعـض أحـداث حـياته. ولكـننا
نكـتشـف كـيف كان الكاثـوليك يعـيشـون النزعـة المسـكونيّة فى السـنة 1900 وفى
أيّامـنا! وهـذان الكـتابان يُخـبرانا عـن لــوثـر بقـدر ما يُخـبرانا عـن
زمنهـما.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(129)
وكـذلك، فـالأناجـيل تعـرض لنا صـورة ليسـوع، ولكنّها تحـدّثنا
بالقـدر نفسـه عـن الجماعـات التى نشـأت فـيها. نكـتفى بالمـثل التالى: حـين نسـمع
الأقوال الهائلة التى وضعـها متّى عـلى لسـان يسـوع ووجّهها إلى الفـرّيسـيّين، لا
بُـد أن نتسـاءل هـا نحـن أولاً أمـام يسـوع السنين 30 والـذى عـارض فـرّيسـىّ
زمـنه، أمّ نحـن أمـام يسـوع الـذى قـام من بين الأمـوات والـذى كان يعـيش فى
جمـاعـة متّى فى حـوالى السـنين 80 – 90 والـذى كان يُعـارض يهـود جَمْـنِيا.
سَـير هـذا " الدليل إلى الكـتاب المقـدّس "
إنّ فى لوحـة الصفحـتين 124– 125 والشـروح التابعـة لها ( لا تَنْسَ
أننا فى مقـارنة! ) محـاولة لتحـديد وضع المـراحـل الثـلاث الكـبرى فى تكـوين
العـهـد الجـديد: يسـوع – الجماعـات – المحـرّرون. فكـيف نتقـدّم الآن فى درسـنا؟
يُمْكـننا أنْ نتّـبع طـريقـتين: طـريقـة البحـث أو طـريقـة العَـرض.
لنأخـذ مـثل عـالم الآثـار يقـوم بحـفـريّات فى أحـد المـواقـع.
إنّـه ينطـلق فى عـمـله من الأرض فـيحفـر ويكـتشـف شيئًا فـشـيئًا مخـتلف
الحضـارات التى تعـاقـبت فى ذلك المكـان، فهـو يصـعـد التاريخ. لكـنّه، إنْ ألقـى
محـاضـرة، نـزل التاريخ، واســتند إلى اكـتشـافـاته ليرسـم تطـوّر مخـتلف التوطّـنات
من القِـدَم حتّى اليـوم.
ونحـن أيضًا كان فى إمكاننا أنْ نخـتار العَـرض، فـنعـرضَ، فى
فـصـل أوّل، ما يُعْـرف عـن يسـوع ونحـاول، فى مـرحـلة ثانية، أنْ نسـتعـيد مخـتلف
" المقـاطـع " التى تكـوّنت فى الجماعـات، ونخـتم بقـراءة الأناجـيل وسـائر
النصـوص.
لكننا اخـترنا بالأحـرى ترتيب البحـث. بين أيدينا نصـوص:
الأناجـيل والرسـائل... فمنها ننطـلق وإيّاها نقـرأ. لكننا سـنحاول، فى كلّ مـرّة،
أنْ نكـتشـف المقـاطـع التى سـبقـتها. وسـتجـد فى كل فـصـل أربع صفحات ( فى حـرف
مخـتلف وفى داخـل إطـار، لكىّ تهـدى إليها بسـهـولة ) تعـرض لك كلّ مقـطـع من تلك
المقـاطـع: المعـجـزات والأمـثال والخُطـب والعـبادة...
فيُمْكـنك إذًا أنْ تدرس هـذا الكـتاب عـلى طـريقـتين:
·
يُمْكـنك أنْ تتّبعـه
كما هـو، فـتتّبع فى هـذه الحـال ترتيب البحـث.
·
يُمْكـنك أنْ تبدأ
بالخـتام ( ما يُعْـرف عـن يسـوع ) وتدرس الصفحات المخـصـّصـة لـ " المقـاطـع
". ثم للكـتب، فـتتّبع فى هـذه الحـال ترتيب العـرض.
|
المشـكلة الإزائـيّة الكـتاب الإزائىّ هـو كـتاب يعـرض الأناجـيل فى أعـمـدة
ليتسـنّى قـراءة النصـوص المتماثلة بنظـرة واحـدة. والأناجـيل الثـلاثـة الأولى
لها من وجـوه الشـبه ما يحمـل عـلى عـرضها فى أعـمـدة، ولذلك يُسـمّـونها
الأناجـيل الإزائيّة. وهى أناجـيل متى ومـرقـس ولـوقـا. وقـد أثـار التشـبه بينها هـذا السـؤال: أليسـت تسـتند إلى
مصدر أو مصـادر خـطـّيّة؟ مـنذ قـرون وأهـل الاخـتصـاص يأتـون بحـلول عـديدة، تبقـى
افــتراضـيّة ولا تخـلو أحـيانًا من التعـقـّد. إنْ توخـّينا التبسـيط إلى أبعـد
حـدّ، ( فـتعـرّضـنا بذلك إلى التشـويه )، أمكـننا أنْ نقـول ما يلى: كلّ شئ
يتمّ كما لو كان فى متناول المحـرّرين " مَـقـلعـًا" وثـائق، اقـتبس
متّى ومرقـس ولوقـا من المقـلع الأوّل ( التقـليد الثـلاثىّ ) واقـتبس متّى
ولوقـا من المقـلع الثـانى ( ويُسـمّى المصـدر م أو مجمـوعـة الأقـوال ).
ويُلخّـص كلّ ذلك فى الرسـم البيانى التالى: من الصـعـب أنْ نعـرف هـل اقـتبس متّى ولوقـا مـباشـرة من
" المقـلع " أمّ لم يعـرفـا هـذا المقـلع إلاّ بواسـطـة مـرقـس. من
المسـلّم بـه عـادة أنّ متّى ولوقـا عـرفـا مـرقـس، ولكنهما مسـتقـلان الواحـد
عـن الآخـر. يـبدو أنّ الـذى ابتكـر الفـنّ الأدبىّ " إنجـيل "
هـو مـرقـس، وقـد فَـرَض هكـذا إطـارًا جغـرافـيًا وزمـنيًا لحـياة يسـوع –
وتبعـه متى ولوقـا. لقـد عـالج متّى ولـوقـا بصورة مخـتلفـة ما اكـتشـفـناه فى
" المقـلع " الثـانى. فبينما " ذرّه " متّى فى جمـيع صفحـات
إنجـيله، فـضّـل لوقـا أنْ يُدْخـله، بشـكل مقـطـعـين معـترضـين كـبيرين، فى
اللحمـة التى أخـذها عـن مرقـس. ولمتّى ولوقـا أيضًا نصـوص ينفـردان بها. وأمّـا مـرقـس فـليس
له فى ذلك إلاّ القـليل |
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(130)
سـنطـّلع فى هـاتين الصفحتين عـلى العـمـل الإزائىّ من خـلال
مـثل بسـيط. يُمْكـنك أنْ تقـرأهما الآن، كما أنّـه يُمْكـنك أنْ تهملهما، ريثمـا
تعـود إليهما فى وقـتٍ لاحـق.
نصّ: شـفـاء
حمـاة بطـرس
إليك الرواية كمـا تجـدها فى كـتاب إزائىّ
|
مـتّى |
مـرقـس |
لـوقـا |
|||
|
14 |
و جـاء يسـوع إلى بيت
بطـرس |
29 |
ولمّـا خـرجـوا
من المجـمع جـاءوا إلى
بيت سـمعـان وإنـدراوس |
38 |
ثمّ
تـرك المجـمـع ودخـل بيت
سـمعـان |
|
فـرأى حمـاته ملقـاة عـلى
الفـراش محمـومة |
30 |
وكانت
حمـاة سـمعـان فى
الفـراش محمـومة فـأخـبروه بأمـرها |
وكانت
حمـاة سـمعـان مصـابة بحمّى
شـديدة فـسـألوه أنْ
يُسـعـفها |
||
|
15 |
فـلمس
يـدها فـفـارقـتها الحمّـى فـنهـضـت وأخـذت
تخدمه |
فـدنا منها فـاخـذ
بيـدها وأنهضـها فـفـارقـتها الحمّى وأخذت
تخـدمهم |
39 |
فـانحـنى
عـليه وزجـر
الحمّى فـفـارقـتها فـنهـضـت من
وقـتها وأخـذت
تخـدمهم |
|
يَـرِد هـذا الشـفـاء فى الأناجـيل الثـلاثـة.
أوّل عـمـل نقـوم بـه هـو المقـارنـة بين النصـوص. هـناك
طـريقـة بسـيطة، وهى أنْ نضع تحـت كل كلمـة خـطًا بلون مخـتلف. فى الطـبيعـة
ثـلاثـة ألوان أسـاسـيّة: الأحمر والأزرق والأصـفـر. ومزيجها يُعْـطـيك سـائر
الألـوان: الأحمر + الأزرق = البنفسجىّ – الأحمـر + الأصفـر = البرتقالى.... وبما
أنّ هـناك ثـلاثـة أناجـيل إزائـيّة، فـيُنْسـب إلى كلٍ منها أحـد الألـوان
الأسـاسـيّة!
حـين ينفـرد متّى بكلمـة، نضـع تحـتها خـطًا أحمـر، وحين ينفرد
مـرقـس بكلمـة، نضـع تحـتها خطًا أزرق، وحـين ينفـرد لـوقـا بكلمـة نضـع تحتها
خطًا أصـفـر.
والكلمـة المشـتركة بين متّى ومـرقـس نضـع تحـتها خـطًا
بنفسـجيًا، والكلمـة المشـتركة بين متّى ولوقا نضـع تحـتها خـطًا برتقـاليًا،
والكلمة المشـتركة بين مرقـس ولوقـا نضع تحتها خـطًا أخضـر، والكلمـة المشـتركة
بين الثـلاثـة نضـع تحتها خـطًا كسـنائيًا.
قـد يـبدو لك هـذا العـمـل عـملاً مـدرسـيًا. حـاول مع ذلك، تـر
أنّـه يجعـلك تكتشـف بعـض الاكـتشـافـات ويُسـاعـدك عـلى أنْ تقـرأ النصـوص عـن
كـثب.
على صـعـيد النصّ بإجماله، يُمْكـنّك هـذا العـمـل
البسـيط من إجـراء بعـض المـلاحـظـات. من الواضح أنّ مـتّى هـو الأقـصـر ومرقـس
هـو الأطـول، لكّ الروايـات الثـلاث تبدو متشـابهـة. والحـال أنّـك لن تضـع خطًا
كسـتنائيًا إلاّ عـلى كلمـات قـليلة ( الكلمـات المشـتركة بين الثـلاثـة ).
وبالعـكس فـهـناك كـثير من الأحمـر والأزرق والأصـفـر، أىّ من الكلمـات التى ينفرد
كلّ منهم، ومن الأخضـر أيضًا، أى الكلمـات المشـتركة بين مرقـس ولـوقـا. فـيُمْكـن
الافـتراض أنّ فى الأسـاس روايـة مشـتركـة أعـاد صـيغـتها كلّ من الإنجـيليين
الثـلاثـة.
عـلى صـعـيد كلّ من الروايـات، سـتتّضح المـلاحـظـات حـين ندرس
بالتفـصـيل كلاً من الأناجـيل.
مـرقـس واقـعـى
جـدًا، فـكأننا ببطـرس يتكلّم، هـل الكلمـات التى ينفـرد بها مأخـوذة من الروايـة
الأوّليّة؟ أمّ هـل أضـافها مرقـس الراوى المـاهـر؟ من الصـعـب أنْ يُجـاب عـن
هـذين السـؤالين.
لكن مـرقـس لاهـوتىّ أيضـًا. لا يذكـر يسـوع
وحتدَه، بل مع تـلامـيذه، وهـذا من مـيزات إنجـيل مـرقـس. لا شـكّ أنّ
عـبارة " أنهـضها " تـوحى بما فى يسـوع من قـدرة عـلى القـيامـة من بين
الأمـوات، فـالكلمـة اليونانيّة نفسـها تعـنى النهـوض والقـيامـة من بين الأمـوات.
ويسـتعـمل مرقـس مـرّتين عـبارة " أخـذ باليـدّ " فى روايـة معـجـزات
(5/1 و9/26–27).
يُحـسّـن لـوقـا النصّ من
الوجهـة الأدبيّة، ويُشـدّد عـلى قـدرة يسـوع: " من وقـتها ". ونجد
خـاصـة عـنده أنّ يسـوع " يـزجـر " الحمّـى، وهى الكلمـة المسـتعـملة
لطـرد الشـياطـين، فـيسـتعـملها لـوقـا ثـلاث مـرّات فى فـقـرة مـركّـبة من بضـع
آيـات فـقـط (4/35 و39 و41). سـنعـود إلى كلّ ذلك.
أمّـا مـتّى
فإنـّه لا يحـفـظ هـنا، كما فى كـثير من رواياته للمعـجـزات، سـوى شـخصـين: يسـوع
والإنسـن المعـنىّ. وهـو يحـذف جمـيع التفـاصـيل الثـانـويّة، ليُـبرز شـخـص
يسـوع. فإنّ يسـوع هـو الـذى أخـذ المـبادرة بالـذهـاب إلى بيت بطـرس وهـو الـذى
رأى المـريضـة...
والمـريضـة نهـضـت أو قـامـت من بين الأمـوات ( الكلمـة
اليـونانيّة واحـدة )، وأخـذت تخدم يسـوع. سـنرى أنّها أصـبحـت بذلك رمـز الكنيسـة
التى تقـوم بخـدمـة ربّهـا.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(131)
"
تركـيب "
النصـوص
لم نـورد فى هـذه اللوحـة إلاّ عـناوين النصـوص التى قـد تجدها
فى " كـتاب إزائى "، ولبعـض الفـصـول فـقـط. وسـنرى بذلك كـيف أنّ
الانجـيليّين، مع أنّـه كان لديهم نصـوص واحـدة من التقـليد، ركـّبوا تراكـيب
مخـتلفـة. والأسـهم تلفـت النظـر إلى المكـان المخـتلف الـذى تحـتلّه بعـض الفـقـرات
التى سـنعـود إليها.
يـدلّ الخـطّ الأفـقـى ( - ) فى أحـد الأعـمـدة عـلى أنّ هـذا
الإنجـيل لم تـردْ فـيه الحـادثـة التى وردت فى غـيره من الأناجـيل. مـثلاً: لا
يروى متّى ومرقـس مجئ يسـوع إلى مجمـع الناصـرة، فى حـين أنّ لـوقـا يـرويـه ( لو4/16-30).
أمّـا المـرجـع الـوارد بين هـلالين، فـهـو يـدلّ عـلى أنّ
الإنجـيل يـروى الحـادثـة نفسـها ولكنّه أوردها فى إطـار آخـر. مـثلاً: تـرد دعـوة
التـلامـيذ الأربعـة عـند متّى (4/18-22) ومرقـس (1/16-20) قـبل يـوم كفـرناحـوم،
فى حـين أنّهـا تـرد عـند لوقـا (5/1-11) بعـده. والمـراجـع الـواردة بين هـلالين
عـند متّى ولـوقـا، والمـوضـوعـة إزاء لـو 5/1-11، تذكّـر بالأمـاكـن التى أوردها
فـيها متّى ومـرقـس.
|
متى |
مرقس |
لوقا |
|||||
|
14/12–17: ذهاب يسوع إلى الجليل --- --- ( 13/53-57 ) 188-22: دعـوة التلاميذ الأربعة ( 7/28-29 ) --- ( 8/14-15 ) (8/16-17 ) --- 23-24: موجزأعـمال يسوع --- ( 4/18-22 ) ( 8/1-4 ) (9/1-8 )
( 13/53-57 ) 9/35إلى 10/40: رسالة الاثنى عـشـر --- 13: أمـثال --- --- ( 8/19-22 ) 13/54-58:يُرفض يسوع فى الناصرة |
1/14-15: ذهاب يسوع إلى الجليل --- --- (
6/1-3 ) 16-20: دعـوة التلاميذ
الأربعة
--- (
1/16-20 ) 40-45: ابراء أبرص 2/1-12: شفاء مُقعـد ( 2/13 إلى 3/30 ( جـدال مـع الفـرّيسـيّين
وعـجـزات --- ( 1/22 ) ( 1/40-44) (1/29-31 ) ( 1/32-34 ) --- 3/31-35: أسرة يسوع الحقيقية 4/1-34: أمثال ( 3/31-35 ) 4/35: مدخل إلى العاصفة 35-41: تسكين العاصفة ( مساءً ) 5/1-20: ممسوس عند الجراسيين ( 2/1-12 ) ( 2/13-14 ) --- (2/18-22 ) 21-43: المنزوفة وابنة يائير --- --- 6/1-6: يُرفض
يسوع فى الناصرة 7-13: رسالة
الاثنى عـشـر --- ( 4/1-34 ) --- --- --- ( 6/1-6 ) |
4/14-15: ذهاب يسوع إلى الجليل
5/1-11: صيد عجائبى دعوة التلاميذ
الأربعة. 12-16: ابراء أبرص 17-26: شفاء مُقعـد 5/27 إلى 6/19 ) واخـبار الإثنى عـشـر ) 6/20-49: عـظة عـلى الهـضـبة ( 4/32 ) (5/12-14 ) 7/1-10: قائد المـئة (4/38-39 ) ( 4/40-41 ) 7/11-8/3: يسوع– يوحنا المعمدان ( 8/19-26 ) 8/4-18: أمثال 19-21: أسرة يسوع الحقيقية 22: مدخل إلى العاصفة ( 9/57-62 ) 22-25: تسكين العاصفة ( نهارًا ) 26-39: ممسوس عند الجراسيين ( 5/17-26 ) ( 5/27-28 ) --- ( 5/33-39 ) 40-56: المنزوفة وابنة يائير --- --- ( 4/23-30 ) 9/1-6: رسالة الاثنى عـشـر --- ( 8/4-18 ) --- 9/51 ت: الصعود إلى أورشليم 57-63: ثلاثة رجال يريدون اتباع يسوع ( 4/23-30 ) |
صـاغ مـرقـس " يوم
يسوع فى كفـرناحوم " كأنّه مـوجز لأعـمـال يسـوع ( راجع الصفحة 128 )
والمعـجـزات جـزء من هـذه الأعـمـال، ومن هـذه المعـجـزات شـفـاء حمـاة بطـرس.
وأورد لـوقـا مقـطـع " يـوم كفـرناحـوم "، ولكنّه
أدخـله فى مجمـوعـة أوسـع تبتدئ بـ 4/16 و تنتهى بـ 4/44: فأمـامـنا مـوجـز، لا
لرسـالة يسـوع فـقـط، بل للاسـتقـبال الـذى تلقـّاه أيضًا، فـالاسـتقـبال كان
حماسـيًا فى أوّل الأمر (4/16-22) ثمّ أمْسى عدائيًا (4/23-30). وفى خطبته
البرنامجيّة (4/16-21)، أعـلن أنّ يسـوع أتى بالتحـرير، لكنّه لا يذكـر أىّ
تحـرير. يقـول لـوقـا أنّ يسـوع يزجـر الحمّى، فهـو يُحـوّل روايتة الشـفـاء إلى
تعـزيم، كما فى الروايـات السـابقـة والتابعـة. وعـليه فإنّ هـذه التعـزيمـات
الثـلاثـة تُبيّن لنـا أنّ يسـوع جـاء ليُحـرّر من سـلطـان الشـيطان.
أمّـا مـتّى فإنّـه يُدخـل
رواية الشـفـاء هـذه فى مجمـوعـة مـؤلّفـة من عـشـر معـجـزات، تلى العـظـة الكـبرى
عـلى الجـبل. وهـو يـدلّ بهـذا التركـيب عـلى أنّ يسـوع مقـتدر بالأقـوال والأعـمـال.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(132)
تعـوّدنا الكـلام عـلى "الأنـاجـيل " حتّى لمْ تعـُدْ
نشـعـر بأنّ ظهـور هـذا الفـنّ الأدبىّ كان ظـاهـرة جــديدة.
الإنجـيل
والأناجـيل
لم يكـونـوا يعـرفـون فى أوّل الأمـر إلاّ الإنجـيل ( بالمفـرد
)، تلك البُشـرى التى أعـلنها يسـوع، وهى مجئ ملكـوت الله والسـعـادة المعـروضـة
عـلى الفـقـراء. وبهـذا المعـنى أيضًا اسـتعـملها بـولس فى رسـائله.
لا شـكّ أنّ مـرقـس هـو الـذى ابتكـر هـذا الفـنّ الأدبىّ الـذى
لا مـثيل له فى أىّ أدب آخـر، وهـو الـذى حـوّل الإنجـيل إلى " نصّ "،
إلى قـصّـة، إلى رواية لأعـمـال يسـوع. إلى ذلك الحـين كان يسـوع ذاك الإنسـان
الـذى ينادى بالبُشـرى، فـأصـبح مع مـرقـس ذاك الإنسـان المُـنادى بـه والبُشْـرى
نفسـهـا.
لكنْ مـرقـس لا يتكلّم عـلى يسـوع بصـيغـة الماضى. وممّا
يُلْفـت النظـر أنّـه قـليلاً ما يسـتعـمل الأفـعـال بصـيغة الماضى، فهـو يتكلّم
بصـيغة الحـاضـر. ليس فى ذلك قـلّة مهـارة أدبيّة عـنده، بل هـناك بالأحـرى
اقـتناع لاهـوتى بأنّ يسـوع الـذى يتكلّم عـليه فى نصّ الإنجـيل لا يـزال حـاضـرًا
فى جمـاعـته وحـيًا بنـوع خـاصّ فى الإفخـارسـتيّا. فمن ذكـر يسـوع، عـنى فى
الوقـت نفسـه، فى نظـره، أنّـه غـائب ( تاريخ حـياته الأرضـيّة تنتمى إلى المـاضى
) وأنّـه حـاضـر فى آنيّـة جمـاعـته التى تـؤمن به وتكـرّمه. إنّ يسـوع التاريخ لا
يزال حـيًا، بشكل كلمـة مكـتوبة ومـنادى بها، فى المسـيح الحىّ الـذى تـؤمن بـه
الجمـاعـة. ولا نلحـق بيسـوع التاريخ إلاّ عَـبْرَ المسـيح الـذى تـؤمن بـه الكنيسـة.
|
كانت كلمـة " إنجـيل " ( بُشـْرى ) معـروفـة عـند
الكُـتّاب غـير الدينيّين، ولا سـيّما للإعـلان عـن الانتصـار أو عـن أهـمّ
أحداث حـياة الامـبراطـور. فهـناك كـتابة تـرقى إلى السـنة 9 ق.م. ، عُـثر
عـليها فى آسـية الصـغـرى، وتكـرّم عـلى الوجـه التالى ذكـرى مـولد أوغـسـطس (
لعـلّ لـوقـا اسـتوحى منها للكـلام عـلى مـيلاد يسـوع: لـو 2/10-11): " يجـوز لكلّ واحـد أنْ يعـدّ بحـق هـذا الحـدث مصـدر
حـياته ووجـوده... لقـد أقـامـت العـناية الإلهـيّة الحـياة البشـريّة
وزيّنَتْها تزيينًا رائعـًا فـأعـطـتنا أوغـسـطـس... لتجعـل مـنه المحسـن إلى
البشـر ومخلّصـًا، لنا وللـذين يأتـون بعـدنا... كان يـوم مـولد الإله (
أوغـسـطـس ) للعـالم بـدايـة البُشـريات التى تلقـّيـناها بفـضـله...". |
لا " صُـوَر " ليســوع
مَـنْ مـنّا لم يحـلم، فى يـوم من الأيّام، لـو كان عـنده
" صُــوَر" ليسـوع وتسـجيلات لأقـواله؟ يُخـيّل إلينا أننا لاسـتطـعـنا
أنْ نعـرفـه حـق المعـرفـة. والحـال أنّـه ليس عـندنا سـوى نصـوص ألّـفـها
تـلامـيذه و " لـوحـات " أو " أعـمـال فـسـيفسـائيّة " عـنه.
لكنّ هـذا من حُسن حـظـّنا، وإن اسـتغـربنا الأمـر. فـلو لم يكنْ عـندنا سوى
صُـوَر ليسـوع، لمـا عـُدْنا نعـرف شـيئًا عـن. أرى عـندك صـورة تمـثّل رجـلاً
ينظـر إلى امـرآة. هـذه صـورة، فـأعـلم إذًا أنّ الأمـر قـد حـدث ( ما لم يكنْ
هـناك حـيلة تصـويريّة )، ولكنْ ماذا أضـيف إلى ذلك؟ لا شئ. هـل كان ذلك الرجـل
ينظـر إلى شئ غـير محـدود، حـين التقـطـته الآلـة؟ هـل كان يُحـوّل وجهه لأنّـه لا
يـريد أنْ يـرى هـذه المـرأة ( يبدو حـزينًا )؟ هـل هـو يُحـبّها؟... تَشـرح لى
فـتقـول: " هـذه صـورة خِطـبـة سـمير. إنّـه غـير راضٍ فى هـذه الصـورة! ومع
ذلك فـلو رأيته كم كان سـعـيدًا. مضـت سـنون وكـلاهما ...". وفيما أنت
تتكلّم، أخـذت الحـياة تدبّ فى هـذه الصـورة. ومن خـلال هـذين الوجهـين اكـتشـف
حـياة انتظـار وأمـل، وأتصـوّرهما ذلك اليوم... كل ذلك، لأنّـك كـنت شـاهـدًا
لفـرحهما فـأمكـنك أنْ تُفـسّـر لى هـذه الصـورة. بهـذه الصورة وحـدها، كنت
عـاجـزًا عـن معـرفـة أىّ شئ عـنهما. وبفـضـل شـهـادتك، أصـبحا حاضـرَيْن لى
وأصـبحـتُ أسـتطيع أنْ أحـبُّهما.
هـذا من حُسـن حـظـّنا بالنسـبة إلى الأناجـيل. نظـنّ أننا نجـد
فـيها " صُـوَرًا " ليسـوع وهـا أنّ فيها ما هـو أفـضـل بكـثير.
فـتلامـيذه الـذين عـرفـوه يقـولون لنا مَنْ كان وكـيف أنّهم اكـتشـفـوا سـرّه
شـيئًا فـشـيئًا وأى شئ غـيّر فى حـياتهم. ولو كان عـندنا تحـقـيق مـباشـر عـن
يسـوع، لما أفـدنا شـيئًا عـنه ولرسَم عـنه صــورة خارجـيّة. أمّـا شـهـادة
التـلامـيذ فإنّها تسـاعـدنا عـلى اكـتشـافـه من الداخـل.
ورُبّ أحـد يعـترض فـيقـول:" نعـم... ولكنْ لو كان عـندنا
تسـجيل لأقـواله، لعـرفـنا بالضـبط ما أراد أنْ يقـول!" هـل هـذا صـحيح؟ كلّ
مـنّا قد اخـتبر هـذا الاخـتبار: يقـول لنا صديق جمـلة نسـجّلها عـفـويًا، دون أنْ
ننتـبه إليها. وبعـد عـدّة أشـهـر، نهـتف: " آه ! هـذا ما أراد أنْ يقـوله
لى...". إنْ رويْتَ اليـوم تلك الجمـلة، هـل تحـاول أنْ تنقـلها حـرفـيًا كما
نطـق بها ذلك الصـديق؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(133)
سـتؤوّلها
بالأحـرى مُـبيّنًا " مـا أراد أنْ يقـوله" والـذى اكـتشـفـه بعـد زمـن
طـويل. والجمـلة، كما سـتوردها، لن تكـون " مطـابقـة للأصـل" ، ولكنّها
سـتكون " أصـحّ " بكـثير، إذ أنّهـا تُعـبّر عـمّـا أراد فى الحقـيقة
أنْ يقـوله.
وهـذا أيضًا من حُسن حـظـّنا بالنسـبة إلى الأناجـيل. فإنّهـا
لم تُكْـتب فـور وقوع الأحـداث ولكى تروى لنا أقـوالاً لُـغْـزيّة المعـنى، بل هى
شـهـادة تـلامـيذ يقـولون لنا، بعـد سـنين طـوال، ما فـهـمـوه من سـرّ يسـوع وكـيف
سـاعـدتهم حـياتهم عـلى الاهـتداء إلى معـناه.
أعـمـال
فـسـيفسـائيّة
وقـصـارى القـول فإنّـه ليس عـندنا " صـُوَر "
ليسـوع، بل لوحـات وأعـمـال فُسـيفـسـائيّة. عـندنا إذًا أقـوال يسـوع وأعـمـاله
يُفـسّـرها شـهـود صـادقـون.
تبقـى إذًا حـياة يسـوع مفـتـوحة. لو ترك لنا مجمـوعة قـواعـد
وأقـوال مُمْلاة، لما بقى عـلينا إلاّ أنْ نـوردها كما هى ولحُكِـمَ عـلينا
بتكـرارها. وبمـا أنّ التـلامـيذ فـهـمـوا يسوع فى ضوء حـياتهم، فهـذا يعـنى أنّ
حـياة جمـاعـتنا اليـوم لا تزال المكـان الـذى نسـتطيع، انطـلاقـًا مـنه، أنْ
نتقـدّم فى فـهـم يسـوع.
شـرط أنْ نحـترم تلك الشـهـادات. لو كان عـندنا أربعـة أعـمـال
فسـيفسـائيّة تُمـثّل المشـهـد نفسه بأشـكال مخـتلفـة، لما خـطـر لبالنا أنْ
نقـول: " هـذه الأعـمـال الفسـيفـسـائيّة جمـيلة حتّى أنّى لا أريد أنْ
أفـقـد شيئًا منها، فسـأدمّـرها واصـنع، من كـومة الحجارة، فـسـيفسـاء واحدة تضمّ
الأربعـة...". يا لها من مسـخ! تخـتلف الأناجـيل الأربعـة بعـضها عـن بعـض،
فـلا بُـدّ من درس كلّ منها فى حدّ ذاتـه، دون أنْ نحـلم بتدمـيرها لكى نبنى،
بكُسـارها، حـياة ليسـوع أو " الأناجـيل الأربعـة فى إنجـيل واحـد ".
وإنْ قـارنّا بعـضها ببعـض وإنْ قـرأناها فى " كـتاب إزائىّ"، فـلكىّ
نُمْعـن النظـر فى التفـاصـيل والفـوارق التى ينفـرد بها كلٌ منها، ولكى نُحْسِـن
الاهــتداء إلى مـلامح وجـه يسـوع التى أثـّرت فى هـذا أو ذاك الإنجـيلى.
الإيمـان
والـروح القـدس
قـد تُجـيب: " مـوافـق! ومع ذلك أكـون مطـمئـنًا لو كان
عـندى صور وتسجـيلات ليسـوع! لا تخفـى عـلىّ فـائـدة ما تسـمّيه الشـهـادة... ولكن
من الـذى يؤكـّد لى أنّ أولئك التـلامـيذ لم يُخـطـئوا فى تفـسـير ذكـرياتهم"
؟.
نتمـنّى أنْ نحـصـل عـلى براهـين، وهـذا أمـر طـبيعىّ، لأنّ
الكـلام يدور عـلى أحـداث يعـتمـد عـليها المـؤمـن ليربـط حـياته. ولكنْ، هـناك من
جهـة ما يبعـث فـينا الطـمـأنينة ( سـنعـود إلى ذلك فى خـتام الكـتاب ):
فـالمـؤرّخ المـؤمن أو غـير المؤمن الـذى يدرس الأناجـيل يجـد فـيها من الأمـور
الراسـخة ما يُمكّـنه من تأمـين التاريخ، وكـثيرًا ما يـودّ لو يجـد هـذا القـدر
من الأمـور الراسـخة فى شـأن سـائر شـخـصـيّات العـصـور القـديمة. ومن جهـة أخـرى،
فـلقـد نتسـاءل هـل المـؤمن، الـذى يُطـالب بالبراهـين، لا يحـاول فـقـط أنْ
يسـتغـنى عـن الإيمـان وعـن الـروح القــدس!
فـإنّـه يُمْكـننا أنْ نُقـدّم البراهـين عـن أشـياء مـاديّـة
وأْ نْ نُثـبت وجـود هـذا أو ذاك الغـرض، ولكن لا " بـراهـين" للصـلة
بين الأشـخاص. ما الـذى يُثـبت لى أنّى أحـبّ وأنّى محـبوب؟ لا بُـدّ لى هـنا من
الثـقـة، أى من الإيمـان، فـالانضـمام إلى يسـوع المسـيح هـو دائمـًا من طـابع
الثـقـة، من طـابع الإيمـان. نحـن نـؤمـن بأنّ أولئك التـلامـيذ، حـين فـسـّروا
أقـوال يسـوع وأعـمـاله، كانـوا تحت تأثـير الروح القدس. قال لهم يسـوع فى مسـاء
العـشـاء السـرّى: " سـأرسـل إليكم الروح، فـيُذكّـركم بكلّ ما قـلته لكم
ويُرشـدكم إلى الحـق كلّه " ( يو16/13).
"الـورق
الشـفّـاف "
إذا كان عـلينا أنْ نرسـم رسـمًا بيانيًا مُعـقـّدًا ( رسـمًا
صـناعـيًا أو تشـريحًا للجسـم البشـرىّ ...) نسـتخـدم أحـيانًا أسـلوب الورق
الشـفّـاف: فـفـوق رسـم أوّل أسـاسىّ ( الهيكل العـظمى البشـرىّ مـثلاً ) نضع
رسمًا أو عـدّة رسوم أخـرى لهـا مقـياس واحـد، عـلى ورق شـفّـاف ( العـضـلات أو
مخـتلف الأعـضـاء ). فـيُمْكـننا بعـد ذلك أنْ ننظـر إلى كلّ رسـم وحـده
ويُمْكـننا، إنْ وضـعـنا الرسـوم بعـضها فـوق بعـض، أنْ نُـلقى إلى الكلّ نظـرة
إجمـاليّة.
هـذا شـأن الأناجـيل أيضًا. عـلى وجـه يسوع الناصـرى الـذى
حـفـظ التـلامـيذ ذكـره، ركّـبوا مـلامح الـذى قـام من بين الأمـوات كما أخـذوا فى
اكـتشـافها بعـد الفـصح وبهـاء طـلعـة الربّ الـذى يعـيش فى جماعـاتهم. وإنْ
قـرأنا الأناجـيل بطـريقـة سـاذجـة، اتّضـح لما كل شئ،: يسـوع يُقـدّم نفسـه كابن
الله، وبطـرس وقـائـد المـئة يُعـلنان ذلك فـتتعـجّـب من عـدم اعــتراف اليهـود
بـه... كلّ شئ واضح لنا، لأننا ننظـر إلى جمـيع الرسـوم نظـرة واحـدة! وأمّـا
معـاصـرو يسـوع، فكان فى نظـرهم سـؤالاً ودعـوة عـلى الأخصّ. لا بُـدّ من الإيمـان
ومن نـور الفـصـح وإنـارة الروح القـدس للشـعـور بشئ من غـنى سـرّه.
ولكى نُحْسـن الشـعـور بهـذا الغـنى، سـننظـر، فى هـذا الدلـيل،
تـارة إلى الرسـوم مجـتمعـة، تـارة إلى كلّ منها، مجـتهـدين أنْ نمـيّزها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(134)
لا نروى حـادث سـيّارة بشـكلٍ واحـد لصـديق لنا ولخـبير
الـتأمـين: فـ "الفـنّ الأدبىّ " يكـون مخـتلفـًا. فى الحـالة الثانية،
نُـدخـل رواية الحـادث فى نمـوذج وفى " قـالـب " ( هـويّة الأشـخاص
والشـهـود والظـروف... ). وأمّا فى الحـالة الأولى، فـنتصـرّف بحـرّيّة، وقـد
يخـتلف " الأسـلوب "، فمنهم من يبقـى بسـيطـًا جـدًا فى أسـلوبـه، ومنهم
من يـروى هـذا الحادث كأنّـه حـدث قـومىّ.
هـذا التمـييز بين " القـالب " و " الأسـلوب
" تمـييز اخـتـبارىّ تمامًا، ولكـنّه قـد يسـاعـدنا عـلى الاهـتداء فى
قـراءتنا للأنـاجـيل.
"
قـوالب"
مصـنوعـة مُسـبّقًا
كان هـناك عـدد من النمـاذج أو القـوالب يسـتعـمـلونها للحصـول
عـلى مفـعـول مُعـيّن. نكـتفى هـنا باكـتشـافها، ثمّ نعـود إلى أهـمّها فى سـياق
الـدرس.
إنّ روايـة المعـجـزة تتضـمّـن خمس نقـاط
عـادةً:
·
مـدخـل يعـرض المسـألة.
·
طـلب تدخّـل يُظهـر ثـقـة
الطـالب أو ثـقـة محـيطـه.
·
تدخّـل من طُـلبَت إليه
المعـجـزة.
·
النتيجـة الحاصـلة.
·
ردّ فـعـل المشـاهـدين:
خـوف، إعـجـاب....
سـنرى مـثلاً ( الصفحة 180 ) أنّ مـرقـس يـروى بطـريقـة واحـدة
وبألفـاظ واحـدة إبـراء ممسـوس وتسـكين العـاصـفـة.
كانـوا يسـتعـملون المـثل عـادة لإلـقـاء
تعـليم يُفْهـم بسـهـولة أو لحمـل السامع عـلى الحكم فى نفسه دون الشـعـور
بالأمـر.
إنّ روايـات دعـوة التـلامـيذ من قِـبَل
يسـوع تكـون وجـيزة عـادةً ( مُجـرّد نظـرة أحـيانًا – الدعـوة – الجـواب )
ومطـابقـة لنماذج الدعـوة فى العـهـد القـديم: فـإنّ يسـوع يـدعـو بسـيادة مطـلقـة
شـأن الله!
من الخـطـب، هـناك نمـوذج عـلى
الأقـلّ معـروف جـدًا، هـو خـطـبة الوداع: شـخـصـيّة نـافـذة تعـلّم بدنـوّ
مـوتها، فـتلقـى وصـاياها لتـلامـيذها.
كانت المـناظـرة أو الجدال بين أهـل
الاخـتصـاص فـنًا يتدرّب عـليه الربّـانيّون. كـثيرًا ما نجـد فـيها الرسـم
البيانىّ التالى:
·
حـركـة أو قـول ليسـوع
يُثـير تعـجّـب السـامعـين، كـثيرًا ما يكـون هـذا التعـجّـب مُصـطـنعًـا.
·
يـبدأ النقـاش: " ألا
تـؤمن بأنّ ...؟ ألم تقـرأ فى الكـتاب أنّ...؟".
·
فى الخـتام، يظهـر النقـاش
الحقـيقىّ. لا بُـدّ عـندئذ من الاخـتبار، وكـثيرًا ما ينقـسـم الشـهـود.
تقـوم الحِكْمَـة المحـاطـة بإطـار عـلى وضـع
قـولٍ يُعـدّ هـامّـًا فى روايـة تكـون بمـثابة عـلبة مَصـاغ. فـالروايـة (
معـجـزة أو مـناظـرة أو نكـتة ) تكـون مجـرّد إطـار لإبـراز القـول.
الأقـوال العـائمـة، بحسـب تعـبير أهـل
الاخـتصـاص، هى أقـوال ليسـوع حُـفِـظـَتْ، ونُسـيَت الظـروف التى نطـق فيها
يســوع بها. فهى تعـلّـق، عـلى قـدر الإمكـان، بإحـدى الخـطـب أو الروايـات.
"
أسـاليب "
مخـتلفـة
يعـنى لـفـظ " أسـلوب " هـنا طـريقـة فى التعـبير
للحصـول عـلى مفـعـول مُعـيّن. والمُهـمّ هـو الانطـباع المطـلوب إحـداثـه.
ويسـتخـدمـون لـذلك أسـاليب أو صـورًا قـد تُدْهـشـنا. إليك بعـض هـذه الأسـاليب:
إن أسـلوب التجلّى الإلهىّ يهـدف إلى
إظهـار حـضـور الله. يسـتوحـون خـاصّـة من تجـلّى الربّ فى جـبل سـيناء، حـيث
تُظهـر النـار والبروق وتزعـزعُ الجـبل، كما ورد فى سـفـر الخـروج، أنّ الله
حـاضـر هـنا، وهـذا الأمـر يُثـير الخـوف عـند الإنسـان.
فحـين تُسـتعـمل هـذه الصُـوَر وأمـثالها، فـللتعـبير عـن
حـضـور الله. فـليس مفـروضـًا عـلينا أنْ نعـتقـد بأنّ ما يـوصـف هـنا حدث هكـذا.
حـين نقـول:" إنّ رؤيـة هـذا البـؤس تُمـزّق قـلبى "، فـالعـبارة "
تُمـزّق قـلبى " صـورة تُعـبّر عـن شـعـورى بالشــفـقـة، فـلا نسـتشـير
طـبيبًا ليُخـطـط القـلب! وكـذلك، فـألسـنة النـار فى
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(135)
العـنصـرة
ومـلاك البشـارة أو مـلاك القـبر المفـتوح قـد تكـون أيضًا صـورًا للتعـبير عـن
حـضـور الله. وعـندما نـرى أشـخاصًا كمـريم أو النسـاء أو المسـتمعـين إلى يسـوع
" يخـافـون "، فهـذا مجـرّد تنبـيه إلى أنّهم يشـعـرون بوجـودهم فى
حضـرة الله.
" والأسـلوب الرؤيـوىّ " هـو
أشدّ تحـييرًا. وجـدناه فى درس دانيّال ( الجـزء الأوّل، الصفحة 90 ). لقـد نشـأ
فى أيّام قـلق واضطـهـادات، فـعـلـقـت فـيه رائحـتها الكـبريتيّة. هـدفـه التعـبير
عـن وجـود يقـين فى قـلب هـذا القـلق، وهـو أنّ الله هـو سـيّد التاريخ وأنّـه
سـيتدخّـل فى النهاية، حـين يبلغ الشرّ أشـدّه. فـالكـواكـب تتسـاقـط والأرض
تنهـار والسـموات تتمـزّق... كلّ ذلك صُـوَر للإشـعـار بالمشـاعـر الباطـنيّة، كما
حـين نقــول: " ظـننتُ أنّ كلّ شئ ينهـار وأنّ السـماء تهـبط عـلى
رأسى..".
" تـرويـه الأفـكار": هـذا التعـبير
البربرىّ يعـنى فـقـط أنـّك، بـدلاً من أنْ تعـرض فـكـرة بصـورة مُجـرّدة، تروى
قصّـة. إليك حكـاية مفـجـعـة تشـرح لك ما أريـده. قـبل بضـع سـنين، كان راهـب مقـيم
فى فـلسـطين نازلاً فى سـيّارة جـيب إلى العـقـبة. وعـند وصـوله إلى جـنوب البحـر
المـيّت، صدم بـدويًا فـقـتله. أثبت الحكم أنّ البـدوىّ كان مُخـطـئًا، ولكن،
نظـرًا إلى وقـوع المـوت، فـلابُدّ من دفع " ثمن الدم" لقـبيلـته
وفـقـًا للتقـاليد. كُلّـف خـورى الرعـيّة بالمفـاوضـات. أمـام زعـماء القـبيلة،
روى الحـادث عـلى طـريقـته هـو، فـدفـع الراهـب الثمـن وافـترقـوا أصـدقـاء. وفـور
انصـرافـهم، سـأل الراهـب خـورى الرعـيّة: " ماذا رويت لهم؟ أنت عـالم بأنّ
الأمـور لم تجـرِ عـلى هـذا الوجـه! " أجـاب خـورى الرعـيّة: " اسـمع!
أليس البـدوىّ هـو المخـطـئ؟ ". قـال الراهـب : " نعـم ". قـال
خـورى الرعـيّة: " وهـذا ما قـلته لهم...". لو كـنّا فى مكان خـورى
الرعـيّة، لربّمـا اتّبـعـنا أسـلوبًا مخـتلفـًا وعـرضـنا فكـرة مجـرّدة مفـادها
أنّ البـدوىّ مخـطئ. أمّـا خـورى الرعـيّة، فـقـد بيّن ذلك فى قـصّـة اخـتلقـها.
وكان الزعـماء الحاضرون يعـرفـون حـق المعـرفـة أنّ الأمـور لم تجـرِ عـلى هـذا
الوجـه، لكنّهم فهـمـوا الفكـرة من خـلال القـصّة. هـل يـبدو لنا هـذا غـريبًا؟
حـين نقول لصديق أبطـأ فى وصـوله: " أنتظـرك مـنذ مـئة سـنة "، نفـعـل
نحـن أيضًا كذلك. فـ " المـئة سـنة " قـصّـة لا نعـيرها اهـتمامـنا، بل
نفهم الفكـرة، وهى أنـّه أبطـأ فى وصــوله.
لا بُـدّ أن نتذكّـر كلّ ذلك حـين نقـرأ بعـض الروايـات وأنْ
نتسـاءل: هـل يـروون لنا تاريخـًا أمّ قـصّـة ليُفـهـمونا فكـرة؟.
أمّا " روايات طفولة يسوع " فإنّها
تشابه "أسلوبًا" آخر وجدناه فى العـهد القديم، وهو" المِـدراش"
( الجزء الأوّل، الصفحة 81 ). نُجـرى بحـثًا ( هـذا معـنى " مِـدراش " )
فى الكـتاب المقـدّس لـنرى كـيف أنـّه يعـنينا اليوم ونسعى لجعـله حـاليًا. وقـد
تُكـشَـف فيه قـواعـد للعـمـل أو قـصص تحمـل عـلى الصـلاح. وهـناك نـوع خـاص فى
المـدراش ( " بشـر " ) يحـاول أنْ يُبَيّن كـيف أنّ أحداثًا أو أشـخاصـًا
حـاليّة تُحـقـق نصّ الكـتب المقـدّسـة. سـنرى أنّ المسـيحيّين قـد اسـتعـمـلوا
هـذا النـوع من التفـسـير، بعـد أنْ قـلبـوه: فهم لا ينطـلقـون أولاً من الكـتاب
المقدّس، بلّ من شـخـص يسـوع، لـيروا ما هـو وضـعـه بالنسـبة إلى الكـتاب المقـدّس
وإلى التـدبير الإلهىّ.
مـاذا نحـفـظ
من كلّ ذلك؟
لعـلّ كلّ ذلك يـبدو شـديد التعـقـّد! لا تخـفْ، فـسـتتّضح
الأمـور حـين ندرس بعـض النصـوص ونجـد بعـد الأمـثال.
المهـمّ فى هـذه السـاعة أنْ ننتـبه إلى أمـر واضح، وهو أنّ
الألفـاظ تعـنى أحـيانًا غـير ما تعـنيه فى الظـاهـر! هـذا أمـر واضح، لأننا
نسـتعـمل كلّ يـوم هـذا النـوع من اللغـة. فحـين يسـمعـنا أجنبىّ نقـول:" يا
عـينى عـليك "، و " عـلى الرأس والعـين " و " باع سـمكًا فى
البحـر" إلخ، لا شـكّ أنّـه يتسـاءل فى أىّ عـالم وقـع! كلّ هـذه العـبارات
وغـيرها صحيحة، لا بما تقــوله، بل بما تعـنيه. ونحن نفهم ذلك عـفـويًا، لأنـّه
جـزء من ثـقـافـتنا.
أمّـا الصـعـوبة بالنسـبة إلى الكـتاب المقـدّس، فكـونه لا
ينتمى، بالقـدر نفسـه، إلى ثـقـافـتنا. لكنّ الإكـثار من مطـالعـته يسـاعـدنا عـلى
التمـييز بين ما هـو صــورة وما هـو تعـليم.
|
" عـلبة أدوات عـمـل " تجـد الجـزء الأوّل ( الصفحة 14 ) " عـلبة أدوات عـمل
" لفـكّ نصّ، أىّ بعـض الأسـئلة التى يُمْكـن طـرحها عـلى النفـس لـدرس
أحـد النصــوص. راجعـها، فإنّهـا تُفـيدك عـلى طــول هـذه المسـيرة. |
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(136)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(137)
هـا إنّنا انطـلقـنا إلى اكـتشـاف العـهـد الجـديد، سـنحاول فى
هـذه الرحـلة الأولى أنْ نتعـرّف إلى عـالم المسـيحيّين الأوّلـين. ولئلا يتشـتّت
انتبـاهـنا، سـنتّخذ كـتاب أعـمـال الرسـل " دليلاً سـياحـيًا" (
وسـندرس فى وقـت لاحـق ما فى هـذا الكـتاب من تفكـير لاهـوتىّ ).
طـالع أعـمال الرسـل صفحة
بعـد صفحـة كانّها تحـقـيق قـام بها أحد المسـافـرين. سـنجـد كـثيرًا من الألفـاظ
الجـديدة والمـؤسّـسـات والمجمـوعـات والعـادات التى لا عـلم لك بها. حـاول أنْ
تكـتشـف ما تمـثّله، مسـتعـينًا بحـواشى كـتابك المقـدّس أو بمصوّر جغـرافى.
سـنعـود إلى كلّ ذلك بصورة منتظـمـة فى الصفحات اللاحـقـة.
إليك مخـطـطًا لأعـمـال الرسـل وبعـض نقـاط مهـمّة تسـاعـدك
عـلى المطـالعـة.
مُخـطـط
لأعـمال الرسُـل
·
رسـل 1-5 : الجمـاعـة فى
أورشـليم.
·
رسـل 6/1– 15/35: النشـاط
الرسـولىّ.
†
عـندالمسـتهـلنين:
اسـطـفـانوس وفـيلبّس ( 6-8 ).
دعـوة بـولس فى دمشـق (9/1–31).
†
عـند بطـرس (9/32–11/18).
†
فى كنيسـة أنطـاكـية (11/19–
15/4).
رحلة بـولس الرسـوليّة الأولى (13–14).
·
"
مجمـع أورشـليم (15).
·
رسـل 15/36–28/31: بـولس
مُـرْسَـل:
†
رحـلـته الرسـوليّة
الثانية فى 50–52 (15/36– 18/23).
†
رحـلته الرسـوليّة
الثـالثة فى 52–58 (18/23–20/38).
†
سـجـين فى قـيصـريّة فى 58–60
(21– 26).
†
سـيق إلى السـجن فى رومـة
فى 61–63 (27– 28).
أعـمال
الرسُـل فى بعـض وجـوهـه
·
الأمـاكـن. فـلسـطين فى
الامـبراطـوريّة. مـا هى المـدن الكـبرى؟ مـا هـو عـدد السُـكّان فى أورشـليم، فى
رومـة، فى انطـاكـية، فى طـرسـوس...؟.
·
الامـبراطـوريّة
الرومانيّة. إكـتشـف التلمـيحـات إلى المـؤسّـسـات (
الإمـبراطـور والحاكـم والعـدل... ) وطـرق المـواصـلات والأوضـاع الدينيّة
والاجـتماعـيّة ( المـواطـن الرمانىّ والعـبيد ) والاقـتصـاديّة ( المِهَـن
والمجاعـة ... وتنقـّلات الزوجـين أقـيلا وبرسـقـلّـة ).
·
الـدين اليهـودىّ. مـؤسّـسـاته
( الهيكل والمجلس والمجتمع ...) وفـئاتـه الدينيّة ( الفـرّيسـيّون والصـدّوقـيّون
... ). ظهـر المسـيحيّون زمـنًا طـويلاً بمظهـر شـيعـة من شـيع الـدين اليهـودىّ.
·
المـمـثّـلون. عـددهم كـثير
فى هـذا الكـتاب المـلئ بالحـيويّة! إنْ كان عـندك كـتاب مقـدّس للبحـث، يُمْكـنك
أنْ تضع تحـت أسـمائهم خـطـوطًـا مخـتلفـة الألـوان. هـناك الممثـّلون الإلهـيّون:
الله – يسـوع القـائم من بين الأمـوات، الغـائب فى الظـاهـر والحـاضـر فى كلّ
مكـان – والـروح القـدس – والكلمـة التى تبـدو أحـيانًا شـخـصًا ( انتبه إلى
المفـردات اللغـويّة: الكـلام والوعـظ والصوت ... ). وهـناك التلامـيذ: من هم؟
ماذا يعـمـلون؟ ( لاحـظ دور " العـلمـانيين " والنسـاء ...). وهـناك
المعـارضـون، من يهـود ووثنيّين...
·
حـياة الجمـاعـة
المسـيحيّة. المطـلوب فى الوقـت الحـاضـر أنْ تكـتشـف وجـوه
هـذه الحـياة وسـنبحـث فيها فى وقـت لاحـق. الوعـظ. أنظـر إلى
عـدد الخُطـب ( لمن وإلى من: يهـود ووثنيّين وتـلامـيذ؟ ). الحـياة
الطقـسـيّة. كسـر الخـبز ( الإفـخارسـتيّا ) والمعـمـوديّة والصلاة ( فى
أيـّة أمـاكـن؟ ). التعـليم المُلقـى إلى
المُعـمّـدين الجـدد. اتّحـاد القـلوب وتقـاسـم الخـيرات...
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(138)
الإمـبراطـوريّة الرومانيّة
فى هـذه المـرحـلة الأولى لرحـلتنا، نكتـفى بـ " نَصـبِ
الإطـار " الـذى سـنرى فـيه تنقـّـلات يسـوع ثمّ المسـيحيّين الأوّلـين. ولكى
لا نبتعـد عـن النصـوص، فـقـد اخـترنا كـتاب الرسـل " دليلاً سـياحـيًا
". وإنْ أنجـزت العـمـل المُقـترح عـليك فى الصفحة السابقـة، فـقـد أصبح لك
عـدد محـترم من المعـلومات، تُضـاف إليها حـواشى كـتابك المقـدّس.
وإنْ لمّ يتوفـّـر لك الوقـت للقـيام بهـذا العـمـل، يُمْكـنك
أنْ تكـتفى " بزيـارة مـوجّـهـة ": وسـتجـد هـنا أهـمّ العـناصـر
مُجَمـّعَـة فى وَحَـدات، ولكـنّنا سـننطـلق، كلّمـا أمْكـن الأمـر، من بعـض
فـقـرات أعـمـال الرُسـُل تبـدأ بقـراءتها قـبل كلّ شئ.
لم تكنْ فـلسـطين سوى إقـليم صـغـير من الإمـبراطـوريّة
الرومـانيّة الواسـعـة. كانت العـبارة " بحرنا" تـدلّ عـند الرومـانيّين
عـلى البحـر المُــتوسّـط الـذى امـتدّ سـلطانهم حـوله فى قـليل من القـرون. فـفى
السـنة 63 ق. م. ، اســتولى القـائـد بمـبيوس عـلى سـوريّـة وفـلسـطين، وكان هـذا
الفـتح مطـلع احـتلال عـسـكرى كانت ذروتـه الإسـتيلاء عـلى أورشـليم عـن يـدّ طـيطـس
فى السـنة 70 ب. م. وتدمـيرها فى السـنة 135. ومـنذ أنْ مَـلَك أوغـسـطس ( 30 ق.
م. – 10 ب. م. ) سـاد " السـلام الرومـانىّ ".
وقـبل مـواصـلة طـريقـنا،
يُمْكـنك أنْ تقـرأ بعـض نصـوص أعـمـال الرُسُـل، وهى تـوحى ببعـض وجـوه الحياة فى
الامبراطورية:10/12 و13/6-7 و14/12 و16/16–40و17/6و16و18/1-4 و12 و26 و28 و19/9 و24
و21/31 و22/25-28 و23/23 و35 و24/22-3 و5/12 و27/1 - 44 و28/16 ولـو3/1-3. وفـيما تقـرأ هـذه النصـوص، انتبـه إلى
المؤسّـسات والألقـاب والأوضـاع.
إمـبراطـوريّة
فى طـريق الاشـتراكيّة
فى ذلك الزمـان كانت رومـة تنظـّم امـبراطـوريتها الواسـعـة
الغـنيّة والتى لا مـنافـس لها. وبعـد ثـلاثـة قـرون ن الفـتوحات، كانت تسـعـى
لتـوحـيدها. وهـناك بضـعـة عـناصـر قـد سـاعـدتها عـلى ذلك.
·
اللغـة. بقـيت
اللاتينيّة اللغـة المـتكلّم بها غـربىّ الإمـبراطـوريّة ( إيطـاليا وغـاليا
وأسبانيا ). لكنّ اللغـة اليـونانيّة، أى اللغـة الشـائعـة، احـتلّـت شـرقـًا
محـلّ مُعـظم سائر اللغـات المحـلّيّة، وكان النـاس يفهـمونها فى جمـيع أنحـاء
الإمـبراطـوريّة. أمّـا فى سـوريّة وفـلسـطين، فكانـوا لا يزالـون يتكلّمـون
بالآرامـيّة، فى حـين أنّ العـبريّة بقـيت لغـة الطـقـوس.
·
الشـئون الإداريّة. كانت
الإمـبراطـوريّة منقـسـمة إلى أقـاليم تخـتلف شـدّة ارتباطها برومـة. كان عـلى رأس
بعـضـها ولاة ( سـرجـيوس بولس أو غـاليـون )، وعـلى رأس بعـضها الآخـر مُفـوّضـون
( كـويرينس ). وكان بعـضها فى عـهـدة حكّـام ( بنطـيوس بيلاطـس وفـيلكس وفـسـتس )
وقـليل منها يتمتّـع بشـبه حكم ذاتىّ، وهـذا شـأن فـلســطين فى أيّام هـيرودس
الكـبير وبنيـه.
·
طـرق المـواصـلات. كان السـيْر
مكـثـفـًا. وكانت الطـرق الرومانيّة ( بمحـطـّاتها الوسـيطـة ونُـزُلها ) مقـصـورة
عـلى السـعـاة الإمـبراطـوريّين والجـيش وبعـض المحـظـوظـين. فكانت تُسـاعـد عـلى
الوصـول بسـرعـة إلى جمـيع أمـاكـن الإمـبراطـوريّة. وكانت هـناك سـفـن كـثيرة،
تنقـل البضائع والركّـاب ( 276 شـخصًا عـلى سـفـينة بـولس: رسـل 27/37 )، سـواء
عـلى الأنهـار أمّ لا سـيّمـا عـلى البحـر المُـتوسّـط ما دام قابلاً للمـلاحـة (
من آذار [ مارس ] إلى تشـرين الثانى [ نوفمـبر]: راجع رسـل 27/9).
·
وكان العـدل. واحدًا لجميع
المواطنين. فكان من حقّ أىّ واحد منهم أنْ " يرفـع دعـواه إلى قيصر"
فـتتوقّف فورًا كلّ سـلطـة قـضائيّة ويُساق صـاحب الدعـوى إلى محكمة الإمـبراطور
(25/12 و26/32).
·
وكانت الضـرائب أيضًا تصـيب
جميع السـكّان! كانت الضـرائب المـباشـرة تُجّـبى عـن الأمـلاك ومن كلّ شـخـص (
راجع متّى 22/17). وأمّـا الضرائب غـير المـباشـرة والجمـارك فكان يُعْـهـد بها
إلى وكـلاء عـامّـين يدفـعـون ثمنها الإجمـالى، عـلى أنْ يســتوفـوه ( مع ربح
كـبير ) عـن يدّ الجُـباة أو العـشـّارين.
·
وكان اخـتلاط
السُـكّان أمـرًا مـألـوفًا، وهـناك مـثل الزوجـين: أقـيلا
وبرسـقـلّة. كان أصـلهما من آسـية الصُـغـرى فـَقـَدِ مـا رومـة ومنها طـُرِدَا
بسـبب الأمـر الـذى صـدر عـن الامـبراطـور قـلوديـوس فى 49–50، فـأقـامـا فى
قـورنتس. عـمـل بولس عـندهما (18/2) وبعـد ثـلاث سـنين عـاد فـوجـدهما فى أفـسـس (18/26)!
إمـبراطـوريّة
فى طريق التمدّن
يصـعـب تحـديد عـدد سـكّان الإمـبراطـوريّة فـيُقـدّر بخمسـين
مـليونًا. وأمـا المـدن الكـبرى، فـالأرقـام المُقـرحة هى: مـليون أو مليـونان
لرومـة أو الاسـكندريّة، ونصف ملـيون لأنطـاكـية وطـرسـوس وقورزتس وافـسـس... لم
يكن فى أورشـليم أكـثر من خمسـين ألف ساكن ( أمّـا فى الأعـياد الكـبرى فكان فـيه
ثـلاثـة أو أربعـة أضـعـاف ).
لم يكـنْ لجمـيع أولئك السكّان أحـوال شـخـصـيّة واحدة. كان
بعـض الرجـال الأحـرار مـواطـنين رومانيّين، وكانـوا يحصـلون عـلى هـذه الجنسـيّة
المـرغـوبـة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(139)
إمّـا بحـكم الشـرع
( فى إيطـاليا )، وإمّـا بالولادة ( خَلَف مسـتوطـنين رومانيّين مـثلاً ) أو بدفـع
ثمنها غـاليًا ( ليسـياس، رسـل 22/28). وكانـوا يُعـفَـون من بعـض الضرائب
ويتمـتّعـون بالحمـاية (16/37–39 و22/25). وكان سـائر الرجـال الأحـرار من
المغـتربين، أىّ انّهم غـرباء عـن الأمّـة الرومانيّة وأقـلّ حـقـوقًا. وكانت أوضاع
العـبيد ( سـاكـنان عـلى ثـلاثـة فى بعـض المـدن الكـبرى ) تخـتلف جدًا باخـتلاف
مـزاج سيّدهم أو احوالهم. كانت هـذه الأحـوال شـاقـّة فى الأريـاف، وأكـثر
احـتمالاً فى المدن، ولا سـيّما بالنسـبة إلى العـبيد الاخـتصـاصـيّين،
كالحـرفـيّين والطـبّاخـين والأطـبّاء... وكان إعـتاقـهم ممكــنًا، إمّـا عـن يـدّ
سـيّدهم، وإمّـا بدفـع الثمـن.
سـعـيًا وراء
" مـزيد من الـروح "
كان الشـعـور فى هـذه الأقـاليم المُسـتولى عـليها أنّ الآلهـة
القـومـيّين فـشـلوا، إذ لم يســتطـيعـوا أنْ يـدافـعـوا عـن شــعـبهم ضـدّ رومـة.
فكـان " الإلحـاد " ينتشـر، فـلم يعـودوا يؤمـنون بالآلهـة إلاّ
قـليلاً، وإنْ كانـوا "يمارسـون " دينًا رسـميًا هـو بالأحـرى رابـط
ثـقـافى. وكانـوا يبحـثون عـن معـنى للحـياة خارجًا عـن الـدين، أىّ فى التفكـير
الفـلسـفى والحكمـة (17/16) أو فى الديانات السـرّيّة حـيث كانـوا يأمـلون الحصـول
عـلى الخـلاص بالاطـّلاع عـلى الأسـرار.
فنمـت جمـيع أنـواع الجمـعـيّات، لا لأسباب دينيّة فـقـط، بل
للهـرب أيضًا من فـقـدان الشـخـصـيّة الناتج عـن النزعـة الاشتراكـيّة.
اليهـود
والمسـيحيّون فى الامـبراطـوريّة
كان الدين اليهـودىّ قـبل كلّ شئ أورشـليم، مــركـز الـديـن الرسـمىّ
حـول الهـيكل، والمـمـتدّ عـلى "أرض إسـرائيل "، عـلى اليهـوديّة كما
كانت تُـدْعَى فى ذلك الزمـان ( ولم يُسَـمّـوها " فـلســطـين " أو
" أرض الفـلسطينيّين " إلاّ بعـد السـنة 135 ). وكانت مسـاحة هـذه الأرض
ثـلاثـة أضـعـاف مسـاحة لبنان الحـالى، وعـدد سـكّانها نصـف مـلـيون فـقـط.
وكان الـدين اليهـودىّ يمــتدّ إلى الشـتات أيضًا. طـالمـا أقام
اليهـود خـارج اليهـوديّة، وبقى بعـضهم فى بابل بعـد الجـلاء، واســتوطـن بعـضهم
فى الإسـكندريّة حـيث كانـوا يُشـكّلون خُـمْس سـكّانها. فـفى جمـيع المدن التى
مـر بها بولس، فـقـد وجد جمـاعـات يهـوديّة مـزدهـرة ( مـثلاً 13/14 و14/1 و16/13
و17/2 و18/4 ...). ويُقـدّر أنّ من ثمـانية إلى عـشـرة فى المـئة من سكّان
الإمـبراطـوريّة كانـوا يهـودًا، أىّ من سـبعـة إلى ثمـانية مـلايين. وكانت التبشـيريّة،
أو الرغـبة فى هـداية الناس إلى الدين، نشـيطـة جـدًا (19/13 وراجع متّى 23/15).
وكان اليهـود يتمـتّـعـون فى الإمـبراطـوريّة بنظـام خاصّ:
إعـفـاء من الخـدمـة العـسـكريّة ومـراعـاة السـبت وإمكـانيّة دفع ضـريبة سـنويّة
للهـيكل. فكـانـوا يخضـعـون رسـميًا لِسُـلْطـتين: سُـلْطَـة الإمـبراطـور وسُـلْطـَة
مجلس أورشــليم.
أمّـا الـدين المسـيحىّ، فـلمّ يكـنْ فى أوّل
أمْـرِه سـوى شـيعـة نشـأت داخـل الـدين اليهـودىّ، سـيُصـبح، فى نظـر الشـرع
الرومانى، " دينـًا غـير مشـروع " و " خـرافـة "، فـيُمْـكـن
مـلاحـقـته أمـام القـضــاء.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(140)
فـلسـطـين
الاقـتصـاد
إنّ الخريطة الطـبيعـيّة فى الصفحة السـابقة تساعـدك عـلى تحديد
مكـان السـهـول الخـصيبة ( يزرعـيل وشـارون والسـهـل ) وأنجـاد الخـليل والسامـرة
واليهـوديّة حـيث كانـوا يفـلحـون، فى حقـول مسـطـّحـة أحـيانًا، وأرضـًا حَجِـرة،
ووادى الأردن بجـزيرته الصـغـيرة النضـيرة وهى أريحـا.
كانت الأمـطـار غـزيرة، ولكنّها لا تنزل إلاّ بين تشـرين الأوّل
( أكـتوبر ) وآذار ( مـارس ) والمـاء يُحْـفـظ بعـناية فى الصهاريج.
كانت الزراعـة المـورد الرئيسـىّ.
يُزْرع الشـعـير والقـمح، وهـو أسـاس التغـذيـة، فى كلّ مكـان عـلى التقـريب.
يبتـدئ أوان البـذر بعـد الأمـطـار الأولى، ويتمّ حصاد الشـعـير قـبل عـيد الفـصح،
وحـصاد القـمـح بين الفـصـح والعـنصـرة.
كان شـجـر الزيتون يُعْـطى زيتًا كـثيرًا وكانـوا يُصَـدّرونه
إلى مـصـر وسـورية. وكانـوا يُصَـدّرون التين أيضًا إلى رومـة.
كانـوا يزرعـون الكـروم ولا سـيّما فى اليهـوديّة، وكان فى
الكـروم معـاصـر العـنب والبروج التى يراقـبون منها اللصـوص والثـعـالب.
وإلى جانب الفـواكه والبقول العـاديّة كالعـدس والحُمّـص
والسـَّلَطـة، كانت هـناك محاصـيل فـاخـرة تصـل إلى مائـدة الإمـبراطـور، كرمّـان
وبَـلَح أريحـا أو الجـليل، وكمـأة اليهـوديّة والورد الـذى كانـوا يسـتخـرجـون
مـنه عـطـرًا ولا سـيّمـا بلسـم اليهـوديّة الـذى يُدْفـع ثمـنه ذهـبًا والـذى
تجـارتـه رائجـة جـدًا.
كانت أرض فـلسـطين مكـسـوّة بالأشـجار... قـبل مـرور المُـعَـز!
كانت تربية الحـيوانات واسـعـة الانتشـار. وكانت
الخـراف والمَـعَـز تُعـطى اللحـم والحـليب والجـلد والصـوف. وكان الهيكل، نظـرًا
لذبائحـه الكـثيرة، يسـتهلك كـثيرًا من البَـقـّر. وكانـوا يـربّـون أيضًا حمـيرًا
صـغـيرة قـويّة وتُسـتخـدم لأعـمـال الزراعـة وللتنقـّلات. وأمّـا النقـليّات
الثقـيلة، فكـانـوا يســتخـدمـون فيها الجمـال. وكان الحـصــان مـقـصـورًا عـلى
الأغـنياء.
كانت بعـض قـطـاعـات الصـناعـة مـزدهـرة.
كانـوا يمـارسـون الصـيد فى الأنهـار
ولا سـيّمـا فى بحـيرة طـبريّا التى كانت تسـوّق السـمك المُـدخّـن أو المُجـفّـف
فى جمـيع أنحـاء فـلسـطين.
كان البناء مـزدهـرًا. من السـنة 20
ق. م. إلى السـنة 64 ب. م. ، قـامـوا بأعـمـال تجمـيل كـبرى فى الهـيكل،
اسـتخـدمـت حتى 18000 عـامـل. وقـام هـيرودس انتيبـاس ببـناء طـبريّا وتحصـين
سـفّـوريس ويولياس. وأقـام أغـريـبا سـورًا شـمالىّ أورشـليم وبنى بنطـيوس بيلاطـس
قـناطـر مـاء جـديدة.
وكانت الصـناعـة اليـدويّة تُلبّى
حـاجـات الحـياة اليـومـيّة، من صـناعـة المـلابس ( حـياكة وغـَزل وصـباغـة ودعـك
) وأنية الطـعـام ( صـناعـة الفخّـار ) ومجـوهـرات.
كان الهـيكل " مجمـوعـة صـناعـيّة " كـبيرة، ينهـمـك
فـيها الكهـنة واللاويّـون، ويُعْـنَى بصـيانتها النحّـاتـون، ويُـذبح فـيها ألـوف
الحِـمْـلان والبقـر، وتُـدْبـغ فـيها الجُـلود ( وهى مِـلْك الكهـنة ) ثمّ
تُحـوّل وتُصَـدّر. وكانـوا يسـتعـمـلون فى الهـيكل أخـشـابًا كـريمـة وعـطـورًا.
وكان ازدحـام الحجّـاج يُشـجّـع تجـارة المـأكـولات، وتجـارة " التذكارات
"، إذ كان عـلى الحجّـاج أنْ يُنْـفـقـوا محـلّيًا مقـدار العُـشـر الثـانى.
كانت التجـارة الداخـليّة تقـوم عـلى
المُـبَادلة خـاصّـة. أمّـا فـيما يتعـلّق بالتجـارة الخارجـيّة، فكـانـوا
يسـتوردون الكمـاليّات بنـوع خـاصّ، كـأرز لـبنان والبخـور والأطـياب وذهـب جـزيرة
العـرب وحـديدها ونحـاسـها، وتـوابـل الهـند وأقمشـتها... وكانـوا يُصـَدّرون المـأكـولات
( الفـواكـه والزيت والخمـر والسـمك ) والعـطـور والجـلود وزفـت البحـر المـيّت.
وكانت هـذه التجـارة تُمـارس عـن يـدّ كـبار التُجّـار.
وكان من شـأن كلّ ذلك أنْ تكـون فـلسـطين أرضًا " تُـدِرّ
اللـبن والعـسـل " لولا الضرائب والتوزيـع غـير المـتسـاوى للخـيرات.
الأغـنياء
والفـقـراء
كانت هـناك أقـلّـيّة تعـيش عـَيْشـة تَـرَفٍ فى أغـلب
الأحـيان، فـيها المـلك وحـاشـيته، وفـيها أيضًا أرسـتقـراطـية أورشـليم
الكهـنوتيّة وكـبار التُجّـار ورؤسـاء جُـباة الضـرائب والمـلاّكـون ( فى الجـليل
خـاصّـة ).
كانت الطـبقـة الوسطى مـؤلّـفـة من الحـرفـيّين وكهـنة القـرى.
وأمّـا صـغـار المـزارعـين، وهم غـالبًا مُـثـقـلون بالديـون، فكـانـوا أقـرب إلى
الفـقـراء.
وكانـوا أعـوز الناس والعُـمّـال والمُياومـين والبطـّالين،
وكـثيرًا ما يُضـطـرّون إلى الاسـتعـطاء، والعـبيد طـبعًا.
وكان المـرضى ( ويبـدو أنّ أمـراض الجـلد و " البرص "
كانت شـائعـة ) وذوو العـاهـات يعـيشـون من الصـدقـة، وكانت الصـدقـة واجـبًا
دينيًا هـامّـًا.
ولا ننسـى اللصـوص وكانـوا كـثيرين.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(141)
الفـئات
الاجـتمـاعـيّة
سـنُقـدّم بالتتابع المجـموعـات الاجـتماعـيّة والدينيّة
والسـياسـيّة. من المسـتحـيل فى الواقـع أنْ نُمـيّز بينها بهـذا الوضـوح، فـإنّها
تتشـابك.
إلى جـانب الأغـنياء والطـبقـات الوسـطى والفـقـراء، يُمْكـن
الإنفـراد ببعـض الفـئات الخـاصّـة:
إقـرأ رسـل 4/1–17 و5/17–42
ودَوّن الفـئات المـذكـورة: مـاذا تُمـثّل؟.
الكـهـنة
هـناك فـرق شـاسـع بين ارسـتقـراطـيّة أورشـليم الكهـنوتيّة
وسـائر الكهـنة.
عـلى أساس التسـلسـل نجـد عـظـيم الكهـنة. كان مسـئولاً عـن
الشـريعـة وعـن الهـيكل ورئيسـًا للمجـلس والوحـيد الـذى يجـوز لـه أنْ يدخـل قـدس
الأقـداس مـرّة فى السـنة. فكـان رئيس الشـعـب. كان يُعـيّن فـيمـا مضـى لمـدى
الحـياة، ولكن المـلوك اليهـود ثمّ الرومـانيّن أخـذوا يعـيّنونه ويخـلعـونه عـلى
هـواهـم، فكان عـظـيم الكهـنة يسـعـى لإرضـاء السـلطـات المـدنيّة. ومن جهـة
أخـرى، كانت هـذه الوظـيفـة تـدرّ مـالاً طـائلاً: نصـيبًا من التقـادم وربحـًا من
بيع الحـيوانات... وبمـا أنّ عـظـماء الكهـنة كانـوا ينتمـون إلى أربـع عـائلات،
فـلا يُخْـفَـى أيـّا كان نفـوذهم السـياسىّ والاقـتصـادىّ.
وكـان مخـتلف المسـئولين عـن الهـيكل ينتمون أيضًا إلى تلك
الارسـتقـراطـيّة وفى أغـلب الأحـيان إلى تلك العـائلات. جمـيع أولئك الكهـنة
كانـوا صـدّوقـيّين.
وكان عـدد كهـنة القـرى يبلغ سـبعـة آلاف. ولمّـا كانـوا
قـريبين جـدًا من عـامّـة الشـعـب، فـقـد كانـوا يُقـاسـمـونه عَـيْشـه ومهـنته
وفـقـره. وكانـوا ينقـسـمون إلى 24 قـسـمًا ويُمـارسـون وظـفـتهم فى الهـيكل
بالتناوب أسـبوعـًا فى السـنة وفى أعـياد الحَجّ الثـلاثـة. وكانـوا يقـترعـون عـلى
من يُقَـدّم البخـور. وبمـا أنّه يجـوز له أنْ يُعـيّن ثـانية لهـذا العـمـل
الشـريف قـبل أن يتناوب عـليه الجمـيع، فكان هـذا الأمـر فـرصـة الحـياة ( لو1/5-9).
وكان بعـض المُـثـقـّفـين مـنهم كـتبة، وكـثيرٌ مـنهم فـرّيسـيّين.
وأمّـا اللاويّـون، فكـانـوا نوعـًا من صـغـار الكهـنة الـذين
فـقـدوا كلّ سـلطـة. كان عـددهم عـشـرة آلاف ينقـسـمون هم أيضًا إلى 24 قـسـمًا
ويُمـارسـون فى الهـيكل، أسبوعًا فى السـنة، وظـائف ثـانـويّة: إعـداد الـذبائح وجَـبْى
العـشـور والمـوسـيقى وشـرطـة الهـيكل.
الشـيوخ
كان الشـيوخ نـوعـًا من الارسـتقـراطـيّة العَـلْمانيّة غـير
الواضـحـة المعـالم. وهـنا أيضًا فـرق شـاسـع بين رؤسـاء القـرى والمجمـوعـة
الصـغـيرة للتجّـار أو المـزارعـين الأغـنياء، التى كان لها مقـاعـد فى مجـلس
أورشـليم. كانـوا حـريصـين عـلى سـلطـانهم ولـذلك فكانـوا مـرتبطـين بالمُحْـتلّين
الرومـانيّين وبعـظـمـاء الكهــنة. ويـبدو أنّهم كانـوا من الصـدّوقـيّين.
الكـتبة أو معـلّمـو الشـريعـة
كانـوا أسـاسـًا اخـتصـاصِيّى الشـريعـة، يُعـْترف لهم بهـذه
الصـفـة فى أعـقـاب دروس طـويلة، فى سـنّ الأربعـين تقـريبًا. وكان لهم تأثـير بعـيد
بكـونهم المُفـسّـرين الرسـمـيّين للكـتب المقـدّسـة، فى مـا يتعـلّق بالحـياة
الجـارية وأمـام المحـاكم عـلى السواء. كان بعـضـهم كهـنة، ولكن معـظـمهم عـلمـانيّون
وفـرّيسـيّون. كانـوا دمغـة الشـعـب، وكـثيرًا ما كانـوا يشـاطـرونه فـقـره.
وأشـهـرهم فى ذلك الزمـان هـلّيل وشـمّـاى ( ق. م. ) وجـمـلئيل، أسـتاذ بـولس
(5/34 و22/3) ويـوحـانان بن زكّـاى، رئيس مـدرسـة يـبـنه بعـد السـنة 70 ( راجع
الصفحة 145 ) وعُـقَـيْبـة الـذى قـتله الرومـانيّون فى السـنة 135.
أحـاط الكـتبة الشـريعـة بـ " سـياج " من الأحكـام.
تـبدو لنـا هـذه الأحكـام نـير عـبوديّة، مـع أنّهـا كانت، فى الواقع، وسـيلة
تحـرّر، إذْ أنّهـا، بتعـميم قـواعـد الطهـارة، المحصـورة فى الأصل بالكهـنة، عـلى
كلّ الشـعـب، كانت تُمـَكّـنْ جمـيع النـاس من التقـرّب إلى الله.
العـشّـارون
ليس هـؤلاء الجـباة بالوكـلاء العـامّـين، بل هـم معـاونـوهم.
مع أنّهم كانـوا يهـودًا، فـقـد كانـوا يجـبون الضـرائب لحسـاب المُحـْـتلّ
الرومـانىّ. فـلهـذا السـبب ولأنّهم كانـوا يمـيلون إلى زيادة الضـرائب لحسـابهم
الخـاصّ، كانـوا يُعَـدّون خـاطـئين جهـرًا.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(142)
الفـئات
الدينـيّة
يُطـلق عـادة عـلى هـذه الفـئات اسـم " الشِـيَع "
وليس لهـذه الكلمـة أىّ معـنى تحقـيرى. والشـيَع الثـلاث نشـأت فى أيّام
المكّـابيّين ( راجع الجزء الأوّل، الصفحة 85 ).
إقـرأ 4/1-17 و5/17-42
و18/24-48 و22/2 و23/6-9. مـا هـى الشـيَع البارزة؟ ما هى عـقـيدتها؟.
1. الفـرّيسـيّون
لهم سـمعـة سـيّئة، وهـذا أمـر مـؤسـف وغـير عـادل،
فـالفـرّيسـيّون رجـال أتقـياء. لقـد " انفـصـلوا " ( هـذا معـنى
الكلمـة ) عـن الحشـمـونيّين المُعـدّين غـير أوفـياء وكانـوا ينفـصـلون عـن
الخطـيئة. فكانـوا حـريصـين قـبل كلّ شئ عـلى قـداسـة الله ويواظـبون عـلى
التأمّـل فى شـريعـته. وكانـوا يُعـلّمـون بأنـّه يصـعـب عـليهم أنْ يعـيشــوا
دائمـًا فى حضـرة الله القـدّوس، فكانـوا يُحـيطـون أنفسـهم بشـبكة من الممارسـات،
ولم يكـونـوا مـرائين، فـعـندما يُصـرّح الفـرّيسـىّ فى مـثل الفـرّيسـىّ
والعـشـار ( لو 18/9-13 ) بأنّـه يصـوم مـرتين فى الأســبوع ويُعـْطى الفـقـراء
عُـشـرَ أمـواله... فـذلك أنّـه يفعـل ما يقـول!
كانـوا شـهـودًا صـادقـين عـلى الإيمـان الصـحيح. وقد أخـذ
عـنهم يسـوع تربيته وطـريقـتهم فى الصـلاة إلى الله، فكان يشـعـر بأنّـه قـريب
منهم، كان خطـأهم الوحـيد اعـتقـادهم بأنّهم يسـتطـيعـون أنْ يعـتمـدوا عـلى
قـداسـتهم للتقـرّب من الله وبانّهم قـد ربحـوا الســماء باسـتحقـاقـاتهم. فإذا
قـاومهم يسـوع تلك المقـاومـة العـنيفـة، فـلأنّـه ربّمـا خـاب أمـله عـندما رآهم
يُفـسـدون قـداسـتهم، لأنّهم كان لهم تأثـير شـديد فى عـامّـة الشـعـب الـذى كان
يعـجـب بهم. وكان هـذا التأثـير يعـود إلى قـداسـتهم أكـثر ممّـا يعـود إلى
عـددهم، فلم يكـن يتجـاوز السـتّة آلاف. وقـد اتّخـذ بعـضهم إزاء يسـوع وتـلامـيذه
مـوقـفـًا منفـتحـًا جـدًا ( يو 3 ولـو 7/36 و13/3 ورسـل 5/34 و15/5 و23/9). وهم
الـذين سـيُنْقِـذون الـدين اليهـودىّ بعـد السـنة 70.
2. الصـدّوقِـيّون
كانـوا يؤلّـفـون طـبقـة أرسـتقـراطـيّة، ولا سـيّما كهـنوتيّة.
لا نعـرف شـيعـتهم معـرفـة جـيّدة. يبـدو أنّهم كانـوا لا يعـترفـون بشـريعـة غـير
التـوراة ( بمعـزل عـن الأنبياء )، ولا يـؤمـنون بالقـيامـة ولا بالمـلائكـة (23/8).
كانـوا يُمـارسـون سـياسـة انتهـازيّة، فـيتعـامـلون مع المُحـتلّ الرومـانىّ
للمحـافـظـة عـلى سـلطانهم. سـيُعـامـلون يسـوع والمسـيحيّة فى نشـأتها معـاملة
قـاسـية. لم يكن لهم من الحـيويّة الدينيّة ما يُمـكّـنهم من الصـمـود لكارثـة
السـنة 70 فـتــواروا عـن التاريخ.
3. الحـسـيديـم
كانـوا نـوعـًا من النُسـّاك يعـيشـون عـيشـة جمـاعـيّة عـلى
شـاطئ البحـر المـيّت. زدنـا معـرفـة لهم مُـذ أنْ عُـثر عـلى مخـطـوطات قـمـران
فى السـنة 1947. كانـوا بقـيادة كاهـن يُسـمّـونه مُعـلّم الـبرّ، فـانفـصـلوا عـن
سـائر اليهـود، مُعْـتبرين إيّاهـم مُقـصّـرين جـدًا فى الـورع. كانت حـياتهم
حـياة صـلاة وتأمّـل فى الكـتب المُقـدّسـة وتمهـيد إلى مجئ مـلكـوت الله. دمّـر الرومـانيّون
ديـرهم فى السـنة 70.
4. الحـركات المعـمدانيّة
بين السـنة 150 ق. م. والسـنة 300 ب. م. ، قـامـت، فى داخـل
فـلسـطين وخارجهـا، حـركات معـمـدانيّة كـثيرة. كانت هـذه الحـركات تتّسـم
بالأهـمّـيّة المُعـلّقـة عـلى المعـمـوديّة كـرُتبة قـبول أو غـفـران،
وبمـوقـفـهم العـدائىّ للهـيكل والـذبائح. كان النـاصـريّون ( يخـتلفون عـن
النـصـارى، راجـع أدنـاه ) يرفـضـون كلّ ذبيحـة دمـويّة. تدخـل حـركـة يوحـنّا
المعـمـدان فى إطـار هـذا التيّار، ولكنها تخـلو من كلّ تعـصّـب، فـقـد كانت
منفـتحـة للجمـيع ولا تنبـذْ أىّ أمـر من أمـور الإيمـان التقـليدىّ. يـبدو أنّ
هـذه الحـركة بقـيت بعـد مـوت يوحـنا المعـمـدان، كمـا يشـهـد عـلى الأمـر الفـريق
الـذى كان يعـيش فى أفـسـس فى حـوالى السـنة 54 (19/1-7).
5. " شـعـب الأرض"
كان الفـرّيسـيّون يطـلقـون هـذا اللفـظ التحقـيرىّ عـلى
عـامّـة الشـعـب الـذين يجهـلون الشـريعـة فـيعـجـزون عـن مـراعـاة جمـيع أحكامها
ويُنجّـسـون أنفسـهم ( راجع يو 7/49 ورسـل 4/13).
6. النصـارى
أطـلق اليهـود مـرّة واحـدة هـذا الاسـم عـلى المسـيحيّين (24/5).
أصـل هـذه الكلمـة مـوضـع جـدال عـلى كلّ حـال. تـدلّ هـذه التسـمية عـلى أمـر لا
يقـبل الجـدل، وهـو أنّ تلامـيذ يسـوع ظهـروا مـدّة طـويلة بمظهـر شـيعـة جـديدة
داخـل الـدين اليهـودىّ.
7. السـامـريّون
لا يُشـكّـلون شـيعـة بحصـر المعـنى. كانـوا من أصـل خـليط (
راجع الجزء الأوّل, الصفحتان 45 و 79 )، فـانفصـلوا عـن الـدين اليهـودى الرسـمىّ.
يُشـاركـون اليهـود فى التـوراة، ولكنّهم شـيّدوا هـيكلهم فى جـبل جـرِزّيم. كانت
العـلاقـات مـتوتّـرة بينهم وبين اليهـود ( راجع لـو 9/52 و يـو 4/9 و 8/48 ).
وكانت معـامـلة يسـوع لهم حجـر عـثرة لمعـاصـريه ( يـو 4/5–40 ولـو10/13 و17/10–17).
وكانـوا أوّل من امــتدّت إليهم الرسـالة المسـيحيّة ( رسـل 1/8 و8/5-25 و9/31 و15/3).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(143)
8. الوثنيّون المـلحـقـون بالدين اليهـودىّ
ينقسـم العـالم، فى نظـر الـدين اليهـودىّ، إلى قـسـمـين:
اليهـود ( المخـتونين ) والوثـنيّون ( أو الأمم أو القـُلْـف ). ولكنّ الوثنيّون
يســتطـيعـون الانضـمام إلى اليهـود.
الدُخـلاء هم الوثنيّون الـذين يقـبلـون كلّ مـا فى الشـريعـة
اليهـوديّة: الإيمـان وحتّى الخـتان وسـائر الممـارسـات (2/11 و6/5 و3/43 وراجـع
مـتّى 23/15).
وعُـباد الله أوّ متـّـقـو الله يقـبلون الإيمـان اليهـودىّ، لا
الخـتان، فـيبقـون وثنيّين (10/2 و22 و13/16 و26 و43 و50 و16/14 و17/4 و17 و18/7).
الكـتل
السـياسـيّة
تجـاه المُحْـتلّ الرومـانى، كان اليهـود ينقـسـمـون إلى
متعـامـلين ومقـاومـين. وكان الأغـنياء وكـبار الكهـنة يتعـامـلون معـه
للمحـافـظـة عـلى سـلطـانهم. منهم الهـيرودسـيّون وكانـوا، ولا شكّ من أنصـار
هـيرودس أنتيبـاس، مع أننا لا نعـرفهم معـرفـة جـيّدة. وقـد أظهـروا عـداءهم
ليسـوع ( متـّى 22/16 ومـر 3/6 و12/13).
وبالعـكس، فـقد دعـت " الغـيرة " عـلى الشـريعـة
الأشدّ تديّـنًا منهم إلى المقـاومة، وكانت هـذه المقـاومة سـلميّة عـند
الفـرّيسيّين وعـنيفة عـند الذين سـيُطْلق عـليهم ابـتداء من السـنة 66 لقب
"الغـيورين " وعـلى البعـض منهم لقب " أصحاب المُدى " ( لأنهم
كانوا يحمـلون المُـدى تحـت ثيابهم ). وهم أكـبر المسـئولين عـن التمـرّد الـذى
أدّى إلى كارثة السـنة 70. وعـرف التاريخ قبلهم عـدّة تمـرّدات حُـبطـت وعـلى
رأسهـا أُنـاس ادّعـوا أنّهم " المشـيح " (5/36 و21/38).
كان من المهـمّ أنْ نتذكّـر هـذا الإطـار التعـصّـبى لنتفـهّم
مخـتلف المـواقـف التى سـيتّخـذونها حـيالَ يسـوع المشـيح (مـثلاً : لـو 6/15).
المـؤسـّسـات
إقـرأ بعـض النصـوص: 3/1-2
و6/1-15 و9/1-2 و13/13-15 و44-52 و16/11-15.
1. الهـيكل
كان الهـيكل، بعـد أنْ رمّـمـه هـيرودس، ينتصـب فى وسط سـاحـة
تُقـارب مسـاحـتها 300× 500 مـتر. إنّـه المكـان المُقـدّس الـذى يحضـر الله فـيه
والـذى نُظـّـمـت مـداخـله تنظـيمـًا دقـيقـًا. كان فـيه قـدس الأقداس، وهـو
عـبارة عـن غـرفـة مفصولة بسـتار الهـيكل وكانت تحـتوى فـيما مضى عـلى تابـوت
العـهـد، ولا يدخـلها إلاّ عـظـيم الكهـنة مـرّة واحـدة فى السـنة يـوم الكـيبور.
وكان حـول المـذبح فـناء أوّل مُخـصّـص للكهـنة، ثمّ يأتى فـناء إسـرائيل (
للرجـال ) وفـناء النسـاء المفـصـول عـن فـناء الأمم بـدَرابـزين لا يجـوز لأىّ
وثنىّ أنْ يجـتازه تحـت طـائلة المـوت.
عـلى المـذبح الواسـع الـذى يبلغ ضـلعـه 25 مـترًا وعُـلوّه
سـبعـة أمـتار ونصـف المـتر، وكانـوا يذبحـونها صـباحًا ومسـاءً حَـمـلاً "
ذبيحـة دائمـة " إلى جـانب الذبـائح الخاصّـة التى لايُحصى عـددها. وكان عـدد الذبـائح يرتفـع فى
أيـام الأعـياد، فـينهـمـك اللاويّـون وتزدحـم الجمـوع...
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(144)
كان حمـل الفـصـح يُـذبح عـلى المـذبح قـبل أنْ يـؤكل فى البيت.
ولـذلك، فمـنذ أنْ دُمّـر الهـيكل فى السـنة 70، يتمّ الاحـتفـال بالفـصـح
اليهـودى من دون حَـمَل.
لم يكُنْ الهـيكل مـركـز التديّن فـقط، بل كان أيضًا مركز
الأمّـة السـياسـىّ ( فـيه تتمّ جلسـات المجـلس ) والاقـتصـادى بكلّ ما كان
يـولّـده من النشـاط.
2. المجمـع والعـبادة
كانت كلمـة " مجمـع " تـدلّ أوّلاً عـلى تجمـيع
المـؤمـنين، فـأصـبحـت تـدلّ، شـأن كلمـة " كنيسـة " عـند المسـيحيّين،
عـلى البناية التى تجـتمع فـيها الجمـاعـة. كان المجمـع ذلك المكـان الـذى ينصـهـر
فـيه إيمـان الشـعـب وتقـواه، أكـثر ممّـا كانـا ينصـهـران فى الهـيكل، فى ذلك المكـان
كان بعـيدًا بالنسـبة إلى كـثير من اليهـود والـذى كانـوا يصـعـدون إليه ( نظـريًا
) فى الأعـياد فـقـط.
كانت العـبادة تُمـارس ثـلاث مـرّات فى اليـوم، وتتضـمّـن
تعـليمًا، وكان عـبارة عـن قـراءة للشـريعـة يوضّـحها نصّ من كـُتُب الأنبياء
وتليها العـظـة. كان يجـوز لكلّ مـؤمـن أنْ يقـوم بهـذه القـراءة ( راجع لـو 4/16
ت)، ولكنّها كانت مقـصـورة فى الواقـع عـلى الكـتبة والفـرّيسـيّين، فكـانـوا
يصـوغـون إيمـان الجمـاعـة بحسـب مـذهـبهم. وكانت الصـلاة، إلى جانب ترتـيل
المـزامـير، تقـوم أسـاسـًا عـلى ثـلاث بركـات كُـبرى تُحـيط بقـراءة "
إشـمَـع " وهى مـوجـز لإيمـان إسـرائيل ( أنظـر إلى إحدى هـذه الصـلوات وبعـض
التفـاصـيل فى الصفحتين 222 و223 ). وكانت تُخْـتم بالبركات الثمـانية عـشـرة عـلى
عـجائب الله نحـو شــعـبه.
3. الأعـياد
كانت أعـياد الحجّ الثـلاثـة عـلى جانب كـبير من الأهـمّـيّة،
فإنّها كانت تجمـع الشـعـب حـول الهـيكل فـقـوّى إيمـان الجمـاعـة.
كان عـيد الفصح يحـتفـل بالتحرّر عـند
الخروج من مصر ( راجـع الجـزء الأوّل، الصفحـة 24 ت). كان عـدد القـادمـين إلى
أورشـليم فى هـذه المـناسـبة يبلغ المائتىّ ألـف. وبعـد ظهـر 14 نيسـان، كانـوا
يذبحـون الحِـمـلان فى الهـيكل ويأكـلونها فى البيت بعـد غـروب الشـمس. كان العـيد
يـدوم ثمـانية أيّام. وكان الغَـلَـيان الشـعـبىّ شـديدًا حـتّى أنّ السـلطـة
الرومـانيّة كانت تخشى الفـِتَـن. فكـان الوالى، المقـيم عـادة فى قـيصـريّة، يصـعـد
هـو أيضًا إلى أورشـليم.
وبعـد عـيد الفـصح بخمسـين يومـًا، كان عـيد العـنصـرة. كانت
العـنصـرة قـديمـًا عـيد الحصـاد أو عـيد الأسـابيع (خر 23/16 و34/22) فـأصـبحـت
فى مطـلع العـصـر المسـيحىّ، احـتفـالاً بإعـطـاء الشـريعـة فى جـبل سـيناء
وعـيدًا للعـهـد ولتجـديد العـهـد.
كان عـيد الأكـواخ أروع الأعـياد. كانت كلّ
عـائلة تتذكّـر الإقـامـة فى البـرّيّة فـتنصـب كـوخـًا من أغـصان الشـجر عـند
مـدخل المدينة ( وفى أيّامنا فى شـرفة المنزل أو فى قـاعـة الاستراحة ). كان لبعـض
الأعـياد شـعـبيّة كبيرة، كتطواف الكهنة عـند بركـة سلوام، يُرافـقهم الشـعـب
حـاملاً السعـف ( راجع يـو 7/37 ت وربّمـا أغـصـان الشـجـر الوارد ذكـرها فى دخـول
يســوع إلى أورشـليم ) وإضـاءة الشـماعـد الأربعـة التى تنـير المــدينة كلّهـا (
راجع يو8/12).
كان يـوم كـيبور أو يـوم الغـفـران عـيد
تكفـير. وكانت المـرّة الوحـيدة التى يدخـل فـيها كلّ سـنة عـظـيم الكهـنة إلى
قـدس الأقـداس ليُقـرّب دمّ الضحـايا تكـفـيرًا عـن الخـطـايا ( راجع الرسـالة إلى
العـبرانيّين فى الصفحة 168 )، وكان رأس السـنة تمهـيدًا لهـذا العـيد. أمّـا عـيد التـدشـين فكانـوا
يقـيمـونه احـتفـالاً بتطـهـير الهـيكل فى السـنة 164 ق. م. عـن يدّ يهـوذا
المكّـابى ( راجع يو10/22). وأخـيرًا كان عـيد فـوريم أو الأنصـبة
تذكارًا لخـلاص الشـعـب عـن يـدّ أسـتير، فـأمسـى شـبيهًا بعـيد المسـاخـر عـند
المسـيحيّين.
4. السـبت
كان السـبت، ومـثله الخـتان، أقـدس الممارسـات، فـلم يكنْ
مسـمـوحًا فـيه إلاّ بعـض الأعـمـال النـادرة والمـدوّنـة تـدوينـًا دقـيقـًا،
وكان الهـدف من هـذه الراحـة المُطـلقـة أنْ يسـتريح الإنسـان ويُسـبّح الله.
ونحـن نعـلم أنّـه أمسـَى نـيرًا لا يُحـتمل ( راجع مـر2/27).
5. المجـلس
كان مجـلس أورشـليم الأكـبر مـؤلّـفـًا من 71 عـضـوًا: شـيوخ
وعـظـماء الكهـنة ( صـدّوقـيّون ) وبعـض الكـتبة ( فـرّيسـيّون )، برئاسـة عـظـيم
الكهـنة. أُنْشـئ قـبل المسـيح بقـرن واحـد. وكان يُقـيم جلسـاته فى الهـيكل
مـرّتين فى الأسـبوع. وكان لـه سـلطـة سـياسـيّة، مع شـرطـة خـاصّـة، فـيسُـنّ
القـوانين ويحكـم بالإعـدام، ولكـنّه فـقـد القـدرة عـلى تنفـيذ الحكمـم فى أيّام
المسـيح. وكانت المحكمـة الدينيّة العُـليا هى التى تُحـدّد المـذهـب وتضع
التقـويم الطقـسـىّ وتُنظـّم الحـياة الـدينيّة. تـوارى عـن الوجـود كسـلطـة
سـياسـيّة فى السـنة 70. وعـاد إلى الحـياة فى جَـمْـنيا كسـلطـة دينيّة.
كان فى جمـيع أنحـاء فـلسـطين مجـالس صُـغـرى مـؤلّـفـة من 23
عـضـوًا ( راجع مـتّى10/17).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(145)
جَـمْنِيا أو الـدين اليهـودى بعـد السـنة
70
تمـرّد اليهـود عـلى الرومـانيّين فى السـنة 66. وفى نهايـة
حـرب دمـويّة، اسـتولى طيطس، ابن الإمـبراطـور وسـبسيانس والـذى خـلفـه، عـلى
أورشليم فى السـنة 70. فـدُمّـر الهـيكل وقـُتِل ألـوف من اليهـود أو بيعـوا
كعـبيد. أكانت هـذه آخـرة الـدين اليهـودىّ؟.
اجـتمع قـبل المـأسـاة بعـض الفـريسـيّين، منهم يوحـنّا بن
زكّـاى، فى جَمْــنِيا ( يَـبْـنِـه فى أيّامـنا، جـنوبىّ تل أبيب ). وقد نجحـوا
فى تـزويـد دينهم بانطـلاقـة جـديدة ورثهـا الـدين اليهـودىّ الحـالى. وبعـد أنْ
زالت سـائر التيّارات ( الصـدّوقـيّون والحـسـيديم ) فى العـاصـفـة، أصـبح الـدين
اليهـودىّ فـرّيسـيًا. ولكن وجـب أنْ يـدافـع عـن نفســه عـلى جبهـتين.
فى الداخـل، كان لا بـدّ من وضـع حـدّ للانقـسـامات
بين اليهـود. فـوُضـع تقـويم طـقـسىّ واحـد، ووُحـّدَت عـبادة المجمـع، وحُـدّد
خـاصّـة " قـانـون الكُـتب المقـدّسـة" أو لائحـة الكُـتب التى تُعـدّ
قـانـون إيمـان. ولم يُحـفـظ فى هـذا القـانون إلاّ الأسـفـار المكـتوبـة
بالعـبريّة، فى حـين أنّ يهـود الإسـكندريّـة كانـوا يعـترفـون بأسـفـار أخـرى
كُـتبت أو عُـرفـت باليـونانيّة ( نجـد هـذا الفـرق بين الكـتب المُقـدّسـة
الكاثـوليكيّة والبروتسـتانتيّة: راجع الجـزء الأوّل، الصفحة 86 ).
فى الخـارج، كان الـدين اليهـودىّ يُجـابـه المسـيحـيّة
التى تأصـّلَت فى فـلسـطين ( هـرب المسـيحـيّون من أورشـليم قـبل السـنة 70
وأقـامـوا فى بـلاّ شـرقىّ الأردن وفى الجـليل ) وفى آسـية الصـغـرى أيضًا
واليـونان ومـصـر... وفى جَـمْـنِـيا اتّخـذت تـدابير لمـنع المسـيحيّين من
الاشـتراك فى الصـلاة اليهـوديّة، واُدْخِـل فى البركـات الثمـانى عـشـرة طَـلَب
ضـدّ " الهـراطقـة والمُـرْتـَدّين والمُتكـبّرين "، أىّ ضدّ المسـيحيّين.
وهكـذا تمّ الانفـصال، وأصـبحـت المسـيحيّة " شـيعـة يهـوديّة مـنبوذة "
فى نظـر الـدين اليهـودىّ.
المسـيحيّين
و جَـمْنِيا
لا ذكْـر لجَـمْـنِيا فى العـهـد الجـديد. ومع ذلك فإنّ هـناك
بعـض التفـاصـيل التى لا مُـبرّر لها إلاّ بتأثـير ذلك الـدين اليهـودىّ العـائــد
إلى لحـياة، ولا سـيّمـا فى إنجـيل مـتّى الـذى جمـع تقـاليد جمـاعـات كانت تعـيش
فى سـوريّة وفـلسـطين، أى كانت اوثـق الجمـاعـات عـلاقـة بفـرّيسـيّى جَـمْـنِيا.
فى إنجـيل مـتّى إشـارة إلى وجـوه الاخـتلاف والإئـتلاف بينه وبينهم.
إنّ الاخـتلاف هـو الأبـرز. يظهـر يسـوع فى إنجـيل مـتّى
قـاسـيًا جـدًا عـلى الفـرّيسـيّين (متى 23)، فهـو يُقـارن بين الصـلاة المسـيحيّة
وصـلاتهم (6/5-6). و " النـير" الذى يعـرضه عـلى النـاس هـو خـفـيف
بالنسـبة إلى الممـارسـات التى لا تُحْصـى والتى يفـرضـونها (11/29-30). والجمـوع
تعـرف بأنّ سـلطـته ليسـت كسـلطـة الكـتبة (7/29)... فـحـين نقـرأ إنجـيل مـتّى،
لا بُـدّ لنا أن نتسـاءل من الـذى يتكلّم: أهـو يسـوع السـنين 30 أم يسـوع القـائم
من بين الأمـوات والـذى يتكلّم فى السـنين 80–90 ويهـاجم فـرّيسـيّى جَـمْـنِـيا؟.
إلاّ أنّ مـتّى حـريص أيضًا عـلى الإشـارة إلى اتّـفـاقـه
العـمـيق مع أفـضـل ما فى المـذهـب الفـرّيسـىّ. فـالعـظـة عـلى الجـبل تظهـر
بمظهـر تعـليم مسـيحىّ كـبير يـوازى تعـليم جَـمْـنِـيا ويســتند إلى أركـان الدين
اليهـودىّ الثـلاثـة نفـسـها، أى إلى الـبرّ والأعـمـال الصـالحـة التقـليديّة
والعـبادة. هـذا وأنّ يسـوع فى إنجـيل مـتّى فـقـط يسـتشـهـد بهـوشـع 6/6 (متّى
9/13 و12/7). والحـال أنّ هـذا النصّ عـزيز عـلى يوحـنّا بن زكّـاى، مـؤسّـس
جَـمْـنِيا. يُـروى أنّ أحـد تـلامـيذه كان ينـوح ذات يـوم أمـام الهـيكل
المُـدمّـر، لأنّـه لم يعـُد مُمْكـنًا أنْ تـُقـرّب الـذبائح تكفـيرًا عـن
الخـطايا. فـأجـابـه يوحـنّا: " لا تحـزن يا بُنىّ، فـلدينا تفكـير يعـادلها،
وهـو أعـمـال الرحمـة، فـقــد ورد فى الكـتاب: " أريـد المحـبّة، لا الـذبـائح
".
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(146)
المسـيحيّون الأوّلـون
سـنرى، عـلى طـول مسـيرتنا، من هـم المسـيحيّون وكـيف يعـيشـون.
فى إمكـاننا أنْ نجمـع بعـض العـناصـر التى تأتينا من قـراءة أعـمـال الرُسـُل.
إليك بعـض النصـوص: 1/13-15 و2/41 و42-46 و3/1 و4/23-31 و32-37
و6/1-15 و9/1-2 و14/27 و15/1-12 و18/24-28 و20/17- 38 و21/8 -10... حاول أنْ تصف
حـياة أولئك المسـيحـيّين الأوائـل.
شـيعـة
يهـوديّة مـنبوذة
ظهـر تـلامـيذ يسـوع فى أوّل الأمـر ومـدّة طـويلة بمظهـر
شـيعـة داخـل الـدين اليهـودىّ، ولم يتّخـذوا اسـم " المسـيحيّين " إلاّ
بعـد القـيامـة ببضـع سـنوات، وكان ذلك فى أنطـاكـية (11/26). فكـان بطـرس
ويوحـنّا يذهـبان إلى الهـيكل للصلاة، وكان بولس يعـظ فى المجـامع ويذهـب إلى
الهـيكل للقـيام بنُـذر (20/26)... كانت بينهم اخـتلافـات فى المـذهـب، ولكنْ
الممـارسـة كانت واحـدة.
وبـدأ النـبذ حـين أقـدم المسـتهلـنون – وهم يهـود من الشـتات يُقـيمـون فى أورشـليم
ويتكلّمـون اليـونانيّة – عـلى إثـارة الجـدال حـول تلك الممـارسـة ( تكـريم
الهـيكل خـاصّـة والـذبائح )، وقـد اتّـسـعـت الحـفـرة حـين قـُبل الوثـنيّون فى
الكنيسـة ( " مجمـع " أورشــليم ).
حـياة الجمـاعـة
كانت هـذه الكنيسـة، أو جمـاعـة الـذين سـمعـوا دعـوة الله،
تجـتمع باسـم يسـوع، المسـيح الربّ، ويُنعـشـها الـروح القـدس.
تُمـيّزها ثـلاثـة وجـوه، بحسـب القـدّيس لـوقـا:
·
كان التـلامـيذ يـواظـبون
عـلى تعـليم الرُسـل. وفى هـذا التعـليم الـذى يُلْقـى عـلى
المُعـمّـدين الجُـدد، كانـوا يُفـسّـرون الكُـتب المُقـدّسـة فى ضـوء المسـيح
الـذى قـام من بين الأمـوات، وكانـوا يتذكّـرون أقـوال يسـوع وأعـمـاله ليجـدوا
فـيها قـاعـدة حـياة. وهكـذا تجمّـعـت شـيئًا فشـيئًا مـواد الأناجـيل.
·
كان التـلامـيذ يواظـبون
عـلى المشـاركـة، عـلى اتّحـاد القـلوب المُعـبّر عـنه بمقـاسـمة
الأمـوال. لمْ يكـن بينهم معـوِزون، فـلا يقـول أحـد منهم إنّـه يمـلك شـيئًا من
أمـواله، بل كان كلّ شئ مشـتركًا بينهم.
·
كان التـلامـيذ يواظـبون
عـلى كسـر الخـبز، أىّ الإفـخـارسـتيّا، وعـلى الصـلوات، فكانـوا
يُصـلّون فى الهـيكل والبيـوت أو فى غـيرها من الأمـاكـن (21/5).
الـروح
القـدس والخـدّام
أعـطـى الـذى قـام من بين الأمـوات روحـه للجمـاعـة لكى
يُنعـشـها. وأعـطـاها أيضًا خُـدّامـًا ليكـونـوا فى خـدمـة المـؤمـنين، سـتنشـأ
هـذه الخـدمـات ويتمـيّز بعـضـها عـن بعـض شـيئًا فشـيئًا.
لا بُـدّ من إفـراد الاثنى عـشـر. بصـفـتهم أسـس الكنيسـة لن
يُسـتبدَل بهم احـد.
أقـامـوا فى أورشـليم شـيوخـًا ( من لـفـظ يـونانىّ اُشـتـُقـّت
مـنه كلمـة كاهـن )، وهـذا ما سـيفـعـله بـولس فى جمـاعـاته. وهـو سـيُقـيم أيضًا
مسـئولين أو مُشـرفـين ( من لـفـظ يـونانىّ اُشـتُـقـّت مـنه كلمـة أسـقـف ).
وأُقـيم المسـتهـلنون للخـدمـة، وسـيُجْعـل منهم فى وقـتٍ لاحـق سُـبّاق
الشـمامسـة ( مع أنّهم ليســوا شـمامسـة، بل بمسـئولين عـن كـنائس ). وظهـر أيضًا
معـلّمـون وأنبياء ونبيّات (21/9)...
ولكن لا نُطـنّنّ أنْ كانت هـناك فى ذلك الزمـان تلك الدرجـات
الكنسـيّة التى عُـرفـت فى القـرن الثـانى، بل ما زال كلّ شئ فى حـالة التكـوّن.
جمـاعـة
مُـرسـلين
كان التـلامـيذ يشـعـرون بانّهم مسـئولون عـن تبليغ جمـيع
النـاس ما اكـتشتفـوه. قـال بطـرس للمجلس: " لا نسـتطيع السـكـوت عـلى ذكـر
ما رأيناه وسـمعـناه " (4/20). قـامـت جمـاعـة أنطـاكـية، بإيعـاز من الـروح
القـدس، بإيفـاد برنابا وبولس إلى الرسـالة (13/1-3)، وأخـذ أبولّس، وقـد مـلأه
إيمـانه حـمـية، يُلقـى التعـليم المسـيحىّ، قـبل أنْ تتمّ ثـقـافـته الدينيّة (18/24-28).
جمـاعـة
واحـدة ومُتنوّعـة
هـذه الكنيسـة الواحـدة هى أيضًا كنيسـة أورشـليم والكنيسـة
التى أنشـئت فى أنطـاكـية وفى أفـسـس... وتتّسـم كل جمـاعـة بطـابع ما تعـيشـه،
بأوضاعـها التاريخـيّة والاقـتصـاديّة وبمـاضـيها. فـالتى تـؤلَّـف من يهـود
أصـبحـوا مسـيحيّين لا تشـعـر بشـعـور التى نشـأت فى بيئة وثـنيّة. وسـنرى، عـندما
ندرس الأناجـيل كـيف أنّ يسـوع المسـيح يتّخـذ لـون حـياة هـذه الجمـاعـات.
وهى تسـألنا: أىّ وجـه للمسـيح الـذى قـام من بين الأمـوات
تُظهـره جمـاعـتنا اليـوم فى العـالم...؟.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(147)
سـبق لنـا أنْ باشـرنا مسـيرتنا فى أنحـاء العـهـد القـديم
بالخـروج من مـصـر، فإنّ هـذا الحـدث ومـا أثـاره من تفكـير هـو أسـاس إيمـان
إسـرائيل. وكـذلك الآن، فـقـبل أنْ نقـرأ كـتب العـهـد الجـديد، سـنتوقـّف عـلى
الحـدث الـذى هـو أسـاس الإيمـان المسـيحىّ، أعـنى قـيامـة المسـيح.
لهـذه الرحـلة أهـمّـيّة عـلى الصـعـيد العـقـائـدىّ وعـلى
الصـعـيد الـتربـوىّ.
فهـى تسـاعـدنا عـلى التحـقـيق من أنّ الإيمـان المسـيحىّ
مـؤسّـس عـلى هـذا الحـدث، وهـو سـرّ غـنىّ حـتّى أنّ التـلامـيذ اسـتخــدمـوا
عـدّة صُـوَر لمحـاولة التعـبير عـنه.
عـلى الصـعـيد التربـوىّ، تكـوّن لـنا هـذه المـرحـلة مـدخـلاً
إلى المـراحـل التالية: فإنّهـا تحْمِـلْنا، بصـحـبة هـذا المـوضـوع، عـلى
الإسـراع فى اجـتياز المـراحـل الكُـبرى لتكـوين العـهـد الجـديد. سـبق أنْ
لُخّـصـَت هـذه المـراحـل فى اللـوحـة الواردة فى الصـفحـتين 124 و 125. أمّـا
الآن فـسـنرى عـمـليًا كـيف تُصـاغ الروايـات.
اخـتبار
الطـابع الـبريـدى
اقـترحـت بعـض المجـلات عـلى قـرّائها هـذا الاخـتيار الصـغـير:
" خُـذْ طـابعـًا بـريـديًا واكــتب عـلى قـفـاه ما تـؤمن بـه". حـتّى
لـو اخـترتَ طـابعـًا بـريـديًا كـبيرًا وكـتبت كـتابة ناعـمـة... فـليس هـناك
مُتّسـع من المكـان ويجـب عـليك أنْ تكـتفى بمـا هـو جـوهـرىّ! فـلو اقـتُرح هـذا
الاقـتراح عـلى المسـيحيّين الأوّلـين، ماذا كانـوا كـتبوا عـلى طـابعـهم
الـبريـدىّ؟ هـذا ما سـنحـاول أنْ نكـتشـفـه. وبعـبارة أخـرى، سـنرى ما هى
البُشـرى، ما هـو البـلاغ الجـوهـرىّ الـذى كانـوا يُنـادون به عـندما كانـوا يُلْقـون
الكـلام عـلى مسـتمعـين جُـدُد لِحَـمْـلهم عـلى الإيمـان.
سـواءً أكان بـلاغـًا جـوهـريًا أمّ مـناداة أمّ إعـلانًا،
فـإنّ أهـل الاخـتصـاص يُسـمّـون ذلك " كـرازة "، وهى كلمـة مـأخـوذة
عـن اليـونانيّة وواردة فى نصـوص الأناجـيل، وتـدلّ عـلى صـراخ المـنادى الـذى
تعـوّدْنـاه فى بـلادنـا.
سـَيْرنـا
سـنتفـدّم عـلى ثـلاث مـراحـل:
1.
التـلامـيذ يُـنادون
بإيمانهم: الكـرازة. سـنحاول أنْ نعـرف، انطـلاقـًا من بعـض خُـطـب أعـمـال
الرسـل، ما هـو هـذا النـداء، ما هى هـذه الكـرازة، التى يُطـلقـها التـلامـيذ
لإعـلان إيمانهم لغـير المـؤمـنين.
2.
التـلامـيذ يحـتفـلون
بإيمـانهم. قـانـون الإيمـان. الأناشـيد. سـنرى، من خـلال درسـنا لأحـد قـوانين
الإيمـان ولأحـد الأناشـيد التى اسـتشـهـد بها بـولس، أنّ المسـيحيّين كانـوا فى
اجتماعـاتهم يُعْـلنـون أو ينشـدون إيمانًـا واحـدًا.
3.
التـلامـيذ يـروون
إيمانهم. الروايـات. سـيُمْكـننا عـندئذ أنْ نتناول أحدث النصـوص وهى روايـات
الأناجـيل عـن ترائيّات يسـوع وصـعـوده. سـنرى أنّهـا لا تُضـيف شـيئًا إلى ما
تقـوله الكـرازة أو قـوانين الإيمـان والأناشـيد، ولكـنّها تُعـبّر عـنه بصـورة
مخـتلفـة، أىّ بصـيغـة تاريخـيّة.
وقـبل أنْ نخـوض فى هـذا الدرس، إليك تمـرينًا صـغـيرًا ( إنْ
شـئت ).
·
حـين تُـلْـفـظ أمـامـك
كلمـة " قـيامـة "، ما هـى الكلمـات أو الصُـوَر أو التشـابيه ( مـثلاً
الربيع والنـور...) التى تخـطـر عـلى بـالك؟ ( حـاول أنْ تُجـيب دون الامعـان فى
التفكـير ).
·
حـين تُفكّـر فى قـيامـة
المسـيح ( تأمّـل أو صـلاة... )، ما هى نصـوص الكـتاب المقـدس التى تخـتارهـا
عـفـويًا؟.
·
مـا هـو المهـمّ فى
الحـياة عـندك؟.
تنتقـل الآن إلى الدرس المُقـترح، من دون أنء تهـتمّ بأجـوبتك،
فـإننا سـنجـدها مـرّة أخـرى فى وقـت لاحـق.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(148)
حـين قـرأت كـتاب أعـمـال الرُسُـل، لا شـكّ أنّـك لاحـظـت أننا
نجـد فـيها خُطـبًا كـثيرة: ثمـانٍ لبطـرس وتسـع لـبولس وسـبع لأشـخـاص مخـتلفـين.
سـنقـرأ بعـضًا منها لنهـتدى إلى الأمـور الجـوهـريّة التى كان المسـيحيّون يُعـْلنـونها.
خـطبة بطـرس
... أو لـوقـا
هـناك سـؤال مطـروح: إنّ الصوت الـذى نسـمعـه، أهـو صـوت بطـرس
أو بولس أمّ صـوت لـوقـا؟ من الواضح أنّ لـوقـا، وهـو كاتب أعـمـال الرُسُـل، قـد
أعـاد كـتابـة هـذه الخُـطـب. فـليسـت مُجـرّد مذكّـرات سامع أو ملخّـصات. فقد فـعـل
لوقا ما اعـتاد المؤرّخون أنْ يفـعـلوه فى ذلك الزمان، أىّ أنّه ألّـف "
خُـطـبًا مُصـغّـرة". بما فـيها من اسـتهلال وتوسـيع وخاتمـة.
ومن جهـة أخـرى، فـقـد أجمـع أهـل الاخـتصـاص عـلى أنّ لـوقـا
لم يخـتلقها اخـتلاقـًا، بل انطـلق من مـوادّ قـديمـة. ولاحـظـوا، عـلى سـبيل
المـثل، إنّ بعـض الألقـاب المُطـلقـة عـلى يسـوع ( طـفـل وربّ... ) لم تعُدْ
تُسـتعـمل فى أيّام لـوقـا. فـالكـلام عـلى المسـيح " الـذى أيّـده الله بما
أجـرى عـن يـده من المعـجـزات" يـدلّ عـلى أنّ التفكـير فى سـرّ يسـوع ما زال
فى نشـأته.
فـبإمكاننا إذًا أنْ نسـتند إلى هـذه الخُطـب لـنرى كـيف أنّ
المسـيحيّين الأوّلين يُعـلنـون إيمـانهم.
بعـض خُطب أعـمال الرُسُل مـوجّه إلى تـلاميذ، مثلاً وداع بولس
للمسئولين عـن كنيسة أفسس (رسـل20/17-35)، ولكن أكـثرها مـوجّـه إلى يهـود أوّ إلى
وثنيّين لِحمـلهم عـلى الاهــتداء إلى الإيمـان. فـفـيها سـنحـاول أنْ نكـتـشـف
البـلاغ الجـوهـرىّ الـذى أعـلنه المسـيحـيّون، أىّ الكـرازة.
الكـرازة فى
الخطـب
لنقـرأ بعـض الخُطب
المـوجّهـة إلى اليهـود. خمس خطـب لبطـرس: رسـل 2/14-41 ( يـوم العـنصـرة ) و 3/12-26 (
بعـد شـفـاء المُقـعـد ) و 4/9-12 و 5/26-32 ( أمـام المجلس ) و 10/34-43
( أمـام الضـابط الرومـانى قـرنيليوس ) وخطبة واحدة لبولس:
13/16-41 ( فى مجمـع أنطاكـية بسـيديّة ). فـنُضـيف إليها
الحـوار الـذى قـام بين قـلاوبـا ويسـوع عـلى طـريق عـمّـاوس: لـو 24/19-27.
وإذا قـرأت هـذه الخـطـب، لاحـظـت أنّ فـيها ثـلاث عـناصـر:
·
أنّ الحـدث يســوع... فـيه
تذكـير بوقـائع حـياة يسـوع. اذْكـر ما هى الوقـائع المـذكـورة والوقـائع غـير
المـذكـورة والوقـائع المشـدّد عـليها.
·
الـذى تفـسّـره الكُـتب
المُقـدّسـة... لعـلّ الشـواهـد عـن الكُـتب المُقـدّسـة مطـبوعـة فى كـتابك
المُقـدّس بأحـرف مخـتلفـة، فـترى فـورًا ما أكـثرها فى بعـض الخـطب. وهى تهـدف
إلى تحـديد وضـع حـياة يسـوع فى التـدبير الإلهىّ لاكـتشـاف معـنى فـيها.
ويُمْكـنك أنْ تُـدوّن الأسـماء أو الألقـاب المطـلقـة عـلى يســوع، وهى مأخـوذة عـادة
من الكُــتب المُقـدّسـة.
·
يُنادينا. فإنّ هـذه الخطـب ليسـت أبـدًا
مُجـرّد عَـرضٍ لأسـتاذ يُعـلّم تـلامـيذه تعـاليم جـديدة. فـالواعـظ يشـعـر
بأنّـه معـنىّ بمـا يُعـلنه ويعـى أنّ إعـلانـه يفـرض عـلى سـامعـيه أنْ يخـتاروا.
إنْ كـنت تدرس مع فـريق، فـإليك طـريقـة بسـيطة وسـهـلة للسـير.
ترسـم عـلى لـوح أو عـلى ورقـة أعـمـدة عـمـوديّة، واحـدًا منها عـريضًا تـدوّن
فـيه مُخـتصـر اكتشـافـك، وسـبعـة أخـرى، بعـدد الخطـب، تـدوّن فـيها الآيـات.
يتناول كلّ من أعـضاء الفـريق خطـبةً يقـرأها بانتباه، ثمّ تتمّ المشـاركة بين
جمـيع الأعـضـاء. فـيُـدوّن الواحـد عـلى الهامش ما وُجـد ( مـثلاَ معـجـزات يسـوع
وتعـليم ... ) ويُشـير كلّ واحـد إلى الآيـة التى يأتى فـيها ذِكْـر تلك الأمـور
فى خطـبته.
نجـد فى الصفحة 158 تحـقـيق هـذه اللـوحـة. ولكن لا تنظـر إليها
الآن، بل حـقـّقـها بنفسـك لتسـتفـيد من هـذا العـمل.
وبعـد إنجـاز هـذا العـمل، فكّـر فى هـذه اللـوحـة: ما هى
عـناصـر حـياة يسـوع التى تجـدها فى جمـيع الخطـب؟ والتى لا تجـدها إلاّ فى بعـضـها؟
والتى لا تجـدها أبـدًا؟ حـاول أنْ تُلخّـص الكـرازة، أن تُلخّص صـرخـة الإيمـان
التى أطـلقـها المسـيحيّون الأوّلـون. قـارن بينها وبين ما كـتبـته عـلى طابعـك
البريـدى...
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(149)
صـور للتعـبير عـن حـدث الفصـح
يُبـيّن درس خطـب أعـمـال الرُسـل، وإنْ كان سـريعـًا، أنّ حـدث
الفـصـح هـو فى صـميم الإيمـان المسـيحىّ.
ولكن كيف عـبّر التلاميذ عـن هذا الحدث، هذا السرّ؟ لقد
اعــتدنا نحن أنْ نُعـبّر عنه بكلمة " القـيامة" فـقـط. فهـل كان ذلك
شـأنهم أيضًا؟ ما هى الصُـور الإضـافـيّة التى كانـوا يسـتعـملونها لإشـعـار
مخـتلف وجـوهه؟ سـنرى هـذا انطـلاقـًا من بعـض المُلخّصـات.
أعـد قـراءة بعـض الآيـات
فى خطـب أعـمـال الرُسُـل: 2/23-24 و32-33 و3/13 و15 و5/30-31 و10/40.
إليك بعـض المُلخّصـات المـاخـوذة من كُـتب مُقـدّسـة أخـرى:
" فإذا شَـهِـدتَ بِفَـمِـكَ أَنَّ يسوعَ رَبّ،
وآمَـنـتَ بِقَـلـبِكَ أَنَّ اللّهَ أَقـامَـه مِن بَينِ الأَموات، نِلتَ الخَلاص" ( روم
10/9 ).
" فـقَـد ماتَ المَســيحُ وعــادَ إِلى الحَــياة " ( روم
14/9).
" رَفَعَه اللهُ إِلى العُـلى ووَهَبَ لَه الاَسـمَ
الَّذي يَفـوقُ جَميعَ الأَسماء " ( فـل 2/9).
" هو البَدْءُ والبِكْرُ مِن بَينِ الأَموات " ( قـول
1/18).
" أُميتَ في جَسَدِه ولكِنَّه أُحْيِيَ بِالرُّوح " (1بط
3/18).
" لِمـاذَا تَبْحَـثُ عَـنْ الحَىّ بَيْنَ
الأمْـوَاتِ " ( لو 24/5).
" كَان بَيْن بُولُس وَاليَهـُود مُجَادَلَة فِى
إمْـرِئ اِسْمَه يَسُـوع قَـدْ مَـاتَ، وبُولُس يَزْعُم أَنّـه حَىّ " (رسل
25/19).
·
ما هى الصـور المسـتعـملة؟
إنّ كلمـة " قـيامـة" تُترْجِـم فى الـواقـع كلمـتين يونانيتين: إمّـا
" انبثق ثانية" ، وإمّـا " أوقـظ " ( من رقـاد المـوت ).
هـاتان صـورتان، وهـناك صُـور أخـرى.
·
يُمْكن جمـع هـذه الصُـور
المخـتلفـة بحسـب محـورين كـبيرين: بعـضها يُعـبّر خـاصّـة عـن اسـتعادة الحـياة
المفـقـودة بالمـوت، وفـيها " البَعْـد " ليس كـ "
القـَبْـل". حـاول انء تجمعـهما.
·
يُذكّـرك بعـض هـذه
الصُـوَر بنصوص أو اســتعـارات وردت فى العـهـد القـديم: ما هى؟ كـيف يُنـورك
ذلك؟.
·
قـُلْ من همّ الممـثّـلون
الـذين يلعـبون دورًا؟.
·
وفى الخـتام يُمْكـنك أنْ
تعـود إلى الصُـور التى خَـطَـرتْ لك عـفـوًا ( راجـع الصفحة 147 ). هـل تجـد
فـيها هـذين المِحْـورين الكـبيرين؟ أو أحـدهما خـاصّـة؟ وأيّا هـو فى هـذه
الحـال؟.
|
صـورتـان شـعـر المسـيحيّون بأنّ صـورة واحـدة لا تكـفى للتعـبير عـن
سـرّ الفـصح، فـاسـتعـملوا بضـع صـور يُمْكـننا، إنْ بسّـطـنا الأمـور، أنْ
نجمعـها إلى صِـنفـين كـبيرين: قـبل
/ بعـد أو العـودة إلى الحـياة إنّ الـذى يمـوت يقـع فى " الحُـفـرة" ( مـثوى
الأمـوات ) أو فى " الـرقـاد". والقـيامـة هى الانبثـاق منهما ثانيـة
أو الاسـتيقـاظ. وفى هـذه الحـال، يُسـتعـاد بعـد المـوت الحـياة التى كانت
قـبل. كـتب يوحـنّا أنْ لعـازر قـام من الأمـوات. حسـنات هـذا الصـنف من الصُـور واضـحة: فـإنّـه يُحـدّد الوضع
فى التاريخ ويُشـير بوضـوح إلى الاسـتمـرار: فـالحـالة بعـد المـوت كالحـالة
قـبله، والـذين عـرفـوه قـبل مـوته يُمْكـنهم أنْ يعـرفـوه بعـده. ولكنّ لهـذا الصـنف سـيّئات، وهى أنّـه لا يذكـر شـيئًا عـن
ماهـيّة تلك الحـياة المُسـتعـادة: يُقـال أنّ لعـازر قـام من المـوت ( وعـاد
فمـات ثانية ) كما يُقـال إنّ يسـوع قـام من بين الأمـوات. تحت
/ فـوق أو الدخول فى المجد بمـا أنّ الإنسـان يُفـكّـر. عـفـويًا بأنّ الله هـو فـوق، فى
السـماء، فإنّـه يُقـال أنّ الـذى مـات أُدْخـل إلى مقـربة من الله، وإنّـه
رُفـع ومُجّـد وصَـعـد إلى السـماء. لا شـكّ أنّ هـذه الصـورة اغـتنت بالتفكـير
فى ابن الإنسـان، رمـز الـذين يثبتون فى أمـانة الله حتّى الاسـتشـهـاد، فى ابن
الإنسـان الـذى ذكـر دانيّال أنـّه أُدْخـل عـلى الغـمام إلى حضـرة الله ( دا 7.
راجع الجزء الأوّل، الصفحة 91 ). حسـنات هـذه الصـورة هى القول بوضـوح إننا لسـنا أمـام
مُجـرّد عـودة إلى الحـياة السـابقـة، بل أنّ هـناك " زيـادة".
يُمْكـن التصـريح بأنّ لـعـازر قـام من المـوت، لا بأنّـه رُفـع أو مُجّـد. سيّئاتها، فى حال اسـتعـمالها وحدهـا، أنّها قد تدعـو إلى
الاعـتـقـاد بأنّ شيئًا ما من الإنسـان ( روحه، نفســه ) يذهـب إلى السـماء، لا
بأنّ الإنسـان كلّه، بمـا فـيه جـسـده، يُمجّـد. القـائم
من بين الأمـوات قد رُفـع شـعـر التـلامـيذ بالحـاجـة إلى اسـتعـمال هـذين الصـنفـين من
الصور: قـام يسـوع وهـو هـو كما كان سـابقـًا وكما هـو حىّ الآن، مع العـلم بأنّ
أصـدقـاءه قـد عـرفـوه. ومن جهـة أخـرى، فـإنّـه رُفـع ومُجّـد وصـعـد إلى
السـماء: فـلم يسـتعـد مُجـرّد الحـياة السـابقـة، بل أدْخـل إلى حـياة جـديدة،
إلى حـياة الله نفسـها. |
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(150)
كل مجمـوعـة ترغـب فى التعـريف عـن نفسـها بإعـلانها، فى
عـبارات وجـيزة، جـوهـر ما تـؤمن به. التـلامـيذ يُنادون بإيمانهم.
ولكن كلّ مجمـوعة تحـتاج أيضًا، عـندما تجتمـع، إلى مخاطـبة
نفسها بمـا هـو أسـاسها: برنامج الأحـزاب السـياسـية، دسـتور الجمعـيّات... وكذلك
كان التـلامـيذ فى اجتماعـاتهم يحـتفـلون بإيمانهم، فـيُعـبّرون عـن فى قـانـون
إيمانهم ويتغـنّون به فى الأناشـيد أو يتأمّـلون فـيه فى التعـليم.
قـانون
إيمان: 1 قـور 15/ 1 ـ 11
وصـلنا من حُسـن الحـظ أحـد قـوانين الإيمان القـديمة هـذه،
يسـتشـهـد بـه بولس فى رسـالته الأولى إلى أهـل قـورونتس.
إبـدأ بقـراءة هـذا النصّ.
إليك بعـض المـلاحـظات عـلى هـذه الفـقـرة. هـناك تغـيّر فى
الإنشـاء، فإننا نجـد، فى سـياق الرواية، بعـض الجُمـل الوجـيزة ( ويقـول أهـل
الاخـتصـاص بأنّهـا ليسـت من إنشـاء بولس الـذى اعـتدناه ). هـذا وأنّ بـولس يقـول
بصـراحـة إنّـه يتكلّم من عـند نفسـه، بل يسـتشهـد. يقـول ذلك مسـتعـملاً الألفـاظ
التى كانت تُسـتعـمل عـند الربّانيّين فى ذلك الزمان: التلمـيذ يتلقّى من
معـلّمـيه، ثمّ يُبلّـغ بـدوره إلى التـلامـيذ.
كاتب بولس أهـل قـورنتس فى حـوالى عـيد الفصـح من السـنة 57.
فـيُذكّـرهم بما بشّـرهم بـه فى السـنة 51 حـين أنشـأ جماعـتهم. فـقـانـون
الإيمـان هـذا مصـوغـًا بعـد حـدث الفـصـح بعـشـرين سـنة.
يُصـرّح بولس بأنّـه هـو نفسـه قد تلقـّـاه. مـتى؟ ربّمـا عـلى
لسـان حَـنَـنْيَا عـند اعــتماده فى دمشـق فى حـوالى السـنة 36 ( راجع رسل 9/10 ت)؟.
فى اللغـة اليونانيّة تدلّ صـيغـة الأفـعـال خـاصّـة عـلى وجـوه
الأفـعـال: فـالحـاضـر يدلّ عـلى ما يدوم، والمـاضى البسـيط يدلّ عـلى ماجـرى
مـرّة واحـدة فى وقـت مُحـدّد: جـرى حـدث مـرّة واحـدة، لكنّ عـمـله لا يزال حتّى
الآن. والحـال أننا نـلاحـظ أنّ جميع أفـعـال قـانـون الإيمـان هـذا هى فى صـيغـة
المـاضى البسـيط، ما عـدا واحدًا " قـام من بين الأموات" وهـو صـيغـة
المـاضى المـركّــب: هـناك حدَث جـرى مـرّة واحـدة فى التاريخ، ولكن نتيجـته تـدوم
إلى الآن، فـالمسـيح لا يـزال حـيًا.
أعـد قـراءة قـانـون
الإيمـان هـذا بانتباه.
·
دوّن الأحـداث التى جـرت
مـرّة واحـدة.
·
حـاول أنْ تُمـيّز
الأحـداث التى تعـود إلى التاريخ ( ما أىّ إنسـان كان يُمْكـنه أنْ يُلاحـظ ذلك )
والأحـداث التى لا تُـرى إلاّ بعـين الإيمـان. هـل العـبارة " فى اليـوم
الثـالث" مـلاحـظـة تاريخـيّة أمّ تأكـيد صـادر عـن الإيمـان؟.
·
ما هى الصـورة
المُسـتعـملة للتعـبير عـن سـرّ الفصح ( راجـع الصفحة 149 )؟.
·
قـارن بين قـانـون
الإيمـان هـذا وقـانـون الإيمـان الحـالى؟ ما هى الفـوارق التى تجـدها؟.
|
اليوم الثالث كما جاء فى الكتب يُجْمـع أهـل الاخـتصـاص عـلى أنْ نقطـة انطـلاق هـذه
العـبارة هى فى هـوشـع 6/1-2. اهـتزّ بنـو إسـرائيل لوعـظ النبىّ هـوشـع،
فـارتجـلوا رتـبة تكفـيريّة. إقـرأ هـذا النصّ. العـبارة " بعـد يـومَـين
وفى اليـوم الثالث" تـدلّ هـنا عـلى زَمـن قـريب. لكنّ هـذه العـبارة قـد اتّخـذت، فى أيّام المسيح، معـنىً
لاهـوتيًا. إليك كـيف يُفـسّـر الترجـوم ( راجـع الجزء الأوّل، الصفحـة 81 ) آية
هـوشـع هـذه: " سَـيُعـِيدُنَـا إِلَى الحَـياة فِى يَـوْمِ
التعْـزِيات الآتِية، وفِى اليَـوْم الـذِى يُعـيد الأمْـوَاتِ إِلَى الحـَياة،
سَـيُقِـمُـنا فَـنَحْـيا أَمـامـه". وهـناك تفـسـير لربّـانيّين فى تك 22/4 يقـول: " اليـوم الثالث، أىّ اليـوم الـذى تُـرَدّ الحَـياة إلى
الأمـوات، كما ورد فى هـوشـع: سَـيُقِـمُـنا فَـنَحْـيا أَمـامـه ". فحـين كانـوا فى أيّام المسـيح يتكلّمـون عـلى " اليـوم
الثالث كما جـاء فى الكُـتُب" لم يكـونـوا يقصـدون بذلك مـلاحـظـة زمـنيّة
( غَـداة اليـوم الثانى )، بلّ مـلاحـظـة لاهـوتيّة: فهـذا يدلّ عـلى ما
نسـمّـيه " يـوم القـيامـة العـامّـة" فى نهاية العـالم. فحـين كان التـلامـيذ يتكلّمـون عـلى " اليـوم الثالث كما
جاء فى الكُـتُب"، لم يكـونـوا يقصـدون بذلك تاريخـًا مُعـيّنًا ( لا نعـرف
متى جـرى الحـدث، فـالنصـوص تُصـرّح فـقـط بأنّ النسـاء لاحـظـن، يوم الأحـد
صـباحـًا، أنّ القـبر فـارغ )، بلّ كانـوا يُـعْـلنـون إيمانهم، أىّ أنّ يـوم
القـيامـة العـامّـة ( اليـوم الثالث ) قـد أتى مع قـيامـة يسـوع، وأنّ
قـيامـتنا نحـن هى وراءنـا، فـقـد تمّـت فى يسـوع. |
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(151)
نشـيد: فـل
2/6ـ11
نجـد فى الرسـائل أو الأناجـيل أو الرؤيـا أنـاشـيد ألّفـتها
الجمـاعـات الأولى. ويـذكّـر بـولس أهـل فـيليبّى بواحـد منها ليـدْعـوهم إلى
ممـارسـة التـواضُـع عـلى مـثال المسـيح.
إقـرأ هـذا النصّ فى كـتابك المُقـدّس.
كـيف يُعـبَّر فـيه عـن
حدث الفـصـح؟ هـل يسـتعـمـلون صورة القـيامـة؟ أىّ صـنف من الصُـور يسـتعـمـلون؟ (
إنّ الاسـم المُطـلق عـلى يسـوع هـو اسـم " الـربّ" ). فـيُمْكن
التعـبير إذًا عـن هـذا السـرّ بلغـة غـير لغـة القـيامـة.
·
من همّ الممـثلون وما هى
أدوارهم؟.
·
ليس هـناك ذِكْـرٌ صـريح
للتفـسـير بواسـطـة الكُـتُب المُقـدّسـة، مع أنّ هـذا التفسـير حـاضـر فى
النشـيد. فـالنشـيد مبنىّ عـلى التعـارض: لم يفعـل يسـوع ما فـعـله آدم عـندما
أراد أنْ يسـلب مسـاواته لله ( راجع تك 3/5)، بلّ صـار بالعـكس كالعـبد الوارد
ذكـره فى أشـعـيا ( راجع الجزء الأوّل، الصفحة 67 ): قارِن بين الآية 7 ( تَجَـرّدَ مِنْ
ذَاتِه ) وأش 53/12، وبين الآية 9 ( رَفـَعَـه الله ) وأش 52/13.
كـيف يُمـكّـننا هـذان النصـّان من تحـديد وضـع مصـير يسـوع فى التـدبير الإلهىّ؟
كـيف يرتبـط مصـيرنا، بفـضـل هـذين النصّـين، بمصـير المسـيح؟.
تأمّـل فى
مـزمـور: أف 4/7ـ 10
يُـريد بـولس أنْ يُبيّن أنّ الله يُعْـطى كـنيسـته ما تحـتاج
إليه للقـيام برسـالتها التى تهـدف إلى بنيان جسـد المسـيح، وهـو يَهِـب
للمـؤمـنين مُخـتلف الخُـدّام: الرُسـُل والأنبياء والإنجـيليّون... وملقـّنـو
التعـليم المسـيحىّ ومـوجّـهـو الجمـاعـات... يســند بـولس لذلك إلى المـزمـور
68/19، كمـا كانـوا يفسـّرونه فى الأيّـام ( بحسـب الترجـوم ). لنُقـارنْ أولاً
هـذه الآيـة فى
|
النصّ
العـبرىّ صـعـدت إلى العـلى وسـبيتَ السـّبْى ( = سـبيت أنـاسـًا ). ونلت أناسـًا جـزية بل مـتمـرّدين ليكـون لك سُكـنى أيّهـا الربّ الإلـه. |
الترجــوم صـعـدتَ إلى السـماء يـامـوسى النبىّ وسُـقـيت السـَّبْى مَـسبِيًا أىّ تعـلّمـت أقـوال الشـريعـة وأعـطـيتها لبنى البشـر. حضـور الربّ الإلـه. بلّ عـلى المُتـمرّدين إنْ تـابـوا يحـلّ الحضـور المقـدّس |
فـبحسـب الترجـوم، ليس الله هـو الـذى يصـعـد إلى السـماء
ليُقـيم سُكْـناه، بلّ مـوسـى هـو الـذى يصـعـد إلى جـبل سـيناء ويتلقـّى
الشـريعـة ليُعْـطـيها للبشـر.
يتأمّـل بـولس فى هـذا المـزمـور، فـيرى فـيه، لا مـوسـى، بلّ
يسـوع، مـوسى الجـديد، الـذى صـعـد إلى السـماء، بعـد أنْ نـزل إلى الأرض وإلى
مـثـوى الأمـوات. فـسرّ الفـصح كلّه مَعْـروض هكـذا فى صـورة النـزول والتمجـيد
هـذه.
( سـنرى لـوقـا يسـتعـمل هـذا المـزمـور نفسـه لتفـسـير
العـنصـرة – راجع الصفحة 198 ).
|
تــراءى فى قـانـون الإيمـان الـوارد ذكـره فى 1 قـور 15 يُسـتعـمـل
فـعـل " تــراءى" عـدّة مـرّات، وقد اعــتدْنا الكـلام عـلى "
تـرائيّات" يســوع الـذى قـام من بين الأمـوات. لعـلّ فى هـذه الكلمـة بعـض
الالتباس، فـقـد تُشـير إلى وجـود شَـبَح أو تـوحى، عـلى عـكس ذلك، بنـوع من
الحضـور الـذى يُمْكـن التقـاطـه بآلـة تصـوير. وصـيغـة الفـعـل اليـونانىّ المسـتعـملة هـنا تعـنى بالأحـرى
" أرى نفسـه". فـالتشـديد هـو إذًا عـلى أنّ يسـوع هـو صـاحـب مـبادرة
الكشـف عـن نفسـه لمـن شـاء ومتى شـاء. وقـد بـيّن ذلك الفـيلسـوف اليهـودىّ
فـيلون، وهـو معـاصـر لبـولس، عـندما تكلّم عـلى رؤيـة إبراهـيم لله. فـقـد
كــتب: " ليس إبراهـيم هـو الـذى رأى الله، بلّ إنّ الله هـو الـذى أرى نفسـه
لإبـراهـيم". إنّ اسـتعـمال هـذه الصـيغـة اليـونانيّة فى الكـتاب
المُقـدّس اسـتعـمال ذو معـنى. فهى مسـتعـملة فى العـهـد القـديم فى الكـلام عـن
تجـلّيات الله ( مـثلاّ: تك 21/7 و17/1 وقض 13/21...) حـيث التشـديد عـلى
المهـمّـة المـوكـولة أكـثر ممّـا هـو عـلى ما قـد أمكـن " رؤيته".
وهـذه الطـريقـة للتعـبير عـن أنّ اللامنظـور يُشـعِـر بنفـسـه. أمّـا فى العـهـد الجـديد، فـإنّ مـتّى ومـرقـس ولـوقـا
يسـتعـملون هـذه الصـيغـة فى روايـة التجـلّى: أرى مـوسى وإيليّا نفسـيهما (
وربّمـا باطـنيًا ) للتـلامـيذ. وكـثيرًا ما يسـتعـملها لـوقـا: أرى مـلاك نفسه
للرعـاة (1/11) أو ليسـوع المـنازع (22/43)، وظـهرت ألسـنة نار يوم العـنصرة (رسل
2/3)، وتـراءى يسـوع لبولس فى الطـريق ( لم يـَرْ مـرافـقـوه شـيئًا ! 9/17) أو
فى الحـلم (16/9) إلخ. وهـناك نشـيد قــديم يتكلّم عـلى يســوع الـذى يُـرِى
نفسـه للمـلائكـة (1طيم 3/16)... كلّ ذلك يـدعـونا إلى التـروّى: فـالتـلامـيذ لا يـدّعـون،
باسـتعـمال هـذه الكلمـة، أنّ يسـوع يتجلّى بصورة منظـورة يُمكـن التقـاطها
بآلـة تصـوير، بلّ أنّهم يُشـدّدون عـلى مـبادرة يسـوع ويتركـون الباب مفـتوحًا أمـام
إمكانيّة أنْ تكـون هـذه الترائـيّات اخــتبارات باطـنيّة أوّلاً. |
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(152)
سـمعـنا التلاميذ يُنادون بإيمانهم إلى غـير المؤمنين ( الكرازة
) ويحتفـلون به فى جماعـاتهم ( قـانـون إيمـان وأناشـيد ). ويبقـى مـركـز هـذا
الإيمـان أنّ الله أقـام يسـوع الـذى صُـلب ومجّـده وجعـله ربـًا.
وهم يُعـبّرون أيضًا عـن هـذا الإيمـان نفسه بفـنّ أدبىّ آخـر،
أىّ الروايـات. وهـذه المـرّة لا يُثـبتون بعـبارات وجـيزة، بلّ يـروون ويُـرون.
وهـذا الفـنّ الأدبىّ يـوافـق حـاجـات جمـاعـة تمّ إنشـاؤها وترغـب فى مـزيـد من
الاطـّلاع عـلى معـنى الحـدث ولها اخـتبار طـقـسىّ. سـنعـود إلى ذلك، ولكن لا
بُـدّ من التأكـيد، فى بـدء هـذه القـراءة، عـلى أنّ الروايـات لا تُضـيف إلى
الحـدث نفسه ما لا تقـوله عـبارات الكـرازة الوجـيزة. لكـنّها تقـوله بصـورة مخـتلفـة
وتتوسّـع فى معـناه.
نقـلت إلينا الأناجـيل مـثل هـذه الروايـات. ويُمْكـننا أن
نقـسّم الروايـات ثـلاث فـئات، يُلبّى كلّ مـنها حاجـة من حاجـات الجمـاعـة:
·
الجمـاعـة تحـتفـل
بإيمـانها فى مكـان الحـدث: روايـات فى القـبر
الفـارغ ( مـتّى ومرقـس ولـوقـا ويوحـنّا ).
·
الجمـاعـة تُبـيّن أنّ
الاخـتبار الـذى اخـتبره الرُسـُل للقـائم من بين الأمـوات قـد أقـامهم شـهـودًا
رسـميّين: روايات الترائى للأحـد عـشـر ( متّى ولـوقـا
ويوحـنّا ).
·
الجمـاعـة تسـتند إلى الاخـتبار
الـذى اخـتبره المـؤمـنون فى الليتورجـيّة أو فى داخـل الكنيسـة: ترائيّات
لتـلامـيذ عـمّـاوس ( لـوقـا ) أو لمـريم المجـدليّة ( يـوحـنا ).
آ) روايـات احـتفـال أثناء الحجّ. القـبر
الفـارغ
حـين يذهـب حُجّـاج مـؤمـنون إلى الأراضـى المقـدّسـة، يُحـبّون
أنْ يحـتفـلوا فى بعـض الأمـاكن بالأحـداث التى جـرت فـيها: فـفى القـبر المُقـَدّس
مـثلاً، يتذكّـرون الحـدث ويتأمّـلون ويُصـلّـون.
لقـد افـترض أهـل الاخـتصـاص افـتراضًا يسـتند إلى درس النصـوص،
وهـو أنّ روايـات القـبر الفـارغ قـد نشـأت عـلى الوجـه التالى: فإنّ المسـيحيّين
الأوّلـين كانـوا يحُجّـون إلى قـبر يسـوع، إلى قـبر فـارغ، ويحـتفـلون فـيه
بإيمـانهم.
ومن هـنا نشـأت رواية أولى أعـاد كل الإنجـيليّين النظـر فـيها
عـلى طـريقـته للتعـبير عـن فكـره اللاهـوتىّ.
وسـنكـتفى بقـراءة رواية مـرقـس.
القـبر الفـارغ. مـرقـس 16/1ـ8
إقـرأ هـذا النصّ. إكـتشـف المعـلومـات الزمـنيّة والمكـانيّة
والممثـلين والأعـمـال ( راجع " عـلبة أدوات العـمل" فى الجزء الأوّل،
الصفحة 14 ). حـاول أنْ تُـدوّن هـذه النقـاط المخـتلفـة فى عـمودَيْن، واضـعـًا
المـلاحـظـات التى تتناقـض، الواحـدة تجـاه الأخـرى.
مـا هـو التحـوّل الـذى تمّ من بـدء الروايـة إلى آخـرها؟.
تـوحى المعـلومـات الزمـنيّة بالانتقـال من الظـلام إلى النـور
( الصـباح والشـمس والنـور )، ومن القـديم إلى الجـديد، ومن زمن اليهـود المقـدّس
والدينىّ ( مع العـلم بأنّ السـبت – لا يـوم السـبت – قـد مضـى ) إلى الزمـن
الكـونىّ والدنيـوىّ ( اليـوم الأوّل من الأسـبوع ).
فى الأمـاكن تناقـض بين القـبر المُغـلق الـذى يحـفـظ أمـواته
والقـبر المنفـتح عـلى الحـياة، وفـيها أيضًا تناقـض بين أورشـليم ( هـنا ) وهى،
عـند مـرقـس، رمـز الـذين ينغـلقـون عـلى أفكـارهم ويقـتلون الـذين عـندهم أفكـار
غـير أفكـارهم، وجـليل الأمم، وهى أرض الانفـتاح عـلى العـالم.
أحـد الممثـلين غـائب، وهـو يسـوع. أمّـا الشـابّ فهـو يـوحى
بالوجـه الجـديد الـذى يحضـر عـليه يسـوع: عـليـه حـلّة بيضـاء ( نقـيض سواد
القـبر )، جـالس عـن اليمـين، مـثل المسـيح المُمجّـد، وهـو الـذى يُحـوّل بَحـْث
النسـاء. أتت النسـاء إلى القـبر لِمَسْـح جسـد يسـوع، أى للمحـافظـة عـليه فى
المـوت، لكـنّه لم يعُـد هـنا. جـاءت تلمس جـثـّة، فـتلقـّت بـلاغـًا. "
سـترى" هى والرُسُـل يسـوع القـائم من بين الأمـوات حـين يُبشّـرون به حـتّى
فى الجـليل، أىّ حـتّى آخـر العـالم والتاريخ ( راجع الصفحة 176 ).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(153)
ب) روايات تراءٍ لإقامة شـهـود رسـميّين
يخـتم مـتّى ولـوقـا ويوحـنّا أناجيلهم بروايـة تـراءٍ أو عـدّة
ترائيّـات للمسـيح. سـننظـر، فى هـذه الفـقـرة، إلى ترائـيّات المسيح للأحـد
عـشـر، تاركـين للفـقـرة التالية ترائـيّاته لبعـض التـلامـيذ، فـإنّ هـذه
الترائـيّات هى من نـوع آخـر.
لا شـكّ أنّ إنجـيل مـرقـس كان ينتهى بهـرب النسـاء إلى خـارج
القـبر، فـالآيـات 16/9-20 قـد أضـيفـت فى وقـت لاحـق وهى مجـرّد مُلخّـص مـأخـوذ
من مـتّى ولـوقـا ( راجع حاشـية كـتابك المقـدّس عـلى هـذه الآيات ).
المـراد من روايـات التـرائى للأحد عـشـر أن تُبـيّن أنّ يسـوع
هـو الـذى أقـامهم شـهـودًا لـه. لنْ نقـرأ جمـيع الروايـات ولن ندرسها درسـًا
عـميقـًا ( سـنعـود فـنرى بعـضًـا منها فى وقـت لاحـق ). فـالمـطـلوب هـنا أنْ
نتحـقـّق من أنّ هـذه الروايـات تتناول بـدورها وباسـتعـمال الصُـور ذلك التـأكـيد
الـذى أُعـْلن فى الكـرازة ( راجع فى الصفحة 133 " تـرّوية الأفكـار" ).
المسـيح يُمجّـد ويُعْـبَد. متّى 28/16ـ
20
إبـدأ بقـراءة هـذا النصّ. تذكّـر صِـنفـىّ الصُـور المسـتعـملة
فى عَـرضِ حدث الفـصح: ما هـو الصـنف المسـتعـمل هـنا؟.
لِنقـرأ هـذا النصّ مـرّة ثانية. ذهـب الأحـد عـشـر، كما فى
تطـواف، إلى الجـبل الـذى أعـطـاهم فـيه يسـوع، مـوسـى الجـديد، شـريعـته الجـديدة
(مـتّى 5/1). وسـجـدوا ( هـذه الكلمـة تُسـعـمل حتّى اليتوم فى الليتورجـيّة
البيزنطـيّة للدلالة عـلى العـبادة ). نُفـاجـأ بعـبارة " فـأتى إليهم يسـوع
"، إذ أنّ التـلامـيذ سـاجـدون عـند قـدمـيه! لكن لقـب " الآتى"
يُطـلق أحـيانًا عـلى الله فى الكـتاب المقـدّس. ثمّ أنّ يسـوع يسـتشـهـد بجمـلة
دانيّـال ( دا 7) ( راجـع الجزء الأوّل، فى الصفحة 91 ). وبذلك يَظْهـر كابن
الإنسـان آتـيًا إلى الله عـلى غـمام السـماء. فـقـد تمّ إذًا رَفـعـه وتمجـيده،
ولذلك فـقـد أصـبح فى إمكـانه أنْ يـوفـد تـلامـيذه إلى الرسـالة فى العـالم.
يتناول هـذا النصّ بـدوره، لكن بشـكل رواية، إحـدى الطـرق التى
كان المسـيحـيّون يسـتعـملونها فى الكـرازة ليُشْـعِـروا الناس بحدث الفـصح:
الرسـم البيانى تحت / فـوق أو الرّفـع. والعـنصـر الوحـيد الـذى ينتمى إلى الرسـم
البيانى الآخـر ( القـيامـة ) هـو ذكْـر الشكّ (الآيـة 17). ولكن هـذا الذكـر فى
غـير محـلّه ولعـلّـه أضـيف فى وقـت لاحـق.
يسـوع يتراءى للرُسُل ويُبدّد شـكوكـهم:
لـو 24/36ـ 53
إقـرأ الآيـات 36-43: عـلى أىّ رسـم بيانى بُنِيَت هـذه
الروايـة؟ ثمّ إقرأ الآيـات 50-53: عـلى أىّ رســم بيانىّ بُنِيَت هـذه الروايـة؟.
من الواضـح أنّ لـوقـا يسـتعـمل صـورة " القـيامة".
ويسوع هـو الـذى يُبادر ويُـرى نفسـه. وأمّـاالشـكّ فـالمُـراد بـه أنّـنا لسـنا
أمـام وهم جمـاعـىّ. يُظْـهـر يسـوع أنّـه الآن كما كان فـيما قـبل: له جسـم
ويسـتطيع أنْ يأكل. يُمكـن تطـبيق كلّ ذلك عـلى وضـع ألـعـازر بعـد أنّ إقـامـه
يسـوع من بين الأمـوات ( مـا عـدا أنّ يسـوع حـاضـر فى وسـطهم دون ان يدخـل ).
ثمّ أنّ لـوقـا يتوسّـع فى مـوضـوع عـزيز عـليه، وهـو أنّـنا لا
نسـتطيع أنْ نعـرف يسـوع حـقّ المعـرفـة إلاّ بتفسـيره بـواسـطة الكُـتب
المقـدّسـة، لكننا لا نسـتطيع أنْ نفهم الكـتب المقدّسة إلاّ إنْ قـرأها لنـا
القـائم من بين الأمـوات نفسـه (الآيـات 44-49).
وأخـيرًا يـروى لنـا
لـوقـا صـعـود المسـيح ( مسـاء الفـصـح! ). هـذه طـريقـة للتعـبير، بواسطة رواية،
عـن رفـع يسـوع وتمجـيده. سـنرى، عـندما ندرس إنجـيل لـوقـا وأعـمال الرُسـُل، أنّ
للـوقـا روايـة أخـرى عـن الصـعـود، وهـو يضـعـه بعـد الفـصـح بـ 40 يومـًا عـلى
الأقـلّ. فـللكـاتب الواحـد روايتان لحدثٍ واحـدٍ يضـعـه فى أوقات مخـتلفـة: فى
ذلك إشـارة إلى أنـّه لا يَبْتَغِـى التسـلسـل الزمنى التاريخى، بل التفكـير
اللاهـوتىّ.
|
وجـْهـا قـطـعـة نقـود لقـطـعـة النقـود وجْهـان، ولكن يسـتحـيل النظـر إليهما فى
آنٍ واحـد، مـا لمّ تُنْشـر إلى قـطـعـتين! ومن المُسـتحـيل كذلك أنْ ننظـر فى
آنٍ واحـد إلى جانبَيتىّ وجه إنسـان: يُبعـثر بيكاسـو، الرسّـام الشـهـير، وجـه
الإنسـان، فى بعـض لوحـاته، لتُـرى جمـيع جـوانبه فى آنٍ واحــد. هـذا ما فـعـله لـوقـا إلى حـدّ مـا. كان يُعـلم بأنّ هـناك
طـريقـتين للتعـبير عـن الفـصـح: التصريح بأنّـه " قـام" أو أنّـه
" رُفـع"، وهما وجهان غـير منفـصـلين لسـرّ واحـد. وبما أنّ الوجهـين
كانا جـوهـريّين فى نظـره، فـقـد اخـتار أنْ يضـعـهما جـنبًا إلى جـنب: فـيسـوع
قـد " قـام" وقـد " صـعـد إلى السـماء". لعـلّنا أسـرعـنا
فى الاعـتقـاد بأنّـنا أمـام حـدثين يتعـاقـبان فى الزمن ( كما لو اعـتقـدنا أنّ
هـناك قـطعـتَى نقـود )، بينما نحـن أمـام وجهَـين لسـرّ واحـد. |
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(154)
ج) الاخـتبار المسـيحىّ: ترائيّات لبعـض
التـلامـيذ
إنّ روايتىّ تـرائى يسـوع لمـريم المجـدليّة فى إنجـيل يوحـنّا
ولتلمـيذىّ عـمّـاوس فى إنجـيل لـوقـا هما من نوع خـاصّ. فـليس المُـراد بهما
الدلالـة عـلى أنّ يسـوع قـام أو رُفـع أو أقـام شـهـودًا رسـميّين، بلّ المُـراد
بهما إشـركـنا فى فـرح تـلامـيذ وجــدوا ربّهم وجــدّدوا معـه روابـط محـبّة،
وإعـلامـنا بأنّـنا نسـتطيع اليــوم أنْ نخـتبر الاخـتبار نفسـه.
سـنكـتفى بقراءة عـمّـاوس ( لو 24/13-35) وبالمُقـارنـة بينهما
وبين رواية أخـرى للـوقـا، وهى روايـة اعـتماد مـوظّـف حَـبَشـىّ ( رسـل 8/26-40).
وتسـهـيلاً للمقـارنـة، سـتجـد فى الصفحة التالية ترجمـة لهـذين النصـّين.
وإنْ كان لـديك مُتّسـع من
الوقـت، فـإبـدأ بدرسـهما مسـتعـينًا بـ " عـلبة أدوات العـمل". فـسـترى
أنّ الأسـئلة التى تحـت عـنوان " النصّ نفسـه" تـؤدّى عـمـلها و "
تفـكّ " لك هـذين النصـّين.
يُحـاول لـوقـا الإجـابة عـن هـذا السـؤال: كـيف تهـتدى اليوم
إلى الربّ يسـوع؟ وهـو يُبيّن ما هـو دور ثـلاثـة عـناصر جـوهـريّة: معـرفـة حـياة
يسـوع الأرضيّة – الكُـتب المقـدّسـة – الأسرار. إقـرأ النصّـين مُكـتشـفـًا هـذه
العـناصـر الثـلاثـة ودورها.
إنّ قـلاوبـا ورفـيقـيّه مُطّـلعـان عـلى حـياة يسـوع، وهما
يتحـادثـان بها وبيحـثان، وليس حـديثهما أقـلّ كمالاً ودقـّة من خـطـب بطـرس. ولكن
الفـرق بين بطـرس وبينهما أنّ الأمـر لم يعُـدْ لـه معـنى فى نظـرهما. ولكى يكـون
لحـياة يسـوع أىّ معـنى، فـلا بُـدّ أنْ تُفـسّـر فى ضوء الكُـتب المقـدّسـة ( ما
نسـمّيه العـهـد القديم )، ولكنّ القـائم من بين الأمـوات هـو الوحـيد الـذى
يسـتطيع أنْ يقـوم بـذلك التفسـير. فـيُمْكـن عـندئذ معـرفـة القـائم من بين
الأمـوات عَـبْرَ الأسـرار. وإذا تـوارى يسـوع فى الحـظـة التى عـرفـاه فـيها،
فـفى ذلك تنبـيه إلى أننا سـنجـد يسـوع الحىّ بعـد اليــوم فى سـرّ الإفخارسـتيّا.
أمّـا الموظّـف الحبشـىّ فهـو فى وضـع مخـتلف. بعـد أنْ اهـتدى
إلى الدين اليهـودى ( دخـيل )، اطّـلع عـلى الكُـتب المقـدّسـة، ولكـنّه لم يجد
فـيها معـنى. فـلا بُـدّ أنْ يكـون لها عـلاقـة بحـياة يسـوع. وفى هـذه الحـالة
أيضًا، فـالقـائم من بين الأمـوات وحـده يسـتطيع أنْ يفعـل ذلك بواسـطـة شـهـوده.
فمن الواضـح أنّ لـوقـا يُصـوّر فـيلبس كمـا صوّر يسوع، فكـلاهما يظهـران
ويتواريان خـفـية ويُفـسـران الكُـتب المقـدّسـة ( قـارن بين لو 24/27 ورسـل 8/35
). من ذلك الحـين فـصـاعـدًا، لن يعـمل يسـوع نفسه فى الكنيسـة، أو بالأحـرى هـو
نفسه يواصل العـمل، ولكن بواسـطة خـدّامـه، بقـدر ما يُنعـشهم الروح القـدس ( رسـل
8/26 و29 و39 ). وسـيخـتبر المـوظّـف الحبشـىّ هـو أيضًا اخـتبار اللقـاء الشـخصىّ
بيسـوع عَـبْرَ أحـد الأسرار، أىّ المعـمـودية. ( ولقد وضـعـنا الآيـة 37 بين
هـلالين، لأنّ لا وجـود لها فى جميع المخـطـوطات، فـالأرجح انّهـا عـبارة من
عـبارات رتبة المعـمـوديّة دخـلت النصّ فى وقـت لاحـق ).
وتجـد جـناسًـا يسـتحيل نقـله إلى العـربيّة ولا بُـدّ من
الانتباه إليه فى قـراءة هـذين النصّـين. فهـناك ثلاثـة أفـعـال تتشـابك ولها أصل
واحـد ( وقد أشـرنا إليها بالأرقـام الصـغـيرة 1 و 2 و 3 لكى تهـتدى إليها ).
ويجـب خـاصـّة أنْ تكـتشـف تقـلّبات الوضـع من البـدايـة إلى
النهـاية، فى البـدايـة كانت أعـين التلمـيذين محجـوبة عـن معـرفـته ( الآية 16 )،
فـليس يسـوع هـو الـذى تغـيّر أو تنكّـر فى زىّ بـائع جَـوّال، بلّ التلمـيذان هما
اللذان تغـيّرا وأقـفـلا عـلى نفـسـيهما فى خَـيْبة رجـاء، حتّى أصـبحا عـاجـزَين
عـن معـرفـة هـذا الرجـاء الـذى حُـقّـق فى يسوع، وإنْ حُـقّـق عـن وجـه يخـتلف
عـن وجـه تفكـيرهما. وهـذا شـأن مـريم المجـدليّة فى إنجـيل يوحـنّا، فهى كانت
تُفكّـر فى يسـوع – فى يسـوع الـذى كانت تحلم بـه – حتّى أصـبحـت عـاجـزة عـن
معـرفـته حـين ظهـر لها! وعـند كسـر
الخـبز انفـتحـت أعـينهما: إنّ تحـوّل القـلب هـذا، والـذى بفـضـله عـرفـا القـائم
من بين الأمـوات، لا يأتى من الإنسـان، فـإنّ يسـوع هـو الـذى فـتح أعـينهـما
لمّـا شـرح لهما الكُـتب المقــدّسـة.
حـين ذهب بطـرس إلى القـبر (الآية 24)، لمْ يـرَ يسـوع، ومع ذلك
فـقـد أعـلن فى النهايـة أنّ يسـوع أرى نفســه لبطـرس (الآيـة 33). وكـذلك
فـالتلمـيذان لم يعـرفـا يسـوع وهما فى الطـريق، بلّ عـرفـاه عـند كسـر الخـبز (الآية
31) وصـرّحـا بأنّـه عـرّفـهم عـن نفسـه (الآيـة 35). فـالمـبادرة ليسـوع دائمـًا.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(155)
لـو 24/36ـ 53 : تلمـيذا عـمّـاوس
13 وإِذا باثنَينِ مِنهُم كانا ذَاهِـبَينِ، في
ذلكَ اليَوم نفسِه، إِلى قَـريَةٍ اِسْمُها عِـمَّاوُس، تَبعُدُ نَحوَ سِتِّينَ غَـلوَةٍ
مِن أُورَشَليم. 14 وكانا يَتحدَّثانِ
بِجَميعِ هذِه الأُمورِ الَّتي جَرَت. 15 وبَينَما هُـما
يَتَحَدَّثانِ ويَتَجادَلان، إِذا يسـوعُ نَفْسُـه قـد دَنا مِنهُـما وأَخـذَ
يَسيرُ معَـهـما، 16 عـلى أَنَّ أَعـيُنَهُما
حُجِـبَت عن مَعـرِفَـتِه2.
17 فـقالَ لَهـما: " ما هـذا الكَلامُ الَّذي
يَدورُ بَينَكُما وأَنتُما سـائِران ؟ " فـوَقـفا مُكتَئِبَين.
18 وأَجابَه أَحَدهُما واسمُه قَـلاوبا: " أَأَنتَ
وَحدَكَ نازِلٌ في أُورَشَليم ولا تَعـلَمُ الأُمورَ الَّتي جرَتَ فيها هذهِ
الأَيَّام؟ " 19 فـقالَ لَهما: " ما
هي؟ " قالا له: " ما يَختَصُّ بِيَسوعَ النَّاصِريّ، وكانَ نَبِيّاً مُقـتَدِراً
عـلى العـَمَلِ والقولِ عِـندَ اللهِ والشَّعـبِ كُلِّه، 20 كَيفَ
أَسلَمَه عُـظَماءُ كَهَنَتِنا ورُؤَساؤُنا لِيُحكَمَ عـلَيهِ بِالمَوت، وكَيف
صَلَبوه. 21 وكُنَّا نَحنُ نَرجو أَنَّه هو الَّذي سيَفـتَدي
إِسرائيل ومعَ ذلكَ كُلِّه فهذا هوَ اليَومُ الثَّالِثُ مُــذ جَـرَت تِلكَ الأُمـور.
22 غـيرَ أَنَّ نِسوَةً مِنَّا قد حَيَّرنَنا،
فإِنَّهُـنَّ بَكَرنَ إِلى القَبْرِ 23 فـلَم
يَجِدنَ جُـثمانَه فـرَجَعـنَ وقُـلنَ إِنَّهُنَّ أَبْصَرْنَ في رُؤيةٍ مَلائكةً
قالوا إِنَّه حَيّ. 24 فذهَـبَ بَعضُ
أَصحابِنا إِلى القَـبْر، فـوَجَـدوا الحالَ عـلى ما قـالَتِ النِّســوَة. أَمَّا
هـو فـلَم يَـرَوه ".
25 فـقالَ لَهما: " يا قـَليلَيِ الفَهمِ وبطـيئَيِ
القَـلْبِ عن الإِيمانِ بِكُلِّ ما تَكَلَّمَ بِه الأَنبِياء. 26 أَما كانَ
يَجِبُ عـلى المَسيحِ أَن يُعانِيَ تِلكَ الآلام فيَدخُـلَ في مَجدِه ؟ " 27 فـبَدأَ مِن
مُوسى وجَميعِ الأَنبِياء يُفَسِّرُ لَهما جمـيعِ الكُـتُبِ ما يَختَصُّ بِه.
28 ولمَّا قـَرُبوا مِنَ القَـريَةِ الَّتي يَقـصِدانِها،
تظاهَـرَ أَنَّه ماضٍ إِلى مَكانٍ أَبَعد. 29 فـأَلَحَّا
عـلَيه قالا: " أُمكُثْ مَعَـنا، فـقـد حانَ المَساءُ ومالَ النَّهار ".
فدَخَـلَ لِيَمكُثَ معَـهـما. 30 ولمَّا جَلَسَ معَـهُـما
لِلطَّعام أَخذَ الخُبْزَ وبارَكَ ثُمَّ كسَرَهُ وناوَلَهـما. 31 فانفَتَحَت
أَعـيُنُهـما وعـرَفـاه2 فغابَ عـنهُـما. 32 فـقالَ
أَحَدُهـما لِلآخَر: " أَما كانَ قـلبُنا مُتَّقِـداً في صَـدرِنا، حـينَ كان
يُحَـدِّثُنا في الطَّـريق ويَشرَحُ لنا الكُـتُب ؟ "
33 وقاما في تِلكَ السَّاعَةِ نَفْسِها ورَجَعا
إِلى أُورَشَليم، فـوَجَـدا الأَحَدَ عـشَـرَ والَّذينَ مَعَـهم مُجتَمِعين، 34 وكانوا
يَقولون إِنَّ الرَّبَّ قامَ حَـقاً وتَراءَى لِسِمْعـان. 35 فـرَوَيا ما
حَدَثَ في الطَّـريق، وكَيفَ عَـرَفاه عِـندَ كَسْرِ الخُــبْز.
رسل 8/26ـ 40: المـوظف الحبشىّ
26 وكَلَّمَ ملاكُ الرَّبِّ فـيلِيبُّسَ قال: "
قُمْ فامـضِ نَحوَ الجَـنوب في الطَّـريقِ المُنحَدِرَةِ مِن أُورَشَليمَ إِلى
غَزَّة، وهيَ مُقـفِـرَة ". 27 فـقامَ ومَضى،
وإِذا أَمامَه رَجُلٌ مِنَ الحَبَشَة، خَصِيٌّ ذو مَنصِبٍ
عالٍ عِـندَ قَـنْداقَة مَلِكَةِ الحَبَش، وخازِنُ جَميعِ أَمْوالِها. 28 وكانَ
راجِعًا مِن أُورَشَليم بَعـدَ ما زارَها حاجًّا، وقَـد جَلَسَ في مَـركَبتِه يَقَـرأُ3 النَّبِيَّ
أَشَعْـيا.
29 فـقالَ الرُّوحُ لِفيلِبُّس: " تَقَدَّمْ
فالحَقْ هذهِ المَركَبة ". 30 فبادَرَ إِلَيها فـيلِـبُّس،
فسَمعَ الخَصِيَّ يَقَرأُ3 النَّبِيَّ أَشَعْـيا، فـقالَ له: "
هَل تَفهَمُ 1 ما تَقرَأ3؟ " 31 قالَ: "
كَيفَ لي ذلك، إِن لم يُرشِدْني أَحَد؟ " ثُمَّ سأَلَ فيلِيبُّس أَن يَصعَـدَ
ويَجلِسَ معَـه. 32 وكانَتِ الفِـقـرَةُ
الَّتي يَقـرَأُها3 مِنَ الكِتابِ هي هـذه:
" كخَـروفٍ سِـيـقَ
إِلى الذَّبح
وكحَـمَـلٍ صامِـتٍ بَينَ يَدَي مَـن يَجُـزُّه
هـكـذا لا يَفـتَحُ فـاه.
33 في ذُلِّه
أُلغِـيَ الحُـكـمُ عَـليه.
ترى مَن يَصِـفُ ذُرِّيَّته؟
لأَنَّ حَـياتَه أُزيلَت عـنِ الأَرض ".
34 فـقـالَ الخَـصِـيُّ
لِفـيلِــبـس: " أَسأَلـُكَ: مَن يَعْـني النّـَبِيُّ بِهذا الكَلام: أَنَفْـسَه
أَم شَـخْـصًا آخَر؟ " 35 فـَشَـرَعَ فـِيلِـبُّس
مِن هـذه الفـقَـرةِ يُبَشِّـرُه بِيَسـوع.
36 وبَينَما هُـما
سائِرانِ عـلى الطَّريق، وَصَلا إِلى ماء، فـقالَ الخَصِيّ: " هذا ماء، فما
يَمنَعُ أَن أَعـتَمِد؟ ".
( 37 فـقـال فيلبس: " يجـوز ذلك إنْ كنت تؤمن من
كل قلبك". فـأجاب: " إنّى أؤمن بأنّ يسوع المسيح هـو ابن الله" ).
38 ثُمَّ أَمَر بِأَن تَقِفَ المَركَبَة، ونَزَلا
كِلاهُما في الماء، أَي فيلبُّس والخَصِيّ، فعَـمَّـدَه. 39 ولَمَّا
خَرَجا مِنَ الماء خَـطِـفَ روحُ الـرَّبِّ فـيلِـبُّس، فغـابَ عـن نَظـرِ الخَـصِيّ،
فـسـارَ في طـريقِه فـَرِحًا.
40 وأَمَّا فـيلِـبُّس فـقَـد وُجِـدَ في أَزوت
ثُمَّ سارَ يُبَشِّـرُ في كُلِّ مَـدينةٍ حتَّى وَصَـلَ إِلى قـَيصَرِيَّة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(156)
والآن ...؟
حـين دخـلّنا فى هـذه المـرحـلة حـدّدنا لأنفـسـنا هـدفـين
رئيسـيّين: أنْ نتحـقّـق من أنّ قـيامـة المسـيح هى مـركـز إيمـان المسـيحيّين،
وأنْ نكـتشـف عـلى وجـه أفـضـل كـيف تكـوّنت كـتابات العـهـد الجــديد.
ومن المحـتمـل أنّ مدار اهـتمام آخـر ظهـر فى أثـناء الطـريق،
وهـو: كـيف تمّـت قـيامـة المسـيح؟ وكـيف تتمّ قـيامـتنا؟ من الواضح أنّ هـذا
السـؤال مهـمّ، ولكـنّه يتجاوز ما قـصـدناه من هـذه المسيرة. فـلا يسـعـنا إلاّ
أنْ نضـع بعـض المعـالم لتسـاعـدك عـلى التفكـير، ونُحـيلك إلى كـتب اخـرى.
يحْسـُن بك أوّلاً أنْ
تحـاول، أنت وحــدك، وبالأفـضـل مع فـريق، أنْ تتبيّن الوضـع:
·
كـيف كان المسـيحيّون
الأوّلـون يُعـبّرون عـن حـدث الفـصـح هـذا؟ من أىّ وجـه كان مهـمّـًا أنْ
يسـتخـدمـوا عـدة صُـور؟.
·
كـيف يُعَـبّر عـن هـذا
الإيمـان بحسب مخـتلف الفـنون الأدبيّة: إعـلانه لغـير المـؤمـنين – الاحـتفال بـه
– روايـات..؟ وهـل هـذه الروايات خـاصـّة تُضـيف إلى السـرّ ما لا تُعْـلنـه
الكـرازة أو ما تُعـْلـنه بصــورة مخـتلفـة؟.
وسـبق لنا أنْ اقـترحـنا
تمـرينًا صـغـيرًا ( الصفحة 147 ). من المفـيد أنْ تعـود إليه الآن.
·
نسـتخـدم صـُوَرًا للكـلام
عـلى القـيامـة: ما هى الصُـوَر؟ هـل هـى تُعَـبّر خاصّـة ( أو فـقـط ) عـن الوجـه
" قـيامـة "، عـن العـودة إلى الحـياة السـابقـة؟ وهـل تـدلّ أيضًا عـلى
تلك " الزيـادة" التى يـوحى بها الرّفـع والتمجـيد؟.
·
لـدينا نصـوص كـتابيّة
مفـضـّلة، وهـذا أمـر طـبيعىّ. ولكن سـبق لنا أنْ كلّ نصّ لا يُعـبّر إلاّ عـن
وجـه من وجـوه الحـدث. عـن أىّ وجـه تعـبّر النصوص التى نفـضّلها؟ هـل نهتمّ بأنْ
تُسـتَكْمَـل بغـيرها من النصـوص؟.
·
لعـلّنا قـد فـوجـئنا
بهـذا السـؤال: " ما هـو المهمّ عـندك فى الحـياة؟". ولكن، إذا كان
الإيمـان بالقـيامـة أمـرًا أسـاسـيًا، فـلا يُمْكـن أنْ يكـون غـريبًا عـمّـا هـو
مهمّ عـندك. يُمْكـنك أنْ تعـود إلى أجـوبتك: ما هـى الصـلة القـائمـة بين إيمـانك
بالقـيامـة وهـذه الأجـوبـة؟.
بعـض الأمـور
الراسـخة
لنلخّـص أوّلاً بعـض الأمـور الراسـخة التى ظهـرت أثـناء
العـمـل.
لم يقـُلْ أحـد إنّـه رأى يسـوع يقـوم من بين الأموات (
خـلافـًا لمـا نـراه فى كـثير من اللوحـات، فهـى خـطـيرة من هـذا القـبيل ).
يُثـبت التـلامـيذ أنّهم رأوا يسـوع قـد قـام من بين الأمـوات. وهـمّ يُشـدّدون،
بحسـب الأحـوال، عـلى هـذا أو ذاك الوجـه، أو عـلى الوجهـين فى آنٍ واحـد. عـرفـوا
أنّـه هـو، وهـذا يعـنى أنّـه هـو هـو الـذى عـرفـوه قـبل مـوته. ولكـننا لسـنا
أمـام مُجـرّد عـودة إلى الحـياة، بلّ نحـن أمـام دخـول فى الحـياة النهـائيّة:
رُفـع ومُجّـد وصـعـد إلى السـماء وجـلس عـن يمـين الله وجُعـل ربـًا...
لا يُمْكـن للإنسـان أنْ يشـعـر بهـذا الحـدث إلاّ فى الإيمـان.
فهـو لا يـرى القـائم من بين الأمـوات مـتى شـاء، كما يسـتطيع أنْ يـرى اليـوم صـديقـًا
له. إنّ القـائم من بين الأمـوات هـو الـذى يُـرِى نفسـه لمـن شاء وحـيث ومـتى
شـاء. والشـهـود يخـتبرون حـينئذ اخـتبارًا حـقـيقـيًا ( يُعـبّرون عـنه بهـذا
الشـكل مـثلاً: يسـوع قـادر عـلى الأكـل: راجـع لـو 24 )، وإنْ انفـردوا بهـذا
الاخـتبار: وهـكـذا فـإنّ رفـقـاء بـولس شـعـروا بأنّ أمـرًا ما يجـرى لبـولس،
ولكنّهم لم يـروا المسـيح. إنّ اسـتعـمال عـبارة " أرى نفسـه" من شـأنه
أنّ يـوجّـه نحـو اخــتبار حـقـيقىّ، ولكـنّه باطـنى تمـامًـا.
يســتند إيماننا فى آخـر الأمـر إلى الاثـبات الـذى يُشـعـرنا
الله بـه. سـبق لنا أنْ ذكـرنا أنّ إنجـيل ـرقـس لم تكنْ فـيه روايـات قـبل أنْ
تُضـاف إليه فى وقـت لاحـق. فـاشـاب ( أى الله ) أكّـد أنّ يسـوع قد قـام. فهـذا
يكـفى لترسـيخ الإيمـان.
إنّ الكُـتب المقـدّسـة ( أى العـهـد القــديم بالنسـبة إلينا )
أسـاسـيّة لكى نـؤمـن ونفهم شـيئًا من السـرّ. رأينا ذلك فى كـلامـنا عـلى روايـات
عـمّـاوس والمـوظّـف الحبشـى. وكان فى إمكاننا أنْ نقـرأ أيضًا فى المشـهـد الذى
يُرينا فـيه إنجـيل يوحـنّا بطرس والتلميذ الآخـر آتـيّين إلى القـبر (يو20/3-9): "
حينَئذٍ دخَلَ أيضاً التِّلميذُ الآخَرُ وقَد وَصَلَ قَـبلَه إِلى
القَبْر، فَرأَى وآمَنَ. ذلك بِأَنَّهُـما لم يكونا قد فهِـما ما وَرَدَ في
الكِتاب مِن أَنَّه يَجِبُ أَن يَقـومَ مِـن بَينِ الأَمـوات "
(الآيتان 8-9).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(157)
فـلو سـبق لهما أنْ فهـما الكـتاب المقدّس، لمـا احـتاجا إلى
رؤيـة ( بأعـين الجسـد ) القـبر فـارغـًا لكى يـؤمـنا، ولآمـنا ورأيـا ( بعـين
الإيمـان ) القـائم من بين الأمـوات (يو20/29).
أنّ الكُـتب المقـدّسـة تُعـطى معـنى لحـياة يسـوع الأرضـيّة،
وانّ هـذه الحـياة تُعْـطى الكُـتُب المقـدّسـة معـناها.
لكن القـائم من بين المـوات وحده، بنفسـه ( لـو 24/27 و45) أو
بواسـطـة تـلامـيذه ( رسـل 8/35) يسـتطيع أنْ يُعْـطى معـنى الكُـتب المقـدّسـة.
إنّ مشـهـدىّ عـمّـاوس والمـوظّـف الحبـشـى، إلى جانب كـثير من
غـيرهما، يُلفـتان نظـرنا إلى أنّ المـؤمن الـذى عـاش فى السـنة 80 أوّ المـؤمن
الـذى يعـيش فى السـنة 1980 ليس محـرومًا بالنسـبة إلى التـلامـيذ الأوّلـين:
يُمكـنهم ويجـب عـليهم همّ أيضًا أنْ يخـتبروا اخـتبار اللقـاء بالربّ الحىّ، فهـو
لا يـزال حاضـرًا بالفـعـل فى الأخ المجهـول الـذى يصـادفـونه فى الطـريق وفى
الأسرار، وفى الإفخـارسـتيا أوّلاً.
وقـد يحمـلنا ذلك عـلى
طـرح هـذا السـؤال: هـل الاخـتبار الـذى يخـتبره المسـيحى فى أيّامـنا يخـتلف
أساسًا عـن الاخـتبار الـذى اخـتبره تـوما وسـائر الرسـل؟ لهـذا السـؤال أجـوبة
مخـتلفـة. إليك واحـدًا منها. هـذا الاخـتبار هـو واحـد أسـاسـًا. فـإنْ دخـل
إنسـان غـير مـؤمن ولا يعـرف شـيئًا عـن المسـيحيّة إلى مكان يـؤدّى فـيه
مسـيحيّون شـعـائر العـبادة، شـعـر، من خـلال مـوقـفـهم، أنّ أمـرًا ما يجـرى.
وإنْ سـألهم عـن أجـابـوا: إنّ الربّ يسـوع حاضـر بيننا وهـو يدعـونا إلى
مـائـدته، ونحـن نأكـل معـه ونسـتمع إليه ونخاطـبه... والحـال أنّ هـذا الجـواب
يُشـبه روايـات الإنجـيليّين شـبهًا مدهـشـًا.
لكنّ هـناك فـرقـًا: يُقـال فى هـذه الروايـات إنّ الرُسـُل
عـرفـوا أنّـه يسـوع. سـبق لهم أنْ تعـرّفـوا إليه مـدّة حـياته الأرضيّة،
فـبإمكانهم أنْ يتحـقـّقـوا من أنّ اخـتبار القـائم من بين الأمـوات الـذى
يخـتبرونه الآن يُطـابـق اخـتبار يسـوع الأرضىّ الـذى اخـتبروه فـيما قـبل. وهـذا
الأمـر لا نقدر عـليه نحـن. فـلكىّ نتحـقـّق من صدق اخـتبارنا، لا بُـدّ لنا انْ
نقـارنـه باخـتبار الرسـل. لا شـكّ أنّ الاخـتبار نفسـه لا يخـتلف أسـاسـًا، لكن
الرجـوع إلى المـاضى الـذى يُصـدّق عـليه يخـتلف: حـياة يسـوع بالنسـبة إلى
الرسـل، واخـتبار الرسـل بالنسـبة إليه.
ملحـوظة
رأينا أنّ المسـيحيّين الأوّلـين كانـوا يسـتخـدمـون صِـنْفَـين
كـبيرين من الصُـوَر للإشـارة إلى سـرّ الفـصـح: القـيامـة والرّفـع. واكـتشـفـنا
ما فى كل صـنف، إذا أخـذ وحده، من حسـنا وسـيّئات ( راجع الصفحة 149 ).
يجـوز لـنا أنّ نتسـاءل – وهـذا مُجـرّد افـتراض – هـل بعـض
صـعـوباتنا لا تأتى من أننا فـصـلّنا بين هـاتين الصـورتين:
·
بالنسـبة إلى يسـوع، لم
نحـفـظ فى الواقـع سـوى لغـة " القـيامـة". وهـذا ما يـؤدّى إلى أسئلة
عـن الـ " كـيف": أىّ جسـم كان جسـمه؟ هـل كان فى إمكانه أنّ ياكل....؟
إنّ لغـة " الـرّفـع" من شـأنها أنّ تذكّـرنا بأنّـه رجـل حـقـيقىّ –
بجسـم إذًا – ولكـنّه " مـرفـوع"، أى آخـر، فهـو الآن فى جسـم روحـانىّ،
بحسـب تعـبير بـولس.
·
بالنسـبة إلينا، لا نحـفـظ
فى أغـلب الأحـيان، دون أنْ نشـعـر بالأمـر، سوى صورة " الـرّفـع": بعـد
مـوتنا، يتحـوّل جسدنا إلى تراب، ولكنّ شيئًا مـنّا، نفسنا، يذهـب إلى السـماء.
فـلم يعُـدْ هـناك حاجـة، والحـالة هـذه، إلى اسـتعـادة الجسد! من شـأن لغـة
" القـيامـة" أنْ تذكّـرنا بأننا لا نسـتطيع أنْ نوجـد إلاّ ككائنات
جسـديّة.
أمـر أكـيد
من الباطـل والمسـتحـيل
أنْ نتصـوّر كـيفـيّة القـيامـة. إنّ الشئ الوحـيد الـذى يتأكّـد مـنه المـؤمن هـو
التمسـّك بأمـرين: يسـوع قـام ومُجّـد – سـنكـون معـه، حـين نأتى إلى قـراءة بولس
فى مـرحـلتنا الثانية، يُمْكـننا أنْ نتنبّـه إلى جمـيع الكلمـات التى اسـتعـملها
أو ابتكـرها مسـتعـينًا بالظـرف " مـع": تألّم مع، مـات مع، قـام مع،
مُجّـد مع، عـاش مع... سـنكون معـه للأبـد.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(158)
|
أعمال الرسل الحدث يسوع |
2/14-41 العـنصـرة |
3/12-41 المقـعـد |
4/9-12
5/29-32 أمـام المجلس |
10/34-43 قرنيليوس |
13/16-41 بولس |
لوقا 24/14-27 |
نصـوص أخرى للوقا |
|
|
حياة يسوع الأرضيّة وعظة يوحنا المعمدان يسوع الناصرى اعـتماده عن يد يوحنا |
22 |
|
10 |
|
38 37-38 |
24-25 |
19 |
لو 3/15-16 يثير الشعب بتعليمه فى اليهودية كلها من الجليل إلى ههنا ( لو32/5
) |
|
مـوت حكم عليه رؤساء اليهود أعدمه الوثنيون بحسب التدبير الإلهى بـرئ دُفـن |
23و36 23و36 23و36 |
13و15و17 13و14 18 13 |
10 28 |
30 |
39 |
27 28 27 28 29 |
20 25-27 |
لو23/2و4و5و20و22و23 و25و51ورسل7/52 لو18/31 جميع ما كتب لو23/4و14و15و32 |
|
الفـصـح أقـامه الله أيقـظـه نحن شهود بذلك رُفع بيمين الله يهب الروح |
24-32 32 33 33 |
15 15 13-21 |
10 |
30 32 31 |
40 39 و41 |
33 30 و37 31 |
34 48 |
رسل1/8 و22ولو24/48 ورسل 1/3-4 لو24/51 ورسل1/9-11 |
|
متممًا الكتب المقدسة ألقـاب قبل: طفل – عبد قدوس، بار بعد: امام الحياة،مخلص قبل وبعد: ربّ مسيح |
(27) 36 31و36 |
13 و26 14 15 18 و20 |
27و30 |
30 |
36 |
|
|
|
|
الكتاب المقدس. عامة الكتاب أنبأ: بأيـامه بآلامـه بمجيئه الثانى اليهود الورثاء الأولون بواسطـتهم: خلاص الوثنيين |
20 39 39 |
24 18 20 25 25 |
|
|
(43) |
(27و40) 26و33 |
26و27و46 |
شواهد فى نصوص أخرى |
|
نصـوص خاصّة: مز16/10.. قدوسك يرى الفساد مز2/4 أنت ابنى، اليوم مز110/1 اجلس عن يمين مز118/22حجرمرذول/ مرفوع أش55/3 ما وُعد به داود يؤ3 الروح المفاض تث18 نبى كموسى حب 1/5 |
25و 31 30 34 17و21و39 |
22 |
11 |
31 |
|
35-37 33و 20 34 41 |
|
رسل9/20 وعب1/5و5/5 مر 1/11و لو3/22 مر12/36 وعب1/13 ومر14/62 ورسل 7/55 روم8/34 وأف 1/20 وقول 3/1 و 1بط3/22 وعب1/3و8/1و10/12و12/2 مر12/10 و1بط2/7 رسل7/37 ويو6/14 |
|
ينـدينا الخلاص بالايمان الخلاص باسم يسوع وحده التوبة المعمودية من اجل الخطايا هبة الروح |
(21و 39) 38 38 38 |
12 19 19و26 |
|
31 31 |
43 43 43 |
38 38 |
|
|
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(159)
اشـتهـر بولس بأنّـه كاتب مُعـقّـد. وهـذا صـحيح. ولكن مـا
أشـدّه جاذبيّة! من خـلال رسـائله يظهـر كما هـو، قـدّيس مـلئ بالعـيوب: يتكلّم
دائمـًا عـلى نفسـه. عـاطـفىّ يحـتاج إلى أصـدقـاء أوفـياء بالقـرب منه. محافـظ فى
الـدين اليهـودىّ لم يفـقـد، عـند تنصّـره، طـبعـه المتصـلّب، وكـثير من زمـلائـه
أوّ من المـؤمـنين سـيتعـلّمـون ذلك عـلى حسـابهم: بطـرس ( " قـاومـته وجهًا
لوجـه لأنّه لم يكن يسـير سـيرة قـويّمة" ) (غـل 2/11) وبرنـابـا الـذى كان
يـريـد أنْ يسـتصـحب إلى الرحـلة الرسـوليّة ابن عـمّـه يوحـنا مرقـس الشـاب وكان
بولس لا يُـريـده ( كـتب لوقـا: " وقـع بينهما خـلاف شـديد حـتّى فـارق
أحـدهما الآخـر": رسـل 15/39) وأهـل قـورونتس الـذين عـرض عـليهم بولس أنْ
يذهـب إليهم ليُعـيد النظـام إلى نصـابـه باسـتعـمال العـصـا (1قور 4/21 وراجع
11/16)... وفى الوقـت نفسـه شـخـص منصـرف كلّـيًا إلى رسـالته، لا يهـمّـه سـوى
محـبّة ربّـه وخـدمـة جماعـاته وأبنائـه الأعـزّاء الـذين يشـعـر نحـوهم بحـنان
الأمّ...
كـثير من فـقـرات رسـائله يبدو لنا غامضـًا ( وحتّى لكاتب 2بط
3/16!). لن نتوقـّف عـليه، بلّ فى إمكانك أنْ تعـود إليه فى وقـت لاحـق. سـنحاول
خاصّـة أنْ نكتشـف مـلامح تفكـيره اللاهـوتىّ الكـبرى وسـنقـرأ بعـض تلك الفـقـرات
الرائعـة التى نكـتشـف فـيها الإيمـان المسـيحىّ فى أوّل شـبابه، والتى نشـعـر
فـيها، من خـلال بولس، ما تستطيع نعـمـة الله أنْ تعـمله فى قـلب إنسـان.
تُقَـسّم حـياة بولس إلى قسـمين يتسـاويان تقـريبًا: مـدّة
ثـلاثين سـنة ( لعـلّه وُلِد فى حـوالى السـنة 5 ق. م. وظهـر له المسـيح فى
طـريقـه إلى دمشـق فى حـوالى السـنة 36 ) عـاش عـيشـة الفـرّيسـيّ، ثمّ مـدّة
ثـلاثين سـنة أخـرى ( مات شـهـيدًا فى رومة فى السـنة 67 عـلى الأرجح ) أصـبح
مسـيحيًا فـعـاش عـيشـة المُرْسَـل الـذى لم يعـرف التعـب والـذى أنشـأ جماعـات فى
حـوض البحـر المـتوسّـط كلّه وراسـل الـذين هـداهم إلى الـدين المسـيحىّ.
بولس
الفـرّيسـىّ
وُلِـد بـولس فى طـرسـوس، عـاصـمة قـيليقـيّة، فى آسـية
الصُـغـرى، وكانت مـدينة جامعـيّة رُبّـما يبلغ عـدد سـكّانها ثلاثمائة ألف. فكان
بولس عـلى مفـترق حضـارتين.
كان يهـوديًا فـرّيسـيًا فـدَرَس فى أورشـلسم عـلى جـمالئيل
وكان من أكـبر ربّـانىّ ذلك الزمان ( راجع رسـل 22/3 و5/37). وكان قـد عـاد إلى
طـرسـوس فى السـنوات التى بشّـر فـيها يسـوع، ويبدو أنّـه لم يعـرفـه. وتعـلّم (
فى عـائلتـه؟ ) حـياكة ذلك القـماش الخشـن المصـنوع من شـعـر المعـز، وهـو المسـح،
الذى يشـتقّ اسـمه من قـيليقـيّة. من المحـتمل أنّته كان ربّـانيًا وبالتالى
مـتزوجًا.
ولكـنّه حصـل من عـائلته، فى الوقـت نفسـه، عـلى جنسـيّة
المـواطن الرومـانىّ الـذى سـيسـتغـلّها أحـيانًا بافـتخار (رسـل 22/25-28). من
المحـتمـل أنّـه دخـل الجامعـة، فـقـد اسـتخـدم أسـاليبها الأدبـيّة واسـتشـهـد
بالشـعـراء عـند سـنوح الفـرصـة (رسل 17/28). هـذا وأنّ اسـمه المـزدوج، شـاول (
الاسـم اليهـودىّ ) وبولس ( الاسـم اليونانىّ ) يدل عـلى انتمـائه إلى هـاتين
الحضـارتين.
كان بـولس فـرّيسـيًا صـادقـًا، فلم يكن له سـوى حـبّ واحـد:
خـدمـة الله بممارسـة الشـريعـة ممارسـة دقـيقـة. كان فى اسـتطاعـته أنْ
يقـول" " حـياتى هى الشـريعـة". وحـين عـاد إلى أورشـليم فى حـوالى
السـنة 36، ذُعـر من تبشـير بطـرس والآخـرين. فـلأنّـه كان لاهـوتيًا، فـقـد شـعـر
أكـثر من بطـرس، ولا شـكّ، بأنّ خـطـب الرسـل تُهـدّد بقـلب أوضـاع الدين
اليهـودىّ، لأنّها تجعـل يسـوع، مع أنّ السـلطـات حكمـت عـليه كمجدّف، عـلى قـدم
المسـاواة مع الله. ولمّـا كان فـرّيسـيًا غـير متسـاهل فى أمـور صحـة الإيمـان،
فـقـد عـزم عـلى محاربـة هـذه الشيعـة الجـديدة. فـوافـق عـلى إعـدام اسطفـانوس
وذهـب إلى دمشـق ليُطـارد تـلامـيذ اسطـفـانوس الـذين لجـأوا إليها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(160)
فى الطـريق
إلى دمشـق
إنّ الربّ الممجّـد الـذى ظهـر لـه هـو ملعـون الصـليب: يقـوم كل
تفكـير بولس اللاهـوتىّ عـلى هـذا الانقـلاب. حُكم عـلى يسـوع باسم الشـريعـة التى
كانت فى عـهـدة السـلطات الدينيّة، وكان ملعـونًا من الله فهـو لمّ يفعـل شـيئًا
ليُـنقـذه، كما ورد فى الكـتاب: " ملعـون ( من الله ) من
عُــلّـق عـلى خشـبة" (تث 21/23 وغل 3/13). والحال أنّ الله مجّـد
هـذا " الملعـون"! فهـذا يعـنى أنّـه صـرّح باتفـاقـه معـه، وأنّ الشـريعـة
التى حكمـت عـليه حكَـم الله عـليها! فلمّ يعُـدْ من قـيمـة للشـريعـة. فى نظـر
بـولس، قـد انهـار معـنى حـياته... فـلا عـجـب أنْ يكـون بقـى ثـلاثـة أيّام فى
دمشـق، خـائر القـوى، أعـمى البصـيرة، يُقـيّم كلّ ما انهـار. ولكن يسـوع قـد
احـتلّ ذلك الفـراغ الواسـع المـؤلم. يسـتطيع بولس بعـد اليـوم أنْ يقـول: "
حـياتى هى المسـيح".
هـنا نشـأ تفكـيره اللاهـوتىّ نشـأة بديهـيّة سـيُكـرّس حـياته
كلّها فى جـردها. وسـنقـوم باكـتشـاف بعـض نقـاطهـا الراسـخة.
التبرير بالإيمـان. لمّـا كان بولس
فـرّيسـيًا، ط،نّ أنّـه يُبَـرّر بممارسـته الصـادقـة للشـريعـة، طـنّ أن كلّ ما
كان يقـوم بـه من مجهـود و " أعـمال" يجعـله بـارًا أمـام الله. فـلم
يعُـد للإنسـان أنْ " يصـنع" خـلاصـه، بلّ أنْ " يناله"
مجّـانًا من يـدّ الله بالإيمـان. فـإنْ آمـن الإنسـان بالله وانضـمّ من صـميم
كـيانه إلى المسـيح واتّكـل عـليه اتّكالاً تامـًا، نال مـنه الخـلاص وأصـبح
بـارًا. من الواضح أنّ هـذا لا يعـنى أنْ يكـتفى الإنسـان بالإيمـان وأنْ يسـير
بعـد ذلك عـلى أىّ طـريق كان. فـالـذى يـؤمن بالله ويُحـبّه لا بُـدّ أنْ يسـعـى
ليعـيش بناءً عـلى هـذا الإيمان وهـذا الحـبّ، ولكن الأعـمال التى يعـمـلها عـندئذ
لا يعـملها لإجـبار الله عـلى حـبّه، بلّ لأنّـه يعـرف أنّـه محـبوب من الله.
أصـبحـت نعـمة الله كلمـة تفكـير بـولس اللاهـوتى
الأساسـيّة. فـقـد اكـتشف أنّ الله يُحـبّه مجّـانيًا رحـيمًا. إنّ الله
يُحـبّنا، لا لأننا صـالحـون، بل لنكـون صـالحين. وهـذا هـو
مصـدر فـرح وطمـأنينة بولس وكلّ مـؤمن، فإنهما لا يعـتمـدان عـلى ما يفـعـلان أو
عـلى ما هـما عـليه ( فـقـد يـؤدّى ذلك غـالبًا إلى إضعـاف المعـنويّات )، بل عـلى
محـبّة الله، فـهـو أمـين.
يسـوع المسـيح المصـلوب. مُجّـد ملعـون
الصـليب... حاول بولس أنْ يفهم: إذا مجّـده الله، فـذلك أنّ هـذا المـوت كان من
صُلْب تـدبيره الإلهىّ، فـلابُـدّ من تجـديد قـراءة الكُـتب المقـدّسـة. وقـد أتـاه
الجـواب من قـصـائد العـبد المـتألّم خـاصّـة ( راجع الجـزء الأوّل، الصفحة 67 ):
فإنّ يسـوع لم يُحْكَـم عـليه بسـبب خـطاياه هـو، بلّ " سُـحِقَ
بِسـَبَبِ خَـطايانا وفِى جِـرُوحِه كان شِـفـاؤنـا" (أش
53/4-5). فأصـبح الصـليب، المسـتنير دائمـًا بالقـيامـة، فى صـميم تفكـير بولس
اللاهـوتىّ.
وعـند قـدمَىّ المصـلوب وجـد نفـسـه خاطـئًا، ولكن خـاطـئًا
مَـعْـفـُوًا عـنه. إنّ عـودة الإنسـان الدائمـة إلى خـطاياه والتفكـير فـيها
باسـتمـرار لا يـؤدّى إلاّ إلى وَخْـز عـقـيم للضـمير. فـعـلى وجـوه الآخـرين وفى
الإسـاءة إليهم يشـعـر الإنسـان بخـطـيئته. ورأى بولس خـطـيئته فى المُعـذّب عـلى
الصـليب، ولكنّه رأى فـيه الغـفـران قـبل كلّ شئ. وقـد أصـبح شـعـورنا بخـطـيئتنا
شـكـرًا وحـمدًا لله الـذى يُظـهّـرنا منها بيسـوع المسـيح.
الكنيسـة جسـد المسـيح. سـأل يسـوع من كان
يضطهـد المسـيحيّين: " لمـاذا تضطـهـدنى؟" ... فـرأى بولس فى هـذا ذلك
الاتّحـاد الوثـيق بين يسـوع وتـلامـيذه: فهـمّ يكـوّنـون جسـدًا واحـدًا هـو
الكنيسـة. أصبح ذلك أسـاس الأخـلاقـيّة عـند بولس: بالإيمـان والمعـمـوديّة،
أصبحتم جسـده، فـسـيروا إذًا بناء عـلى ذلك.
رسـول يسـوع المسـيح. كان الرُسُـل يقـولون:
لا تسـتطيع السـكوت عـن الكـلام. متى اكـتشـف الإنسـان أنّـه محـبوب ذلك الحـبّ
العـظـيم وأنّ ذلك أصـبح معـنى حـياته، لا يسـعـه إلاّ أنْ يرغـب فى التعـريف بـه
إلى الآخـرين. وكذلك فـقـد أصـبح التبشـير بيسـوع المسـيح، فى نظـر بولس، ضـرورة
حـيويّة (1قـور 9/16) وأصـبحـت المـناداة بـه إلى جمـيع الناس، من يهـود وغـير
يهـود، حاجـة من حاجات الحـبّ.
الدخـول فى تقـليد. كان لبولس كلّ ما يلزم
ليصـبح زعـيم إحـدى الشـيع: كان ذكـيًا متحمّـسًـا ومُخـتارًا مباشـرة من قِـبَـل
الله... ومع ذلك، فـقـد تمّ اعـتماده عـن يـدّ حَـنَنيا، وكان رجـلاً لا يمـتاز،
عـلى مايـبدو، لا بعـلمـه ولا بشـجاعـته (رسـل 9/13). ومع أنّ دعـوته فى دمشـق قـد
اتّسـمـت بطـابع الشـذوذ عـن القـاعـدة، فـقـد حمـلته عـلى الدخـول، بكلّ تواضـع،
فى تقـليد الكنيسـة. ولم تنفـتح عـيناه إلاّ فى السـاعـة التى اقـتبل فـيها
المعـمـوديّة.
وقـد نُخْطـئ إنْ اعـتقـدنا بأنّ بولس حصل فى دمشـق عـلى تفكـير
لاهـوتىّ جاهـز اقـتصـر فـيما بعـد عـلى اسـتغـلاله. لقـد " اسـتولى"
الربّ عـليه فى تلك السـاعـة (فـل 3/12)، أو، بعـبارة سـبق شرحها (الصفحة 126)،
" أثـّر فـيه". ولكى تنكـشـف لـه صـورة القـائم من بين الأمـوات
انكـشـافـًا تامًا، فـلا بُـدّ من الحـياة اليومـيّة مع الجماعـات المخـتلفة التى
سـتحمـل أسـئلتها بولس عـلى التعـمّـق فى معـرفـة المسـيح. سـنجـد فـيها أربـع
مـراحـل رئيسـيّة. ولكن، قـبل الخـوض فـيها، لنقـرأ رسـالته إلى أهـل فـيليبّى
حـيث يفـتح لنا قـلبه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(161)
الرسـالة إلى أهـل فـيليبّى
إنّ رسـائل بولس هى عـادة مـؤلّـفـات ولـيدة الظـروف: فهـو
يُجـيب إلى أسـئلة إحـدى الجماعـات أو يُعـارض بعـض الانحـرافات المُعـيّنة، سـواء
أكانت عـقـائـديّة أمّ أخـلاقـيّة. أمـّا رسـالته إلى أهـل فـيلبّى (وهى قـد تضـمّ
ثـلاث رسـائل صـغـيرة )، فـيبدو أنّها ليسـت ولـيدة بعـض الظـروف، بلّ إنّها
كُـتبت لمُجـرّد حـبّ بولس لأهـل فـيليبّى، ومنهم وحدهم قـبل مسـاعـدة ماليّة
فـقـد حَمَـلته ثـقـته بحـبّهم النـزيـه له عـلى الاعـتقـاد بأنّ هـذه المسـاعـدة
لنْ تقـيّده بالنسـبة إليهم. وفى هـذه الرسـالة، يفـتح بولس قـلبه ويُكلّمهـمّ عـن
سـروره وعـذاباته ( وهـو سـجين الرومانيّين وقـد اخـتبر المـرض وفـتور الهـمّـة ) ويُشـعـرهم
بحـبّه المُـتّقـد ليسـوع وبالمعـنى الـذى يُعـطـيه لحـياته. عـلى الأرجح أنّـه
كـتب هـذه الرسـالة وهـو فى أفـسـس، حـوالى السـنة 57.
الفـصـل الثالث من الرسـالة
يُمْكـنك أنْ تبـدأ بهـذا الفـصـل.
كان بولس عُـرضـة لتهجّـمـات بعـض اليهـود، أو بالأحـرى بعـض
المسـيحيّين المـتهـوّدين، أى أنّهم يرجـعـون إلى الممارسـات اليهـوديّة، ظـنًا
منهم أنّهم يجـدون فى ممارسـتهم أمـانًا أمـام الله (3/1-3 و18-19).
لبولس من الأسـباب ما يدعـوه إلى الثـقة بنفسه (3/4-6): كيف
ينظر إلى هذه الأسباب (3/7-13)؟ كيف يُمْكـنك أنْ تُعـبّر عـن الآيـة 9 بكلمـات
عـصـرنا؟
دوّن ما يُعـبّر عـن مفـعـوليّة المسـيحىّ ( المسـيح يعـمل كل
ذلك ) وفـاعـليّته ( وما عـليه أن يعـمل): كـيف يرتبط هـذان الوجهـان؟.
قـراءة إجمـاليّة
لا نجـد فى هـذه الرسـالة صـعـوبات كُـبرى. هـناك طـريقـة
جـيّدة لدرسـهـا، وهى أنْ تقـرأ نصّـها سـطـرًا سـطـرًا، واضـعـًا خـطـوطًا
مُتعـدّدة الألـوان تحـت الكلمـات ( أو العـبارات المترادفـة ): يسـوع (انتبه إلى
أحـرف الجـر التى ترافـق هـذه الكلمـة: ل وعـن وفى.. ) – بشـارة – فـرح – عـذاب.
الربّ يسـوع. تتّسم الرسـالة كلّها بطـابع من الحـنان
نحـو الـذى " اسـتولى عـليه" (3/12) والـذى يُسـمّـيه، مـرّة واحـدة،
" ربّى يسـوع" (3/8). سـرّه مـوجـز فى النشـيد القـديم (2/6-11) الـذى
سـبق أنْ قـرأناه ( الصفحة 151 ).
الحياة المسيحيّة هى عـمل الله
(1/6 و2/13...) وهى حياة فى المسيح. وهذه المعـرفة (3/8: ما هـو المقـصـود؟ ) هى
فى آنٍ واحـد اتّحـاد بآلام المسـيح ومـوته ( انتبه إلى العـبارات التى تُبيّن ذلك
بالنسـبة إلى بولس – بالنسـبة إلى أبَفَـرديطس – بالنسـبة إلى المسـيحيّين )
وبحـياته بعـد قـيامـته. الحـياة المسـيحيّة هى من عـمل المسـيح، فهـو الـذى يعـمل
كلّ شئ فى المـؤمن، فـلا فـائـدة فى أعـمالنا (3/4 ت).
ولكن لا بدّ أنْ تظهر هذه الحياة المسيحيّة بالأعـمال: صلاة
(4/6..) وتمجيد الله فى أجسادنا (1/20 و3/21....) ووحـدة بين المسـيحيّين (2/1-4)،
وأنْ تظهـر أيضًا بحـالة توجـزها كلمـة فـرح ( دوّن أسـبابه ).
وفى آخـر الأمـر فـإنّ فـرح المسـيحىّ يقـوم عـلى إعـلان
البشـارة بالكـلام، بلّ بالسـيرة أيضًا وبوضع النفـس فى خـدمـة الآخـرين، لأنّ
الاتّحـاد بيسـوع يولّـد الاتّحـاد بين الإخـوة: انتبه إلى الحـبّ المُـتقـد الـذى
يُكـنّه بولس لمسـيحيّى فـيلبّـس.
|
أربـع مـراحـل يُمْكـن تقسـيم رسـالة بولس إلى أربـع فـئات تـدلّ عـلى أربـع
مـراحـل فى تفكـيره. †
الأولى والثانية إلى
أهـل تسالونيقى ( فى 51 ) يتناول بولس المواضيع الكـبرى للكـرازة، ويعـيش راجـيًا أنْ
يأتى المسـيح قـريبًا. †
الأولى والثاني إلى أهـل
قـورونتس. إلى أهـل غـلاطـية – إلى أهـل فـيليبّى – إلى أهـل رومة ( فى 56-58). هناك مسألة مـركزيّة: كيف يُصبح الإنسان بارًا وينال الخلاص؟
لا يُبرّر الإنسان بما يعـمله ( أعـمال وممارسة الشـريعـة )، بلّ بالإيمـان
بالمسـيح. يـرى بولس خاصّـة عـمل المسـيح فى كنيسـته. †
إلى أهـل قـولوسى. إلى
أهـل أفسـس. إلى فـليمـون ( فى61-63). تُسـمّى هـذه الرسـائل " رسـائل بولس فى السـجن"
لأنّـه أرسـلها من ستجن رومة. يكـتشـف بولس فـيها المكانـة التى يحـتلّها
المسـيح فى التاريخ والعـالم. †
إلى طيطس. الأولى
والثانية إلى طيموثاوس كـتب بولس هـذه الرسائل الرعـائيّة قـبل 67، أو كـتبها تلمـيذ
بعـد مـوته متناولاً وصـيّته الروحـيّة. هـناك اهـتمام واحـد: تنظـيم الكـنائس
والمحافـظـة عـلى صحّـة وديعـة الإيمـان. |
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(162)
1. الرسـالتان الأولى والثانية إلى أهـل
تسـالونيقى
أُرْسِـلَتْ هـاتان الرسـالتان من قـورونتس، وهما مـؤلّـفـا
العـهـد الجـديد الأوّلان. إنهما تعـرّفـانا بكنيسـة حـديثة العـهـد نشـأت عـلى
أرض وثنيّة، فكانت بمثـابة جماعـة صـغـيرة جـدًا فى داخـل مـدينة قـد يبلغ عـدد
سـكّانها ثـلاثمـئة ألف. نكـتشـف فـيها ما ولّـده بيسـوع المسـيح من حـمـيّة
وإيمـان حـديث جـدًا ورجـاء فـيه شئ من الجمـوح ومحـبّة مـتّقـدة.
يتناول بولس فـيهما مسـألة عـلم الآخـرة أو التفكـير فى نهاية
الأزمـنة. وكان يعـتقـد فى تلك الأيّـام بأنّ مجئ المسـيح الأخـير قـريب جـدًا.
فـاسـتخلص بعـض مسـيحيّى تسالونيقى هـذه النتيجـة: ما الفـائدة فى العـمل؟ إنّ
بولس، شـأن سـائر المسـيحيّين، لم يقـتنع إلاّ بعـد زمن طـويل بأنّ المُـدّة
السـابقـة لـذلك المجئ – زمن الكنيسـة – قـد تكـون طـويلة ( وهى لا تزال ! ). من
هـذه النصوص التى لا تخـلو من الصـعـوبة فى بعـض الأحـيان، نستخلص بعـض الأمـور
الهـامّـة: إنّ الرجـاء لا يصـرف المـؤمن عـن العـمل: فـلا بُـدّ له أنْ يعـيش كما
لو كانت الأبـديّة أمـامه، مع العـلم بأنّ الربّ قـريب. والأسـئلة عـن كـيفيّة
الآخـرة أسـئلة باطـلة: يكـفـينا أنْ نعـلم بأننا، بعـد المـوت، " سـنكـون مع
الربّ دائمـًا أبدًا" (1تس 4/17). يسـتوحى بولس، للإشـارة إلى مجئ المسـيح،
من بعـض المظاهـرات المعـروفـة عـند أهـل تسـالونيقى: دخـول الامـبراطـور ظافـرًا
فى مـدينته.
ونجد أيضًا فى هـاتين الرسـالتين تفكـيرًا أوّليًا فى "
خـدمة الرسـول": وهى تقوم أسـسـًا عـلى التبشـير بالكلمـة. وهـذا التبشـير يتطلّب
رباطـة جـأش وأمـانة. والأمـانة تُعْـرف من عـلامـتين: الصدق والنزاهـة. وسـيعـود
بولس مطـوّلاً إلى هـذه المـواضـيع فى رسـالته الثانية إلى أهـل قـورونتس.
الحياة المسيحيّة
لوكان لدينا متّسع من الوقت ، لأمكننا أنْ نتوقّّّّـف طويلأ عـند
الطريقة التى يعرض بها بولس الحياة المسيحيّة . وهي تقوم عـلى الدخـول في القصد الذي
قصده الله في نفسه منذ الأزل، ليحققه في يسوع المسيح : فنحن نُقَـدّس في يسـوع
بالروح القـدس لنكـوّن الكنيسـة.
إليك بعـض الأمـور التي يمكنك أن تدرسها .
عـند الله قصد قائم عـلى الحب. لاحـظ العـبارات التى
تعـبّر عـن هـذه الدعـوة، عـن هـذا الاخـتيار، لأىّ شئ يدعـو الله؟.
يحقق الله هذا القصد بيسوع المسيح . والإنسان
منادّى ومـدعـوّ إلى الدخـول في هذا القصد، حين يُبَشّر بكلمة الله. لاحظ العـبارات
التى تدلّ على دينامية وقدرة هذه الكلمة العاملة في المؤمن . ما هو مضـمون هـذه الكلمة
؟ قارن بينه وبين الكرازة . وهذه الكلمة، إذا أُعْـلنت ، أوجـبت عـلى سامعها أنْ
يختار : إما الرفض ( وما هي نتيجته ؟) وإمّا القبول.
إنّ قبول الكلمة إيمان ورجاء ومحـبّة. هذه
الفضائـل نراها منذ الأن مجتمعة بعـضها إلى جانب بعـض. ما هي النعـوت ( الأفعال والصـفـات ) التى ترافـقها؟.
الإيمان قـبول الكلمة (1 تس 2/13 و2 تس 2/13). ماهـو دور الروح
القدس وما هو دور الإنسان ؟ حاول أنْ تَصِفْ هذا الايمان. كـثيرًا ما ترافقه أفعال
تدل عـلى " السير" : ليس المطلوب أنْ يكون لنا الإيمان، بلْ أنْ نسير
ونتقـدّم في الإيمان . وما الأخلاقـيّة أو السلوك
المسيحيّ سوى نتيجـة للإيمان.
الرجاء انتظار: لأي شـيء ؟ لاحظ ميزتَـيه:
الصـبر ( الثـبات ) والسـهـر. ما هو دور الرجاء تجاه " رقاد" الموت ؟
المحبّة. الحياة المسـيحية محبة أو حياة في المـسـيح
. لاحظ العـبارات التى تدلّ عـلى هذا الاتحاد - الحاضر أو المسـتقبل – بالمسيح.
إنّ الروح هـو الذي يُكَـرّس ويقـدّس.
لاحظ الفـقـرات التى يـدور فـيها الكلام عــليه
. ما هـو دوره؟.
الكنيسة جماعـة الذين لبّـوا الدعـوة. ليست مجموعة أناس
اخـتاروا بعـضهم بعـضًا، بل هم أناس اختارهم الله فلبّـوا دعـوته. كـيف يُعـبّـر
عـن ذلك؟ ما هي النتائج التي يمكن أن تؤثـّر في جماعات عـصرنا؟
كل ذلك عـمـل نعـمة الله ويولّد في المؤمن الحَمْد
والشكران. كـيف يُعَـبّر عـن ذلك ؟ كـيف تُعْرَض الصلاة؟.
وهكذا فالحياة المسيحـيّة عـلاقة شخـصـيّة بكل أقـنوم من أقـانيم
الثـالوث: ما هى عـلاقـة كلّ من الأقـانيم بالمـؤمن وما هى عـلاقـة
المـؤمن بهم؟.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(163)
2. الرسـائل الكـبرى
إلى أهـل قـورنتس. إلى أهـل فـيليبى. إلى
أهـل غـلاطية. إلى أهل رومة
بين السـنة 53 والسـنة 58 أمضـى بولس ثـلاث سـنين فى أفـسـس،
وكتب عـدّة رسـائل: إلى أهـل قـورونتس وإلى أهـل غـلاطية وعـلى الأرجح إلى أهـل
فـيليبّى. ومن قـورونتس، حـيث قضـى شـتاء 57 – 58، كتب إلى أهـل رومـة.
كانت هـذه الفكرة تتسلّط عـليه: ما معـنى " الخلاص بيسوع
المسيح "؟ فتعـمّق في دور المسيح في تاريخ الخلاص، في داخل الجماعة المـؤمنة
حيث هو حاضر بالكلمة والأسرار والحياة التي يعـيشها كتقدمة.
المسيح في تاريخ
الخلاص
لمّا كان بولس يهـوديًا، كان يعـتقد بأنّه يجد الخلاص في ممارسة
الشريعة . والحال أن يسوع المسيح قد حكم عـلى الشريعة، مع أنّها مقـدّسـة لكونها
صادرة عن الله! فأخذ بولس يُجدّد قراءة الخلاص عـلى طـريقته، مـحاولاً أنْ يفْهم.
قطع الله عـهـدًا وحـيد الطرف مع إبراهـيم، قبل موسى بزمن طـويل:
فـلقد التزم وحده، دون شرط من قِـبَل الإنسـان ( إقرأ تك 15 وراجع الجزء الأول،
الصفحة 60 ). فإن كان الله عادلاً ، أي أمينًا، وجب عـليه أنْ يُعْـطي السعادة
لإبراهيم ولذرّيّته، أيًـا كانت ســيرتهم.
والحـال أنّ الشعـب سـار سـيرة سـيّئة. فأعـطاه الله شـريعة سـيناء،
وهي عهد ثنائىّ الطرف، فالتزم بأنْ يُعْـطي السعادة لشعبه، شرط أنْ يُراعي الشعـب
وصايا الله ( إقرأ خر 19-20 وراجع الجزء الأول، الصفحة 51 و60 ). قـد خطئ الشعـب،
فأعـطاه الله الشريعة كحاجز: وبما أنّه لم يستطع أنْ يُطيع الله عـن محبّة، وجب عـليه
أنْ يطيعـه بسبب الشـريعة. يتصرّف الله تصرف الأب مع ابنه، فلا وجود لعـقدٍ بينهما،
بلّ إنّ الآب يثـق بابنه والابن يطيع آباه عـن محبّة. وإن زالت هـذه المحبّة، وجب
عـلى الأب أنْ يضبط ابنه بيد من حـديد وأنْ يَفْرِض عـليه شريعـة، إلى أنْ يعود إلى
شعـور أفضل. وهكذا فالشريعة قد أعـطيت لحفظ الشعـب في محبّة الله. إنّها مقـدّسـة
لأنّها صادرة عـن الله. ولكنّها في الواقع تزيد الخطيئة، لأنّها تقول ما يجب عـمله،
دون أنْ تُعْـطي القدرة عـلى العـمل به، وبالتالى فإن الشعـب يخطأ بكامل وعـيه،
وها هوذا الله فى طـريق مسـدود: بصـفـته عـادلاً وصـادقـًا فى عـهـده مع إبراهـيم،
عـليه أنْ يُعـطى السعـادة، وبصـفـته عـادلاً بحسـب العـهـد المقـطـوع فى جـبل
سـيناء، عـليه أنْ يترك الشـعـب يُسـاق إلى المـوت الـذى اسـتوجـبته أعـماله...!
فخطرت عـندئـذ لبال الله هـذه الفكرة البارعة: بما أنّ طـريق
الشـريعـة يؤدي إلى الموت، فسـيعـاني هو نفسه هـذا الموت عـن يد ابنه. ومن جهة أخرى،
فإنّ موت المسيح هو أيضًا موت جميع الخاطئين عن يده. وبذلك أصبح الله أمينًا لعـقـد
سـيناء. لكنه جعـل ذلك الموت يؤدّي إلى الحياة. فـفـي المسيح القائم من بين
الأموات، يسـتطـيع جميع الناس أنْ يصلوا إلى الحياة والسعادة. وأصـبح الله أمينًا
لوعـده لإبراهـيم.
فالمهم للإنسان أنْ يكون " في المسيح ": فإن اتّحد به
المؤمن بالايمان والمعـمـوديّة، انتقل معه من المـوت إلى الحياة. وهـو يجـد الخلاص،
لا في الأعـمال التى يعـملها، بل في يسـوع.
فـقد سـقطت الشريعـة، في نظر المؤمن. والمهم هـو أنْ يُخْـلَق
ثانية في يسوع المسيح وأنْ ينتعـش بروحه القدّوس.
|
تصميم رسائل بولس كان بولس يكتب كما كانوا يكتبون في أيامه ·
العـنوان. كانوا يستهلّون
الرسـالة بهذه العـبارة: من فـلان إلى فـلان، سلام ! وهكذا فإن بولس يسـمّي نفسه
ومعاونيه، ويسـمّي مراسـليه ويسـلّم عـليهم. إقـرأ جميع هـذه العـناوين واحدًا بعـد الآخر: ما هى الطـريقة المسـيحية
لأداء التحية؟. ·
الصـلاة. كانوا يرفعـون
صلاة وجيزة الى الآلهة. إقـرأ جميع صلوات الشكر الواحدة بعـد الأخرى : عـلى أي شيء يبارك
بولس الله؟ ·
صُلب الرسالة. تتضمن
رسالة بولس عـادة قســمين: قسـم تعـليم: يتوسـّع بولس
في أحد الأمور العـقائدية نظرًا لأهـمّـيّته أو لأنّ مراسـليه أساؤوا فهمه. قسم ارشاد: يستخلص بولس نتائج عـملية من العـقيدة
التى ذكّـر بها. فالأخلاقية أو السيرة المسـيحـيّة مبنيّة عـلى العـقـيدة. ·
التحيات. يُنهى بولس
رسائله بالأخبار عن معاونيه وبالسلام عـلى المسيحين، ويختتمها ببركة وجيزة. |
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(164)
الرسالة
الأول إلى أهـل قورونتس
قورنتس: مـرفأ نشـيط ومدينة جامعة لأجناس مختلفة، لعـلّ عـدد سكّانها
يبلغ سمتمئة ألف، ثلثاهم من العـبيد. أمّا سـمعتها فكانت راسخة، حتى كـنّوا عـمن
يسلك طـريق الفجور بقولهم:" سار سيرة أهل قورنتس "... هـناك: مع جماعة مسـيحيّة
صغـيرة مـن الفقراء الذين انضمّـوا إلى المسيح بحمـاس، " ابتكـر" بولس
الأخـلاقـيّة المسـيحيّة. ففـى الرسالة إلتى كتبها إليهم: يُحاول أنْ يكتشف كـيف أنّ
الإيمان بالمسيح والمعـمودية يجعـلان المؤمنين يعـيشـون أوضاعهم البشرية بطـريقة جـديدة
تمامًا. سنعـود إلى ذلك مطـولاً في الصفحـتين 169 و170.
يُمْكنك أن تقرأ بعـض النصوص عـلى الأقـلّ: النشيد في المحبّة (13)
وأقدم رواية وصلتنا عن العـشاء السـرّي (11/11- 34) وقانون الإيمان القديم الذي
سبق لنا أنْ درسناه (15/1-11، راجع الصفحة 150 ) والإيمان بقـيامة المسـيح وقـيامـتنا
(15).
الرسالة
الثانية إلى أهل قورونتس
كثيرًا ما مرّت عـلاقات بولس بجماعـته بظـروف عاصفة: فـقد قـام شـكّ
حول سلطته وبالتالى حول الإيمان الصحيح. في هـذه الرسالة، يدافع بولس عن نفسه،
والقسم الأكبر منها يدور حول الخدمة الرسـولية كما كان بولس يعـيشها (1/11-7 و1). إنّه
يشعـر بمسؤوليتها الهائـلة، عالمـًا بأنّه، حين يعـرض كلمة الله، يترك لسامعـيه
الخـيار بين مناصرة المسيح أو مقاومته (2/14- 4/44). هـناك فقرة يُبيّن فيهـا بولس
أنّ المسيحيّ، بفضل يسوع. يقرأ الكتب المقدّسة قراءة جديدة ويفهم أخيرًا معـناها
الحقيقي. قـد تبدو لك هذه الفـقـرة على جانب من التعـقّـد، ولكنك ستكتشف فيها عـلى
الأقل هذا التأكيد الرائع، وهـو أنّ المسـيحيّ الذي يقبل المسيح يتغـيّر بفعـل مجد
الله الذي كان يسطع عـلى وجه يسوع ويسـتنير به لينير بـدوره إخـوته (3/5-4/6).
إنّ الله صالحنا في يسـوع الذي مات من جرّاء الخـطيئة والذي جعـله
الله خطيئة من أجلنا (5/21)، فأصـبحنا، في المسـيح، خـلـيقة جـديدة (5/11-21).
إنْ أردت أنْ تعـرف ما هي العـذابات التى عـاناها بولس، بلّ النعـم
التي نالها أيضًا، يُمكنك أن تقرأ 11/16- 12/10.
الرسالة إلى
أهـل غـلاطية
كان أهـل غـلاطـية متهـوّرين وجـذّابين ومـولعـين بالحـرّيّة،
فـقـبلوا بحمـاس تبشـير بولس ووهـبوا أنفسـهم للمسـيح. ولكن مـرّ بهم مُبشّـرون
آخـرون وأخـذوا "يتهوّدون "، أي يُضيفـون إلى إيمانهم المسيحي ممارسات يهـوديّة.
فمع أنّ أهـل غـلاطية كانوا وثنيّين فيما قبل، فـقــد جعـلوا أنفسهم تحت نير
الشريعة اليهودية! كانت نيّتهم صالحة. لكن بولس شعـر بالخطـر: فإنْ كان لا بُدّ من
إضافة شيء (الممارسات اليهـوديّة، هنا ) إلى الإيمان المسـيحيّ: فهـذا يعـني أنّ
الإيمان بيسوع غـير كافٍ لخلاصنا. شـنّ بولس هـجـومًا معاكسًا حارًا، واستعـمل كلّ
تفكيره اللاهوتيّ، فلم يخلُ كلامه من التعـقّـد! ولكن بولس طـرح عـليهم، في آخـر
الأمـر، هـذا السؤال:" تذكّـروا ما صـرتم عـليه بانضمامكم إلى يسوع المسيح!
فهـل أنتم مخلصـون للالتزامات التي إلتزمـتم بها يـوم اعـتمادكم؟".
بعـد مسـتهـلّ شـديد اللهجة، يُدافع بولس عـن البشارة التى يُعْـلنها،
عـلى ثـلاث مراحـل:
من أين أتت البشارة؟ تلقّـاها
مباشرة من المسيح في الطريق إلى دمشـق (1/11-2/21).
ما هـو مضمون بشارته؟ جـدّد قـراءة تاريخ شعـب الله، فـبَيّن أنّ الشـريعة
كانت مُجرّد مربٍ ليذهـب بنا إلى المسيح. وبعـد أنْ وصـلنا إليه، لم نعـد في حاجة إليها
(3- 4). ستجد، وأنت تقرأ هذه الفقرات، بعض العـبارات الرائعة في الإيمان بالمسيح
(2/16 و20) وفي إبراهـيم (3/6- 14) وفي المساواة بين الجميع في يسوع المسيح (3/26-
29) وفي الروح البنوي (4/6-7).
إلى أين تؤدّي بشارته؟ إلى الحـرّيّة
(5- 6)! في نظـر المسيحي، لم يعـدْ هناك من وصايا، ولم يبق إلأ تلك الشريعة الباطنية
- الروح القدس - التى تقيم في قـلب كل مؤمن والتى تقول له ما يجب عـليه أنْ يعـمل:
" إنكم، في المسـيح، خليقة جديدة، فكـونوا أحرارًا " (5).
إنّ الرسـالة إلى أهـل غلاطية مؤلف قتال. فيها كثير من الفقرات الغامضة،
لكن حدّة بولس تضفي عـليها نفحةً عـجـيبةً. إقـرأها دون الاهـتمام بالجمل العـويصة:
سـتتّضِح في وقـت لاحـق (إنْ شاء الله!).
سيتناول بولس، بعـد هـذه الرسـالة ببضعة أشهـر، تلك الأفـكار
نفسها، في عرض أوسع لا يزال ذروة من ذروات فـكـره: الرسـالة إلى أهـل رومة:
الرسالة إلى أهـل
رومة
لقد اقترح العـديد من التصاميم للرسـالة إلى أهـل رومة. إليك
واحدّا منهـا يمكنك عـلى الأقل من الإهــتداء في قــراءتها.
في القسـم العـقائدي (1-11) يتوسـّع بولس في
فكـرة واحـدة عـلى أربعـة أوجه مخـتلفة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(165)
†
عـلى الصعيد الإحصائىّ، ينظّم إثبات
الحال هـذا: جمـيع الناس، سـواء كانـوا يهـودًا أمّ لا، هم خاطـئون، فهم يحـتاجون جميعًـا إلى أنْ يُخـلّصهم يسـوع
المســيح (1/18- 5/11).
†
عـلى الصعـيد الإيمانىّ، يفكّـر
انطلاقًـا مِمّا أصبحنا عـليه عـندما اعـتمدنا: لقـد اتّحدنا في المعـمـودية بيسوع
الذي مات وقام، بيسوع " آدم الجـديد". الإنسان الأوّل الثاني. فنحن فيه
خليقة جـديدة (5/12-7/6) ( فـيما يتعـلّق بالخطـيئة الأصـليّة، راجع الجـزء الأوّل،
الصفحة 41).
†
عـلى الصعـيد النفسـاني، يبيّن أنّ الإنسان
منقسـم باطنيّا بين الخير الذي يريد أنْ يعـمله ولا يعـمله، والشر الذي لا يريد أنْ
يعـمله ويعـمله (7/7-25). والروح يُعِـيد وحدة المؤمن بمصالحة الله له، فيسـتطيع
بعـد ذلك أنْ يسـمّي الله " بابا "، مع سـائـر الناس ومع الكـون بأسـره
(8).
†
عـلى الصعـيد التاريخي أخيرًا، يُحـدّد
قـراءة تاريخ إسرائيل، فيُبْرِز شـقاء إسرائيل في رفضه المســيح. وينبئ بخـلاصه مـتى
اعـترفـت جملة الشعـب بيسـوع مشــيحًا (9-11).
في القسم الأخلاقىّ (12-15)، يستخلص انعكاسـات
هـذا الإيمان عـلى الحياة اليومـيّة (راجع الصفحة 168).
يمكـنك أنْ تقـرأ عـلى الأقـلّ روم 6–8، متوقّـفًـا عـند بعـض
الفـقـرات.
المعـمودية
( روم 6/1ـ 7/6)
يجيب بولس عـلى اعـتراض قـد ينشأ عـن الشـروح السابقة، فيبيّن
أنّه يجـب عـلى المسيحيّ أنْ يكفّ عـن الخطيئة، بانيًا كعادته هـذه الأخلاقـيّة عـلى
العـقـيدة.
لاحظ بعـض الكلمـات الهامّـة التى تُضْفِي ألوانًـا عـلى هـذا
النصّ ( والتي تفـقـد معـناها في بعض الترجمات ): عـمَّـد (الكلمة اليونانية تعـني:
غـطّـس في ) وعَـبَـدَ وعَـبْـد (6/6و9 واقرأ 1تس 1/9، وفها يتعـلّق بالانتقال من
العـبوديّة إلى الخدمة، راجح الجزء الأوّل، الصفحة 31) وقـرّب نفسـه ( أو جَعَـلَ من
..... : في الكتاب المقدّس اليوناني، كثيرًا ما تدل هـذه الكلمة عـلى تقريب النفس لله
في العـبادة، مثلا : تث 10/8 و17/12 و18/5 و7 و21/5 في روم 6/13 ( مـرّتين ) و6/16
و19 و12/1) وأطـاع ( بمعـنى انقاد وخضع وأذعـن: 6/12و16( ثلاث مـرّات ) و19: وهـذا
الفعـل يحدّد أحـيانًا معـنى المسـيحي: روم 10/16 و1 بط 1/2 و14 و22).
لاحظ التناقضات: فيما مضى / الآن، الجـديد / القـديم (6/4 و7/6)،
موت / حياة، أجر / مجـانيّة.
لاحظ المقارنات بين مصير المسيح ومصير المؤمن، لاحـظ خاصّة العـبارات
التى تدلّ عـلى وجه الشـبه: مـثل وكـ ... من الذي أقام المسيح ( راجع 6/14 و8/11 و
قـول2/12)؟.
لاحظ أيضا صـيغ الأفعـال: ما هـو في الماضي؟ في المستقبل؟.
انطلاقًـا من كل هـذه الملاحظات، ما هـو المعـنى المنسـوب إلى
المعـمودية في هـذه الفقرة؟.
وإنْ كان لديك متّسـع من الوقت، يُمْكـنك أنْ تنظـر إلى صُوَر
أخـرى للمعـمودية في رسائل بولس:
·
اسـتحمام، غـسـل: 1 قور
6/11 وأف 5/26 و طي 3/5.
·
دُفـن مع المسيح: غـل 3/27
و قول 3/9
·
خُـتِـم : 2 قور1/21ت وأف
1/13 و4/30.
·
أضاءَ : أف 5/14...
·
الحياة في الروح القدس (روم 8)
رأينا في الفصل السابع مـن الرسـالة أن الإنسان منقـسم على نفسـه. لا يصعب
عـلينا أنْ نهتدي إلى الطريق في ذلك الوصف المأسوي، وإنْ كانت هـناك بعض الفقرات
الغامضة (باستنادها إلى الفردوس الأرضي وإلى الشـريعة ). فهـل لنا من أمل ... ؟ ( انتبه
إلى كلمة " جسـد " عـند بولس: فهى لا تدلّ عـلى الأمور الجنسـية، بلّ عـلى
الإنسـان بكامله، بقدر ما يرفض الله. عـلى الإنسان القديم ).
أمّا الفصل الثامـن، فإننا نرى فيه كيف أنّ الروح القدس يُعِـيد
إلى المـؤمن وحد ته. أنظر كيف يقيمه في اتّحاد بالله - وبنفسه – وبالآخرين - وبالكون
كلّه.
يُمْكـنك أنْ تدرس النشيد في محـبّة الله الذي يُختتم به هـذا
القـسـم كلّه ( روم 8/31-35).
لاحظ كيف أنّ المـفردات المستعـملة مفـردات دعـوى:إلى ماذا يمكـننا
أنْ نستند لنخرج منها منتصرين؟ انستند إلى أنفسنا؟ أنستند ال الله؟
ما هو دور الله؟ دور المسيح ؟
ما هو ضمان المؤمن النهائى؟.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(166)
3. رسـائل بولس وهـو فى السجن
إلى أهـل قولوسي. إلى أهـل أفسس . إلى
فيلمون
بين السنة 8ه والسنة 63، أمضى بولس أربـع سـنين فى السـجن، في قيصرية
ثم في رومة. فكان له متّسـع من الوقـت للتأمّل. سَـنحَتْ له فرصة في ما بلغه عن
أهل قولوسي، فانتهـزها ليتعـمّـق في سرّ المسـيح. ذلك بأنّ أهـل قولوسي كانوا يمـيلون
إلى وضع المسـيح في عـداد القـوّات السـماويّة الكـثيرة التى كان بعـض الناس يضعـونها
بين الله والبشر. وقـد توصـّل بولس إلى تفكـير متماسـك بوضعه المسـيح في صميم
الكون والكنيسة. وهـو يُعَـبّر عـن ذلك في رسـالته إلى أهل قـولوسي ورسالته إلى أهل
أفـسـس ( لعـلّها من قـلم أحـد تلامـيذه ) ورسالته إلى فيلمون.
إنّ الرسالة الصغـيرة إلى فـيلمون هي أكـثر رسائـل
بولس تلمـيحًـا إلى مشاعـره الشخـصـيّة، فإنّه يكشـف عـن نفـسـه كما هـو. نسـتشـفّ
مـن خـلال الرسـالة ما كانت عـليه إحدى الكنائس التى نشأت في العالم الوثني. لقـد
عـجـب الناس مـن أنّ بولس لم يطالب بإلغـاء العـبودية. ولكنه فعـل ما هـو أفضل:
لقد أقام المساواة، لا بل الأخـوّة بين جميع الناس، بين السادة والعـبيد، فألغى
العـبودية مـن الداخـل.
في الرسالة إلى أهـل قـولوسي، نجح بولس،
خاصة بفضل ما اكتشـفه في الكتاب المقدّس عـن حكمـة الله ( راجح الجزء الأول،
الصفحتين 92- 95 )، في تحديد وضح المسيح بالنسبة إلى الله - فهو الابن الذي حلّ
فيه كمـال الألوهـيّة - وبالنسبة إلى العالم: فهـو الـذي به وله خُلِقَ كلّ شئ وحياتنا
البشريّة تسـتمد منه معـنىً جـديدًا: بما أنّه لا يُسـتثنى شيء من عـمل المسيح فيه،
فإننا، حين نبني المدينة الأرضـيّة، نبني أيضًا، بصورة خفية، ملكوت الله. وعـلينا أنْ
نحيا بعد اليوم كأناس قاموا مع المسـيح من بين الأمـوات (3/1-4).
ربّ العالم
( قول 1/15ـ 20)
هـناك مقطعان حول آية هي بمثابة نقطة اتّصال: فالآيتان 16د –17آ
توجـزان المقطع الأوّل، والآيتان 17ب –18آ توجـزان المقطـع الثاني.
إبـدأ بملاحظة العـبارات المتناسـبة واحرف الجـر المستعـملة (
في وب ول ) والألقاب المطلقة عـلى المطلقةعـلىالمسـيح: ورد بعـضها في العهـد
القـديم، فا معـناها؟ ( في ما يتعلّق بكلمة " صورة"، راحع الجزء الأوّل،
فى الصفحـة 93 ).
في المقطع الأول عـرض لمكان المسيح ودوره في العالم: ما هما؟
وفى المقطع الثاني عرض لمكان المسيح ودوره في البشـريّة بعـد أنْ صالحها الله فى الكنيسة:
ما هـما؟.
في الرسالة إلى أهـل أفسس عـرض لتفكير
بولس المتماسك. ليس فيها صعوبات كبيرة. واذا قرأتها، وجدت فيها فقرات رائعة. إليك
بعـضًا منها: النشيد المهيب في قصد الله أنْ يجمع في ابنه كل شئ (1/3-14) ومصالحة
جميح الكائنات في يسـوع المسـيح (2) والصلاة الجميلة للتأصّـل فى محبّة المسيح
(3/14–21) وتنظم الكنيسة (4/1-16)، وهـو نصّ قـد سبق لنا أنْ درسناه في الصفحة 151
) والنشيد القديم الوارد ذكره في 5/14: والكنسـية عـروس المسيح والزواج (5/21-33).
|
صـورتان
للكنيسـة يسـتخدم بولس صـورتان متكاملتان للتعـريف عـن الكنيستة،
وهـاتان الصورتان لا غـنى عـنهما. الكنيسـة هي الجسد الذي رأسه المسـيح: وهي تستمد منه واقعـها
الحيوي ( 1قور1/18 و12/12). مـن حسـنات هـذه الصورة أنّـها تُـبْرز الوحـدة القائـمة
بين الكنيسـة والمسـيح. الكنيسة عـروس المسيح (5/23-25). من حسنات هـذه الصورة أنّـها
تُبَيّن أنّهما اثنان: ليست الكنيسة مقـدّسة كالمسيح: ولكنها تسـتمد محبّتها دون
انقطاع من محـبّة المسـيح |
4. الرسـائـل الرعائيّة
إلى طيموتاوس. إلى طيطس
سواء أكانث هـذه الرسائـل من يـدّ بولس أوّ من يـدّ تـلاميذه بعـد
موته، فإنّها تكشف عـن اهـتماماته في المدة الأخيرة من حـياته، وهي المحافظـة عـلى
سـلامة الإيمان بيسوع المسيح الذي تلقّاه من الرسـل. تظهر فيهـا الكنيسـه وقـد تمّ
تتظيمها وتنوّعـت خـدماتهـا وأقـيم فيها الأسـقـف والشمامسـة. وهي تمكننا من الاتّحـاد
بتسبيح الكنيسة القديمة، بفضل ما ذكرته من أناشـيد: 1طـيم 2/5-6 و3/16 و6/15-16
و2طـيم 2/8-13.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(167)
الرسـالة إلى العـبرانيين والرسائل العامة
رسـالة
يعـقـوب
كـنت ذات يوم في كنيسة في إحدى القرى. قامت إحدى بنات الرعـيّة
بقـراءة الرسالة في أثناء القدّاس، وكان النصّ مأخـوذًا مـن رسالة يعـقوب، حـيث يتكلّم
عن الغـنى. لم أرَ فائـدة في التعـليق عـليها، فقد انقطعـت أنفاسـنا أمـام حـاليّة
هـذه الكلمات. كان الكاتب يقول ( في حوالى السنة60 أو80:" أتؤمن؟ مثل هـذه الأمور يكون ظاهـرًا! أرِني الأعـمال
التي يأتي بها إيمانك وأوّلها احترامك وحبّك للفقراء. وإلأ فـليس إيمانك صادقًـا...".
الرسالة إلى
العبرانيين
ليست في الواقـع برسالة، بلّ إنّهـا عـظة وجّهها أحـد تلاميذ
بولس، في حـوالى السنة 70، إلى بعض المسيحيين الحائرين في أمرهم. كانوا من اليهـود
فإنضـمّـوا بحماس إلى المسيح، وها هم الآن قد فتر حماسهم وأخذوا يتوقـون إلى ما في
العـبادة اليهـوديّة من احـتفالات رائعة. وبعـد أنْ أصبحوا مسـيحيّين، تعـذّبـوا
بسـبب إيمانهم. وهـم مهـدّدون بمصاعـب جـديدة. فيوبخهم الكاتب قـائلاً:" إن
عذابكم يفوق إيمانكم! لقد مضى زمـن " لبن حليب " التعـليم المسـيحيّ الصالح
للأطفال: فلا بدّ من التعـمّق في إيمانكم. أأنتم بلا حيلة أمـام التطـوّر الحاضر
وما فيه من مصاعـب؟ ولنجعـل نُصْبَ أعـيننا رأس إيماننا وهـو المسـيح عظيم كهنتنا
".
يجمع الكاتب دون انقطاع بين التعـليم والإرشاد فيتأمّل في
المزمور 2 والمز مور110 ويستند إلى الاحتفال " بيوم كيبـور" أو "
يوم التكفير" المعـروف عـند سامعـيه، وهو اليوم الوحيد الذي كان يدخل فيه عـظيم
الكهنة إلى قـدس الأقـداس حيث يقـيم الله، وكان يمثل أمام الله ومعه دمّ لنيل غـفـران
الخطـايـا.
ليس ذلك سـوى صـورة: فـلقد وجـب عـلى المسـيح، وهـو عـظـيم الكهـنة،
أنْ يـدخل إلى الله ويمثل أمامه بدمـه الخاص، أي بحـياته التي قـرّبها. كان عـلى
عـظيم الكهـنة اليهودي أنْ يُكَرّر دخوله كل سـنة. أمّا المسـيح فـقد دخـل مـرّة واحدة
في حضرة الله وفتح لنا السبيل نهائيًا. فعـلينا الآن أنْ نجعـله نصب أعـيننا ونسير
إلى أرض الميعاد في الإيمان والرجاء، مـن دون أنْ تخـور قـوانا.
يُمكنك أنْ تقرأ بعـض الفقرات عـلى الأقـلّ: 5/1-6 ( مـروءة
المسـيح ) و7/20-28 ( يسوع الكاهن الأوحـد ) و9-10 (العهد الجـديد) و11 (السير في
الإيمان ).
رسالة بطرس
الأولى
قـليلاً ما تُقرأ هـذه الرسـالة التى أرْسِـلَت عـلى الارجح من
رومة في حوالى السنة 64 ، وهذا أمر مؤسف، فإنّها، بغـض النظـر عـن بعـض التعاليم
التى تجاوزها الزمـن. تناسب تمامًا أوضاعـنا الحاضرة. يوجه بطـرس كلامه إلى المسيحيين
المشتتين في العالم. لم يعودوا مجموعة قـوميّة أوعـرقيّة، بلّ أصبحـوا إخوانية
منتشرة في العالم (5/9). يربطهم إيمان واحـد وسـلوك اجتمـاعي وأخلاقي لا بدّ أنْ
يمتاز عـن سـلوك معاصريهم.
يتوسّع القسـم العقائـديّ (1/1- 2/10) في بعـض مواضـيع
الكتاب المقدّس الكبرى التي تساعـد عـلى العـيش في هـذه الأوضاع: الخروج، والعـبد
المتألّم الوارد ذكره في أشعـيا والذي يقرّب نفسه لخلاص جميع الناس. والحجر الذي
رذله البناؤون والذي جعـل الله منه حجر الأساس، وهو صورة ليسوع الذي نبذه شعـبه. فرفعه
الله، والذي يبني عـليه المسـيحيون، وهم كالحجارة الحية، بيتًا روحيًا.
والقسم الثاني من تعـليم المعـموديّة هـذا يستخلص
بعـض النتائج العـملية: مفادها ضرورة حسن السلوك بين غـير المؤمنين ( راجح الصفحة
168 ). ما أروع التحديد الذي يحدد به بطرس الشهادة ! (7/9).
يولد هذا الشعـب الجـديد كشعـب مشـتّتين، وهـو مدعـوّ من وسـط
الأمم التي يعيش فيها مع الاستمرار في الإنتمـاء إليهـا. إنّه شعـب يعـيش عـيشة الخروج،
وهدفه أنْ يعـلن، بتسبيحه وحسن سلوكه، مآثر ذاك الذي " دعاه من الظمات إلى
نوره العجيب" (3/5).
رسالة يهوذا
كتبت هـذه الرسالة في حوالى السنة 80-90. وهي محيّرة أحيانًا وتقتبس
بعض النصوص اليهودية المعاصرة. إنما تحـذر المسيحيين من التعاليم الكاذبة.
رسالة بطرس
الثانية
كتبت هذه الرسالة في أوائل القرن الثاني فوضعـت تحت رعاية بطرس.
وهي تدعـو المسيحيّين إلى الإخلاص لدعـوتهم بالرغـم من المبشّرين الكاذبين ومن
إبطاء مجيء المسيح. نحفظ منها عـلى الأقل تفسيرها للتجلي (1/16-18) وتحـديدها لإلهام
الكـتب المقدّسة (1/20-21).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(168)
سنحاول، في كل مـرحلة، أنْ نعْـرض صـورة المسـيح: كما يراها
بولس، ثم مرقس، ثم لوقا...
هـذه محازفة، لأنّ مثل هـذه التلخيصات الوجيزة لا ينجـو من عـدم
الموضوعـيّة. لكنه يُشْعِـرْنا عـلى الأقـلّ بأنّنا لا نجد في العهـد الجـديد صـورة
واحدة للمسيح، فإنّ شخصيته أغـنى من أنْ تُرْسم بخط ملامحي واحد: وكل واحـد منا
يشعـر بها انطلاقًـا ممّا هـو وممّا يعـيشه. فكلّ مسـيحي في أيامنا وكلّ جماعة تعـكس
وجهًا ليسوع يختلف عـمّا يعـكسه غـيرهما. عـسى أنْ تساعـدنا جميع هذه الوجوه عـلى
التعـرّف قليلأ إلى ذاك الـذي يبقى لنا غـير منظور.
في حياة بولس " قبلاً " و " بعـدًا "، ودمشـق
هي محـطة انطلاق. "قبلاً "، كان بولس فـرّيسيًا يقاوم يسـوع ويطارد
تلاميذه. " بعـدًا"، كـرّس نفسه كليًا للذي استولى عـليه في الطريق. إنّ
بطرس ويوحنا والتلاميذ الأوّلين اكتشفوا ببطء شخصية معـلّمهم، ولم يأخذوا يشعـرون
بأنّ صديقهم هـو ابن الله إلاّ بعد الفصح والعـنصرة. فهم يشبهـون بعـض مسـيحيّي
أيامنا الذ ين: بعد أنْ عُـمّدوا عـند ولادتهم، يجب عـليهم أنْ يكتشـفوا من الداخل
ذلك الإيمان الذي حصلوا عـليه. أمّا بولس فهو شبيه بأولئك المهتدين الذين انقلبت أوضاع
حياتهم بين ليلة وضحاها.
ويختلف أيضًا بولس عـن الإنجيليّين بأنّه لم يكتب كتابًا يجـد الإنسـان
فـيه أين وصل تفكيره، بلّ حرّر رسـائل بحكم الظروف، ومن الممكن أنْ نلاحظ تطوّر
اكتشـافـه للمسـيح.
تمجيد الملعـون
إنّ الـذي كان يظـنّه ملعـونًا من الله، بعـد أنْ حكمـت عـليه
السلطات الدينية والشريعة، تراءى له ممجدًا عـند الله. وهـو، كما رأينا، مصـدر فكـر
بولس اللاهوتي. وقد وضع بولس في مرتبة واحدة ترائى يسوح له وترائيّاته لتلاميذه،
فأصـبح، بفضل هـذا الترائى، رسـولاً مثلهم
( راجع عـناوين الرساثل حيث يكتب أنّه " رسـول بالدعـوة " و1 قور15/9 و9/1
غـل 1/1...).
من الراجح أن بولس لم يعـرف يسـوع مـدّة حـياته الأرضيّة، ولكنه
من أوّل مرة رآه رؤيته للقائم من ببن الأموات الممجد والربّ.
الربّ الآتى
يصـوّر بولس اختباره في طريقه إلى دمشـق بصورة نجلٍّ (غـل 1/16).
فكانت المرحلة الأولى من حياته كمسـيحيّ مرحلة الحميّة والإعـجاب اللذين شعـر بهما
ذلك المهتدي الذي استولى عـليه المسيح. وقـد وعى لحـياة المسـيح فيه ولجـدّة ذلك
العالم الذي دخـل فيه بالمعـموديّة، حتى لم يبقَ له إلاّ رغـبة واحدة: أن يأتي يوم
الربّ بسـرعة ويضع حـدًا للتاريخ. ولذلك فإنّ بولس بدأ خـدمته عائشًا وحاملاً المسـيحيّين
عـلى العـيش في انتظار محيء الربّ القريب.
المصلوب الـذي
يخلص
لكن مجيء الربّ قـد أبطأ، ولا بـُدّ من الاسـتمرار. لقد تقـدّم
بولس في اكتشاف الفكر اليونانيّ ورغـبته في الحكمـة البشرية (1 قور1/2). لا شـكّ
أنّه تأثر بفشله في آثينة (رسل 17) فأخذ يُركّز يومًا بعد يوم عـلى لاهـوت الصليب
الـذي كان قـد اهـمـله في بـدء أمـره: " إنّي لم أشـأ انْ اعـرف شـيئًا، وأنا
بينكم، غـير يسـوع المسيح، بل يسـوع المسـيح المصلوب" (1 قور 2/2). وازداد وعـيًا
لفشل الشريعة، وتيقّـن من عـدم وجـود البِـرّ الآتي من الشـريعة ومن كلّ ما نعـمله:
فنحن ننال الخلاص بالنعـمة وبالانضمام بلا قيد ولا شرط إلى المسـيح بالإيمان والمعـمودية.
وآدم الجـديد هـو الإنسان الأوّل الثاني لعالمٍ جـديدٍ.
وفي رسائله إلى أهـل قورونتس وفـيليبّي وغلاطية ورومة، يُبَيّن مـا
هي، عـمليًا، الحياة اليوميّة مع المسـيح، وفي المسيح، وما معـنى الخلاص بالصليب.
ربّ العالم
والتاريخ
إنّ تفكير بولس طوال اربع سنوات في السجن، وتأمّله في الكتب المقدّسة،
ولاسيما في النصوص الحكمية، وازمة أهـل قولوسي، قـد حملته عـلى الاعـتراف للمسيح
بمكانه الحقيقي في العالم. فـليس هو مخلص جماعـته فقط، بلّ إنّه ربّ التاريخ وصـورة
الله غـير المنظور وبكـر كلّ خليقة وخالق الكون، والذي به وله خُـلق كل شيء. إنّه
الذي شاء الله انْ يجمع فيه كلّ شيء. إنه ربّ لمجد الآب.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(169)
إنّ طريقة العيش المسيحية، أو ما يسـمّونه الأخلاقيّة، لا تظهر
في العهد الجديد بمظهر وصايا وتحريمات. فـمن خلال الرسائل والأناجيل، نشعر بوجود
تعـليم مشترك: باتحادنا بيسوع عـن طريق الإيمان والمعـمودية: نصبح كائـنًا جديدًا.
فلا بُـدّ لنا أنْ نعـيش بعـد اليـوم بناءً عـلى ذلك، أي أنْ نقـتدي بالآب الذي أصـبحنا
أبناءه بابنه، وننقاد للروح القـدس. وإن عـشنا هكذا حـياتنا اليوميّة نؤدّي لله عـبادة
روحـيّة.
تعـليم مسـيحي
مبني عـلى المعـمـوديّة
يبدو أنّ المعـمودية قـد رافقها، في وقت مبكر، تعـليم مسيحي وارشـادات
توسّعـت في انعكاساتها عـلى الحياة اليومية. فإننا نجـد، في مؤلفات مخـتلفة وفي إطار
عـماديّ واحد، رسمًا بيانيًا واحدًا يتناول المواضيع نفسها.
إنْ كان لديك متسّع مـن
الوقـت. فإقـرأ 1 بط 2/10 حيث نـرى الكاتب يصوّر لنا المعـموديّة كولادة جديدة ( الآية
2). وهؤلاء المواليد يُـبْـنَون عـلى المسيح الحجر الحي فيصبحون جماعة ويستطيعون
بعـد ذلك أنْ يؤدوا لله عبادة روحيّة (الآية5). ثمّ يتوسّع الكاتب في بعض وجوه هذه
العـبادة التي تقوم عـلى حسن السيرة بين الوثنيين (الآية 11): الموقـف تجاه
السلطات (2/13-67) وموقـف العـبيـد تجاه سـادتهم (2/18-25) والنساء تجاه ازواجهم
والرجال تجاه زوجاتهم (3/1-7) والإخوة في الجماعة (3/8-12)...
ونرى يعـقوب يلخّص التعـليم نفسـه: ولادة جـديدة (يع 1/17-18) والانعكاسات
عـلى الحياة اليوميّة (1/26-27).
ويذكّـر بولس أهـل قولوسي بأنّ المعـمودية مـوت وحـياة مع المسـيح
( قول 2/20 و3/1 ) ويواصل قوله: عـيشـوا إذًا بناءً عـلى ذلك (3/5). يقـول هذا
بصورة عامّة أوّلاً (3/5-17) ثمّ يطّـبقه عـلى كلّ فـثة مـن فـئات المؤمنين (3/18-4/1).
وفي الرسالة إلى أهـل أفسـس، يذكّـرهم بولس بالمعـمودية ( أف 5/4)
ويواصل كلامه عـلى طريقة السلوك (5/15) ويتوسّـع في المواضـيع نفسـها (5/12-6/9).
وإن لم يكن لديك إلاّ قليل
من الوقـت، فيُمكنك أنْ تكتفي بقـراءة 1 بط 2/1-5 وروم 12/1-2. في روم 6، ذكّـر
بولس بتعـليمـه في المعـمودية، ثمّ بيّن في روم 7- 8 كيف يعـش المسيحي منتعـشًا
بالروح القدس. وفي روم 12 يتوسّـع في الانعكاسات العـملية: فالعـبادة الحقيقية
التي يجب تأديتها لله هي تقدمة أنفسـنا، هى الحياة اليوميّة إنْ عشـناها بطريقة معـيّنة
وفي روح معـيّن. وأمّا بقـيّة الفصل الثاني عـشر، ففيها رسم للخـطوط العـريضة لما
يجـب أنْ يكـون السـلوك المسيحيّ الصـحيح.
مقاييس
السـلوك المسـيحي
في نظر المسـيحي، لم يعـدْ هـناك من شـريعة. فليس عـليه إلاّ أنْ
ينقاد للروح القدس ويعيش كمن اتّحـد بالمسيح، مقتديًا بالآب.
الروح القدس " شـريعة" المسيحى. كان إرميا قـد
أنبأ بأنّ الله سيقطـع عـهدًا جـديدًا فيضع الشريعة فى أعـماق قلب كل مؤمن (إر 31/31-
34) وكان حـزقيال قد أطـلق عـلى هذه "الشريعة " اسـمها: الروح (حز
36/26-27). يتناول بولس هـذا التعـليم ويتوسّـع فيه: ولاسـيّما فى رسـالته إلى أهل
غـلاطية: لقـد حرّركم المسيح، فانقادوا للروح! ( راجع غـل 5 ولاسـيّما 5/1 و13 و18
و22-25).
الحياة في المسيح. تقوم الأخلاقـية المسـيحيّة
عـلى العـيش وفـقًا للكـائـن الجديد الذي أصبحناه حين أصـبحـنا بالمسيح عـن طـريق
الإيمان والمعـمودية. كونوا ما أصبحتموه: عـلى هذ ا النحو يمكننا أنْ نلخّص الفكرة
التي يُكـرّرها بولس بوجـوه كثيرة. يمكـننا انْ نكتشـف ذلك انطلاقا من كثير من النصوص.
ولكننا سنقتصر عـلى الرسالة إلى أهـل قورونتس.
نستطيع أنْ نقول إنّ بولس يبتكر الأخـلاقـيّة المسـيحية في عـلاقـاتـه
مع أهل قورونتس. لقد انضم أولئك الـوثنيون إلى المـسـيح بحماس. ولكن الإنسـان لا
ينتقل بين ليلة وضحاها من نمط حياتيّ معروف ( " سار سيرة أهـل قورونتس » ) إلى
الحياة فى المسـيح. سيحاول بولس معهم أنْ يعـرف أيّ تغـيير
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(170)
لابُـدّ أنْ
تدخله هـذه الحياة الجديدة عـلى سلوكهم. فلا يقول لهم: يجـب عـليكم... يُحَرّم عـليكم...
بلّ يذكّـرهم: ماذا أصبحتم بإيمانكم؟ ماذا ينتج عـن ذلك؟ وهكـذا فإنّ رسالته سـلسـلة
قـضايـا عـملية.
إقـرأ بعـض النصوص وانظر
ما هي القضية العـملية المطـروحة واعـرف إلى ماذا يستند بولس لبناء اخـلاقـيته.
منازعـات محـلّيّة ( 1 قور 1/10– 4/21). يتّخـذ
المسـيحيّون معـلّمـين ويجعـلون الواحد ضدّ الآخـر (1/11-12). إلى ماذا يسـتند
بولس لإحـلال الوحدة؟ راجح 1/13 و3/16-17.
مسـيحي قليل الذوق يساكن امرأة أبيه (5). إلى ماذا
يستند بولس؟ راجع روم 5/7-8.
مسيحـيون يجرّون بعـضهم بعـضًا إلى المحاكم (6/1-11). إلى
ماذا يستند بولس؟ راجع 6/11.
مسيحـيون يعـدّون أنفسـهم فـوق الأخـلاقـية (6/12-20)! إلى
ماذا يستند بولس ليذكّـر بالشعـور المسـيحي بالجسد؟ راجع 6/15 و19-20.
هـل المسـيحي محكوم عـليه بالأنعـزال عـن العالم (8-10)؟ وراء
مسـألة الأكـل من لحم ذبائح الأوثان يسـتتر موضـوع حالى حامٍ: ما هي حال المسيحي
في العالم؟ في ذلك الزمان، كانت فضلات اللحوم المقـرّبة إلى الأوثان في المعابد تُـباع
في السـوق: فكان كل مسـيحي معـرّضًا للشـراء منها. فللتأكّـد من عـدم الوقـوع في هـذا
الخطأ، هـل يجب العـدول عـن أكـل اللحم أمّ أنْ يكون هـناك ملحمة مسيحية؟ أمحكوم عـلى
المسـيحيّين أنْ يعـيشـوا في مكان معزول وأن ينشئوا مؤسـسات مسيحيّة ( من النقابة إلى
المدرسـة )؟ في نظر بولس، المـبدأ الوحـيد هـو المحبة (8/1-3): " كلّ ما خـلق
الله حسن، إذا تناوله الإنسـان وهـو شـاكر" (1 طيم4/4-5). فالمسـيحيّ حـرّ إذًا
في اكل تلك اللحوم، وفي الاسـتفادة من تلك المؤسسات. إلاّ أنّ هـناك شـيئًا فـوق
الحق، وه،و المحبـّة. فإنْ كان عـملنا حجـر عثرة لأخينا، فالامتناع أفضل (1قور 8/9-13).
مثـل الآب. بما أننا نتّحـد بيسـوع عـن طـريق الإيمان
والمعـمودية، وبما أنّ الروح يجعل منّا أبناء الله (روم 8/15-16) فالقاعـدة
الوحيدة هي أنْ نكون قـدّيسين كما أنّ الآب قدّوس. يشدّد متّى عـلى ذلك في " تعـليمه
المسـيحي " الذي يضعه عـلى لسان يسـوع – العـظة عـلى الجـبل.
يُمْكـنك أنْ تقـرأ العـظة
عـلى الجـبل ( متّى 5-7) واضعًـا خطـًا تحـت كلمة " الآب ". أي معـنى يُضْفي
ذلك عـلى جميع هـذه " الشـرائع "؟
إقـرأ مثل العـبد القليل الشفقة (متى 18/23-25). كيف يجـب عـلى التلميذ
أنْ يكون سلوكه باقـتدائه بالمولى ( الله )؟ أن يغـفـر الإنسـان لأنّه يعـرف أنّه
مغـفور له، هـذا هو موقف المسيحي الأساسـيّ.
في حكم النعـمة
" لم تعـودوا في حكم الشـريعة، بلّ في حكم النعـمة "، هـذا
ما يكـرّره بولس (روم 6/14... ). سأل المولى: " أفما كان يجـب
عـليك أنت أيضًا انْ ترحم صـاحبك كما رحمـتك أنا؟ " (متى 18/33). ذلك
هو أسـاس الأخلاقـية في نظر المسيحيّين الأوّلين.
ليس المطلوب أنْ " يعـمل" الإنسان شـيئًا، وأنْ يستحـق
خلاصـه، بلّ أنْ " يناله" في الحمد والشكر (راجع الصفحة 160 التبرير بالإيمان
). ولأنّ الإنسان يعرف أنّه محـبوب مجانًا ومغـفور له، فإنّه يثسعـر بالحاجة إلى
محـبّة الله وإلى محـبّة الآخرين والمغـفرة لهم، وليشركهم في ما ناله. لا يمارس الإنسـان
الاخـلاقـية لأنّه مسـيحي، بلّ لأنّـه إنسـان، ولا يعـمل " أعـمالاً "
للحـصـول عـلى خلاصه، لأنّه موهـوب له مجّانًـا. إنّ ما نعـمله، أيّ " أعـمالنا
"، لا يشـبه باقة الزهر التى يقدّمها ولد لإمه لتأذن له في اللعـب مع صـديقه،
بلّ يشـبه باقة الزهر التي يقدّمها لها في عـيد الأمهـات، لانّه يعرف أنّه محبوب
ويريد انْ يعـبّر عـن ذلك. ليس الوجه المسـيحي للأخلاقـية أوّلاً في ما يعـمله الإنسـان،
بلّ في المعـنى الذي يعـطيه لما يعـمله: فالزوجة التى تكوي قميص زوجها ليست أقل أو
اكثر إتقانًا لهذا العـمل من الكـوّاءة المحترفة، ولكن القميص عـندها قميص زوجها...
إن المسـيحيّ، وهـو معـجب بكونه محـبوبًا إلى حـدّ بعـيد ومغـفورًا
له مجّـانًـا ومنتعـشًا في يسوع بالروح، يرغـب أنْ يكون مثل أبيه السـماوي وأنْ
ينقل إلى جميع الناس الفـرح الذي يناله منه تعالى.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(171)
يُنْسب عادةً إلى مرقس فضل ابتكار هذا الفن الأدبيّ الجديد، أي
الإجيل. أعـلن يسوع الإنجـيل، أي البشرى بأنّ ملكوت الله آتٍ بفضله. وكتب مرقس
كتابًا يعرض فيه البشرى الخاصّـة بيسوع. فالمبشَّر، أي يسوع، أصبح المبشَر به،
وأقواله وأعـماله هي التي أُعْـلنت الآن كبُشرى، كإنجيل. والعـنوان الذي أطلق عـلى
هـذا ا النوع من المؤلفات، ابتداء من القرن الثاني، لا يخلو من المعـنى: الإنجـيل بحسب
مرقس، بحسب لوقا... أعـلن يسوع إنجيلاً واحدًا، والإنجليون عـرضوا حياة يسوع كما
شعـروا بها، بحسـب ما اكتشـفـوه. فهم يؤدّون شهادتهم.
أجل، لم يبتكر مرقس كل شئ، فقد حُرّر قبله كـثير من أقوال يسـوع
وأعـماله، شـفهـيًا أوّلاً، ثمّ خطيًا. كانت هـناك عدّة مجموعات: مجمـوعة أقوال
ورواية للآلام، من القـبض عـلى يسوع إلى دفنه، ومقاطع غـيرها ولا شـكّ ( راجع الصفحة
129 ). ومـرقس هو أوّل من وضـع كتابًا جمعها فيه، ففرض أنْ تُحاط حـياة يسـوع بإطـار
جغرافى وزمني، وهذا الإطار قد تبنّاه بعدئذ متّى ولوقـا ( لا يوحـنّا ). إنّـه
إطـار عـملىّ، ولكنه، كما سنراه، من النوع اللاهوتيّ أكـثر منه من النوع
التاريخىّ. فإنّ مـرقس لا يدّعـي استعادة الأحداث بدقـتها الحـرفـيّة، بلّ يعـرض
نظـرة معـيّنة إلى حياة يسوع كما رآها هو والجماعة التي هو لسـان حـالها.
جماعة مرقس
يسـلّم عادة بأنّ إنجـيل مـرقس كُـتب فى حـوالى السـنة 70
وبأنّـه تناول تبشـير بطـرس. فمـنذ السـنة 110 تقـريبًا، كـتب المطـران بابياس: "
هـذا ما اعـتاد الشـيخ أنْ يقـول: أنّ مرقس، الـذى سـبق له أنْ كان ترجمـان بطرس: كتب
بدقـّة، لا بترتيب كلّ ما ذكـره من أقـوال الـربّ وأعـماله. فإنّه لم يسمع هـو الربّ
ولا تبعه، ولكنه، كما قلت، تبع بطرس فـيما بعد، وكان بطرس يُلْقي الارشادات بحسـب
الحاجات ولكن دون أنْ يرتّب أقوال الرب".
فالأدلة التى نلاحظها في مؤلّفه تطابق هذا التقليد. كانت جماعـته
مؤلّفة مـن مسيحيّين جاؤوا من الوثنيّة: فكان لا بُدّ لمرقس أنْ يُتَرجم الألفاظ الآراميّة
وأنْ يشرح بعض العادات اليهـوديّة. لا تخفى عـلى أحد الأهـمّيّة المعـلّقة عـلى
تبشير الوثنيّين، ولا عـجب أنْ نجد أجمل شـهادة إيمان عـلى لسـان قائد المئة الرومـانيّ عـند قـدم الصليب.
كانت هذه الجماعة معـرّضة للاضطهادات. فالإيمان الذي يعـرضـه
مرقس ليس بإيمان في غـاية الراحة، فقد كان هـدفًـا للمعارضات فكان يُجْبَر عـلى
المخاطرة. كل ذلك يطابق ما نعـرفه عن كنيسة رومة عـلى عهـد نيرون. وقـد استشـهـد
بطرس في السنة 64.
فـوضح جماعة مرقس وضع جماعـة " مشـتّـتة بين الأممّ "،
كما ورد في رسـالة بطـرس.
المـؤلّـف
مـن المؤكّد تقريبّا أنّه الشاب يوحنا مرقس الذي ورد ذكره في أعـمال
الرسل (12/12). رافق برنابا عـمّه وبولس في رحلتهما الرسوليّة، ولكنه فارقهما عـند
إبحارهـما إلى آسية الصغـرى وفضّل الرجوع إلى بيته ( رسل 3/5 و13)! وقـد رفـض بولس أنْ يرافـقهـما في الرحلة الرسـوليّة
الثانية، فكان السـبب فى إفـتراق بولس وبرنابـا ( رسل 15/36ت ). ولا شـكّ أنّ بولس
عـاد فصـالحه، إذ أننا نجـد مرقس إلى جانب بولس مـدّة سـجـنه (قـول 4/10). هـذا
وأنّ بطـرس يُشـير فى رسـالته إلى أنّ مـرقس " ابنه" معـه فى رومـة (1بط
5/13).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(172)
قـراءة إجماليّة
من الأناجيل كثيرًا ما لا نعرف إلاّ بعض المقاطع المتفـرّقة.
ولذلك فأنت مدعـوّ قـبل كلّ شيء إلى قراءتها قراءة متواصلة ( قراة ة إنجيل مرقس
تستغـرق سـاعة واحدة فقط ). ولا شكّ أنّك سـتُدْهَـش من الاهتمـام الذي تثيره عـندك
هـذه القراءة.
إنْ كان لديك متّسع من الوقت، فخذ إنجيل مرقس وإقرأه لمُجَرّد التمتّع
به. وفي الآخر، لخّص انطباعاتك: ما أعـجـبك وما أدهـشك وما اكتشفـته... وإن استرعى
انتباهك وجـه من الوجوه ( الألقاب المطلقة عـلى يسـوع ونظـرات يسـوع... )، يُمكنك
عـندئذ أنْ تُعِـيد القـراءة مهـتمًـا بهـذا الموضـوع.
وإنْ لم يكن لديك مـن الوقـت إلاّ القليل وأردت أنْ تقوم بـ
" زيارة موجّهة"، فإليك بعـض المعالم.
الجغـرافيـة
أحاط مرقس حياة يسوع بإطارٍ بسيطٍ جدًا. فبعد أنْ اعـتمد يسوع
في الأردن (1/1-13). أخذ يُبَشّـر في الجليل (1/14– 9/50)، ثمّ صعـد إلى أورشليم (10)
وبشّر ومات في أورشليم (11/1-16/8). وفى الخـتام، نرى ملاك القـيامة يُخْـبِر
بالتجـمّع في الجليل (16/7).
فالجليل عـند مـرقس عـكس أورشليم.
كان جليل الأمم أو الوثنيّين، كما كانوا
يقولون في ذلك الزمان، قد عرف اجتياحات كثيرة، ولم يكن الإيمان فيه صافيًا في نظر
المسؤولين الدينيّين. لم يكن ممكنًا أنْ يخرج منه شيء صالح، ولاسيّمـا نبيّ ( راجع
يو1/46 و7/52). ولكن أشعـيا (8/23) كان قد
أنبأ بأنّ الله سيتجـلّى في الجليل للوثنيّين: فكان إذًا رمز رجاء وانفتاح. والحال
أنّ فيه وُلد يسوع وعـاش وبشّر، واسـتقـبلته الجمـوع بحماس. كانت تلك المنطقة منفتحة،
ومنهـا ذهـب يسـوع إلى الوثنيّين، إلى صـور وصـيدا (7/24 و31).
وأمّا أورشليم فإنّها تظهر
بالعـكس بمظهر المدينة المنغـلقة عـلى نفسها وملجأ التقليديّي التفكير الواثقين بحقـيقتهم
وغـير الراضين بأن تكون مثار نزاع. فمنذ بدء تبشير يسوع في الجليل، أتته من أورشـليم
أرهـب التهجـمات (3/22).
لم تكن بحيرة طبرية هي أيضًا حيادية: فضفّـتها الغـربيّة يهـوديّة
وضفّتها الشرقيّة وثنيّة. فكان يسـوح يقود تلاميذ بـدون انقطاع إلى الضـفّة الوثنيّة،
فيُعِـدّهم هكذا إلى رسـالة سـيصعـب عليهم فهـمها.
سـرّ يسـوع
منذ الكلمات الأولى، يُدخل مرقس القارئ في السرّ: بشارة يسوع
المسيح ابن الله. وإلى جانب اسـمه يسوع: الذي يحدّد وضعه كإنسان، يُظهر لقبان:
المسيح وابن الله. فـيوحنا المعـمدان يُعْـلن أنّه يسبق المشيح، والآب يُعْـلن
ليسوع بأنّه ابنه (1/1-13). فالقارئ مطلع، ولكنه مدعـوّ، ابتداء من تلك الساعة، إلى
أنْ يكتشـف من جـديد وببطء مع التلاميذ سـرّ يسـوع. ويتمّ هـذا عـلى مرحـلتين.
في قسم أوّل (6/14– 8/26)، يُعْـلن يسوع مجئ ملكوت الله القريب
ويدلّ عـلى علاماته: المعجزات. ولكنّه يرفض أنْ يقول من هو، ويَنْهِى الشياطين عن
إفشاء سرّه، فهناك سـرّ سُمّي " السرّ المشـيحيّ ". واللقب الوحـيد الذي
يطـلقه يسـوع عـلى نفسـه هـو لقب ابن الإنسان، وهو لقب خفيّ.
يبتدئ القسم الثاني (8/27-16/8) بإعـلان بطرس:" أنت المسيح"!
يُخَيّل إلينا أنّ يسوع أخذ يتنفّس: فقد شعـر تلاميذه بشيء من سرّه، وهذه مرحلة
أولى قد تخطـّوها. ولكنه قلق في الوقت ذاته، لأنه يخشى أنْ يُخطئ تلاميذه أيضًا في
هـويّة المسيح ويروا فيه المُحَرّر الذي سـيقيم مملكة إسرائيل بقوة السلاح. ولذلك
نراه يُنْهِى بطرس عن إذاعة اكتشافه ويقود تلاميذه إلى المرحلة الثانية: عـلى ابن
الإنسان أنْ يتألّم ويُقـْتل!
وفي سلسلة من المناظرات في أورشليم (11-13)، صرف يسـوع عن أذهانهم
لقـبًا آخر، لا يخلو هو أيضًا من الخطورة، لقب ابن داود. فنتج عن ذلك تصلّب في
مقاومة المسؤولين الدينيّين ليسوع. نحن هنا في قلب المأساة. فقد كان هؤلاء
المسؤولون ينتظرون المسيح وكانوا طبعـًا أكـثر الناس أهـليّة ليعـرفـوه متى ظهر. ولكنهم
كوّنوا لأنفـسـهم فكـرة واضحة، فكرتهم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(173)
والحـال أنّ يسـوع يُعَـرّف نفسـه كالمشـيح، ولكنه لا يوافـق فكرتهم.
وقـد اشـتدّ التناقض بين هذين التصوّرين حتى وَجَبَ أنْ يموت أحد: أو أنْ يموت المسؤولون
عن الفكرة التي كوّنوها لأنفسهم فيقبلوا هذا المشـيح المُحَيّر، أو أن يتشبّثوا
بفكرتهم وأنْ يموت يسوع! وفي مشهد المحاكمة المأسوي أمام المجلس. كان يسوع عالمًا
بأنّهم سـيحكمـون عـليه بالموت وبأنّه لم يَعُدْ يخشى أنْ يعدّوه مشيحًا زمنيًا.
فصـرّح بوضـوح بأنّه المسـيح. فحُكِم عـليه بالمـوت.
ولكنّ وثنيًا حلّ محلّ اليهـود عـند قدم الصليب واعـترف بأنّ
يسوع هو ابن الله. يدلّنا يسوع المحكوم عـليه وقائد المئة أمام جثمان المصلوب عـلى
الطريق الذي لا بُدّ من سلوكه ليصدّق الاعـتراف بالإيمان المسـيحيّ.
ومن خلال تلك المأسـاة، لا يزال مرقس يطرح عـلينا هذا السؤال: إنّ
يسوع محيّر! فهل أنتم مستعـدّون أنْ تمـوتوا عـن الفكرة التى كوّنتمـوها لأنفسكم فى
شأنه، لتقـبلوه كما هـو...؟.
يُمْكنك، في أثناء القراءة،
أنْ تضع خطوطأ متنوعة الألوان تحت الألقاب المطلقة عـلى يسوع والأشخاص الذين يعـترفـون
به...
مأساة إنسانـيّة
أمام يسوع لا يبقى أحد غـير منحاز. فحالَ ما يظهر يسوع، تتكوّن
المجموعات المصادقة والمعادية وتتساءل. ومـن أوّل يوم، اختار يسـوع تلاميذ، ولاسيّما
الرسل، ليكونوا معه: كانت هذه مجموعة أولى، ولكن عدم التفهم قد يوتر أحيانًا هذه الرفاقة.
قليلأ ما نرى عائلة يسوع، ولكنّها معادية بالأحرى. والجمع حاضر دائمًا، ويسوع يحبّه
ويضع تلاميذه في خدمته، لكن هذا الجمع متقلّب. والأعداء يأتون من أورشليم. وهـم
ظاهـرون مـنذ البدء ولا ينـزعـون السـلاح.
يُمكنك أنّ تخصّ كل مجموعة
بلون من الألوان وترى كيف تتلاقى المجموعات وتتجابه... وكيف يمكن الانتقال مـن حـزب
إلى حـزب. في هـذه القراءة : يمكن تمييز ست مراحل.
- 1/14 - 3/6: كل مجموعة من المجموعات تحـدّد وضعها.
- 3/7 – 6/6: تمّـت القطيعة
بين يسوع وخصومه وقرابته. يسوع يُخرج التلاميذ مـن الجمع ويعـلّمهم عـلى انفراد (
أمثال ومعجزات ).
- 6/6- 8/26: ارتسـم انقسام بين يسـوع و تـلامـيذه، فهم
لا يفهـمـون معـنى رسالته ورسالتهم. ويسوع يوفدهم إلى الرسالة ويُظهر لهم أنّ مـائدته
مفتوحة للجميع ( تكثير الأرغـفة ) ويضعهم في خدمة الجميع، ويذهب بهم إلى الضفة الوثنيّة
للبحيرة. أمّا هم فإنّهم يبقون صُـمًا وعُـميانًا، وهذا ما ترمز إليه معـجزتان.
- 8/27 – 10/52: لا يفهم التلاميذ إلى أيّ
طريق مؤلم يذهـب بهم يسـوع ( راجع 10/32).
- 11/1 – 13/37: في أورشـليم، يُجابه يسوع
خصومه ( مثل الكرّامين ). وقصة التينة التي يبست ترمز إلى وضعهم.
- 14/1 - 16/8: يُعِدّ يسوع تلاميذه إلى المأساة: ولكن عـبثًا.
فيموت وحيدًا. غـير أنّ ملاك القـيامة يسيّرهم: ولن يروا القائم مـن بين الأموات
إلاّ عـند وصولهم إلى " الجليل ": أيّ إلى أقصى العالم والتاريخ، حيث سـبقهم
يسـوع إليه. وأمّـا الخاتمة، فـقـد أضـيفـت في وقـتٍ لاحـق.
|
بعض ملامح انجيل مرقس إنشاء مرقس شـعـبيّ، فهو كـثيرًا ما يسـتبدل " و "
و " من ساعـته " بروابط النسق، وفي بعض جمَـله شيء مـن الركاكة. فيكتب،
عـلى سـبيل المثل: " فأخـذ الأعـمى يُبصر وقال: أبصر الناس، فكأنهم أشجارًا
أراها تمشـي " (8/24). ويسـتعـمل كلمات كانـوا يعـدّونها سوقـيّة. ولا يتردّد
أمام التكرارات... مرقس راوية رائعـة. يحتوي إنجيله عـلى قـليل من الخُطب. ورواياته
واقعـيّة دائمًا ومزخرفة بصُـوَر مأخوذة عـلى طبيعـتها. والافعال في صـيغـة
الحاضر في أغـلب الأحيان، ولكنّه يخلط صيغ الفعل. وهناك عدد من " فإنّ
" يعود إلى منطق يحيّرنا ( ... " فإنّهـا كانت ابنة اثنتي عـشـرة سنة "
في ختام رواية إحياء ابنة يائير 5/42). وهـويُؤثـّر، لا بتحريك المشاعـر، بلّ
بالأحـرى برواية جافة للوقائع. وهـذا ما نلمسه خاصّة في رواية الآلام... سُمّي إنجيل مرقس " انجيل ما قبل الفصح "، فهو يساعـدنا
عـلى اكتشاف يسوع بعـيني بطرس السائر وراء يسـوع عـلى طرق فلسـطين. ولكنّ مرقس
هو لاهوتيّ عـميق أيضًا. وهو يجدّد قراءة حياة يسـوع في ضوء الفصح. |
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(174)
بعـض النصوص من إنجـيل مرقس
قـمنا بقراءة إجمالية لإنجيل مرقس. أمّا الآن، فسنقرأ بعض
النصوص. لا يُمكنك أنْ تدرسها جميعها: فلا بُـدّ من الاختيار!
العـنوان: 1/1
يعلن مرقس الإيمان المسيحي في جملة مقتضبة، ويكشف أيضًا عـن
المراحل التي مرّ بها (وسـيمرّ بها ) التلاميذأ للوصول إلى هذا الإيمان. وفي هذا
العـنوان، كما في فاتحة إنجيل يوحنا وفي روايات الطفولة عـند متى ولوقا، دليل عـلى
العـمـق اللاهوتيّ الذي بلغـه المسيحيّون بعـد الفصح بأربعـين سنة.
بـدء. رسالة يسوع افتتاح شيء جديد في التاريخ. بلّ خلق
جـديد (هذه أول كلمة لسفر التكون )، وبـدء يفتتح كامل زمن تاريخـنا. هـذه مهـمّة
يجـب القـيام بها!
بشارة. هذه البشارة أو البشرى إحالة إلى الإعلان الوارد
ذكره في أشـعـيا الثاني ( راجع الجزء الأول، الصفحة 67 ). قارن بين بشارة مـرقس هـذه
وبشارة يسوع (مر 1/14-15). فالفـرق المذكور في الصفحة 171 واضح كعين الشمس: كان
يسوع يبشر بمجيء ملكوت الله، وأمّا مرقس فإنّه يبشـر بيسـوع. فالمبشـر أصبح المُبَشّـر
به! ومجيء ملكـوت الله جـزء لا يتجـزأ من شخص يسوع.
يسوع. يوحي مُجرّد هذا الاسم بالمظهر الإنسانيّ الذي يتّسم
به " النجار" ابن مريم وأخو يعـقوب ويوسـى ويهـوذا وسـمعـان " والـذي
تُعـرف اخـواته أيضًا ( مر 6/3). إنه انسـان، بلّ مخـتلف تمامـًا...
المسيح. يسوع هـو المشـيح الـذي أنبأت به الكُـتب
المقدّسـة، والـذي مسحه الله وولاّه مهـمّة
إقامة ملكـوته. رأينا كـيف أنّ يسـوع فى إنجيل مرقس يحذّر من هذا اللقب ويُنهـى عن
اطـلاقه عـليه ( " السرّ المشيحي "). أعـلنه بطرس في قيصرية، ولكنّ يسـوع
أجـبره عـلى السكـوت وأنبأ بآلامه (8/29-30) وهـو لا يوافـق عـلى هـذا اللقب إلاّ
عـند الحكم عـليه (14/61-62).
ابن الله. كان هذا اللقب، في أيّام يسوع، يعادل لقب "
ابن داود ". ولكـنّه اتّخـذ شـيئًا فشـيئًا، بعـد العـنصـرة، المعـنى القوى
الذى نعـرفه اليوم. وتمّ إعـلانه عـلى لسـان الوثنىّ الـذى كان واقـفـًا إلى جانب
الصـليب.
اعـتمـاد يسـوع:
1/9ـ11
كلمة واحدة تشير الى الاعـتمـاد ( يذكره متى ولوقا في جملة
معترضة، وأمّا يوحنا فلا يذكره ). والأمـر الجوهـريّ هـو تجـلّي الله بالأعـمال
والأقـوال.
انفتاح السموات. هذا موضوع من مواضيع الرؤى. فالسماء "مُغـلقة
" منذ أن انقرض جيل الأنبياء. والروح لم يعد ينزل لهداية الشعـب: فالتاريخ
مسدود. ولكنهم كانوا ينتظرون انفتاح السموات في آخر الأزمنة ( راجح النص المحاط
بإطار). وحين يستعـمل مرقس كلمة " انشقّ "، فلا شـكّ أنّه يرى فيها
جوابا عن نداء أشعـيا (63-64). إقرأ هذا النصّ ولاسيّما 63/10– 13 و19. كيف ترى أنّ
هـذا النصّ يلقي ضوءًا عـلى مشهـد الاعتماد؟.
لا تزال رمزية الحمامة غامضة. في هوشع 11/11 وفي سـفـر عزرا
الرابع ( وهو مؤلف أدرج ردحًا من الزمن في الكتاب المقدس اللاتيني ) يشبّه الشعـب
بالحمامة. فإذا صحّ ذلك، يكون المعـنى أنّ نزول الروح عـلى يسـوع تأسيس لشعـب الله
الجـديد.
يجمع الصوت بين عدّة نصوص: " ابني
" (مز 2)، و" الحبيب " ( تك 22/2و12و66: ذبيحة إسحق ). (هذه هي
المرّة الوحيدة التى تضاف فيها كلمة " الحبيب " إلى " الابن "
في العهد القديم ) و " رضي عن " ( أش 62/4 و42/1 الذي يذكـره متى في 12/17).
ما هو المعـنى الذي تتخذه الكلمة في هـذا الضوء؟.
يبدو أننا أمام. اختبار انفرد به يسوع: فالمقصود هو تنصيب يسوع
مشيحًا، وربّما مشيحًا مصيره الذبيحة كإسحق.
|
"ستنفتح السموات، ومن هـيكل المجد ينزل التقديس عـلى
الكاهـن الجديد، في صوت أبوي كصوت ابراهيم لإسحق. مجـد العـليّ يتد فق عـليه روح
الفطـنة والتقديس يسـتقرّ عـليه " ( وصية لاوي 18/6-8). " حينئذ يرتفـع رجل مـن ذرّيتي، كشمـس عدل، سائـرًا مع
بني البشر في رفق وعـدل. ولن توجد فيه خطيئة. وسـتنفتح السموات عـليه لتفيض
الروح. وسيفـيض عـليك روح النعـمة وفيه تصبح ابنا في الحق " (وصية يهـوذا 24/1-6). تنتمي وصيّة لاوي ووصيّة يهـوذا إلى مجمـوعة رؤى معـروفة باسـم
وصايا الآباء الاثني عـشـر. لا شـكّ أنّها سـبقـت المسـيحـيّة ولكنهـا نُقـّحَـتْ
عـن يـدّ بعـض المسـيحيّين. |
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(175)
خمس مناظـرات: 2/1ـ3/6
إنّ هذه
المجموعة من المناظرات الخمس بين يسوع وخصومه تساعـدنا عـلى التعرّف إلى الفن
الأدبيّ " المناظرة " ( راجع الصفحة 134). سندرس مناظرتين منها.
شفاء مقعـد: 2/1 ـ 12
إهـتد إلى
الممثلين: ماذا يفعـلون؟ ماذا يقـولـون.
هذه
الرواية غـريبة: لم يكن المقعد ينتظر ذلك الكلام (الآية 5). الرواية مؤلّفة من "
تركيب " رواية معجـزة ومناظـرة: حاول أن تمـيّز بينهـما.
المعجزة (3/5 و11-12). إهـتد إلى مختلف العـناصـر ( راجع الصفحة 134). من رجل
مضّجع ومُساعَـد يجعل يسـوع رجلاً واقفًا ومسؤولا عن نفسه. كيف يمكن أنْ يعـني هذا
مجيء ملكوت الله؟ ما هو ردّ فعل الجمع؟ فعل " قام " وفعل " قام من
بين الأموات " هما فعل واحد في اليونانيّة: فمساعـدة المسـيحي للآخرين عـلى
الوقوف يمكن أنْ تكـون في نظـره طـريقة لتحـقـيق قـيامة يسـوع في أيامنا.
المناظـرة (5/10). الكتبة جالسـون
ومتربّعون في موقـفهم ( راجع الصفحتين 172 و173 ). يفكّرون منذ هذه الساعة ما سـيصرخون
به في الدعـوى (14/64): " إنه ليُجـدّف! ". والعبارة "غـفرت لك
خطاياك " تعـنى أنّ الله غـفـرها. لكن يسـوع لمّ يُظهـر بأقـلّ ما يكون أنّ غـفـران
الله مرتبط بعـمله هو يسوع. ويظهر بمظهر ابن الانسان الوارد ذكره في دانيال 7، الذي
أولاه الله كل سلطان ولا سيّما الدينونة، بحسـب التقـليد اليهـودي.
التركـيب. كيف ترى أنّ هذين الشفائين،
شفاء الجسد وشفاء القلب، يوضّح الواحد الآخر؟ ماذا يعـلّمنا هـذا عـن الخلاص الذي أتى
به يسـوع؟ أليس هـذه هي الكلمة التي ألقاها يسـوع (الآية 2)؟.
§ دعـوة لاوي: 2/13ـ 17
كتب مرقس:
كان يسـوع يُعَـلّم الجمـوع. لكن هـذا التعـليم سيُلقى هـنا أيضًـاا بالأعـمال خاصّة.
نقطة
انطلاق المناظـرة رواية دعوة إلى الانضمام إلى يسوع، وهـناك كثير من أمثالها في الإنجيل.
وهـذا النـوع من الروايـة يتضـمّـن عـادة ثلاثة عـناصر: نظـرة يسـوع – العـبارة
" اتبعـنى " – تلبية الدعـوة.
لاوى جـابى
ضـرائب، فكان يُعَـدّ، بهـذه الصـفـة، خاطـئًا. وأراد أنْ يحـتفـل بدعـوته فـأقـام
مـأدبـة: هـذه هى نقطـة انطـلاق المناظـرة، فإنّ يسـوع يُجالس الخاطـئين إلى
المـائـدة...
§ الصوم والعـريس: 2/18ـ22
تتّسـع
هذه المناظـرة بمثلين صـغـيرين، كما الأمر هو غالبًا في التعـليم. يصف مرقس يسوع
بالعـريس، بالشريك الإلهي للعهـد ( راجع الجزء الأوّل، الصفحتين 47 و61 ). ويحـلّ
خمر العـرس محلّ الصـوم.
§ سيد السبت: 2/23ـ 28
في هذه
المناظرة التقليدية، بما فيها من استشهاد بالكتاب المقدّس، يطرح يسوع مبدأ ثورويًا:
فالسبت - ووراءَ السبت كلّ مؤسـسة دينيّة وإنسـانيّة - في خدمة الإنسـان
شفاء يوم سبت: 3/1ـ6
1. وَدَخَلَ
ثانيَةً بَعـضَ المَجامِع وكانَ فيه رَجُـلٌ يَـدُه شَـلاَّء.
2. وكانوا
يُراقِـبونَه لِـيَرَوا هَـل يَشفـيهِ في السَّـبْت
ومُـرادُهم أَن يَشكوه.
3. فقالَ
لِلرَّجُلِ ذي اليَـدِ الشَّـلاَّء: " قـُمْ في وَسْـطِ الجمَاعة ".
4. ثُمَّ
قالَ لهم: " أَعَـمَلُ الخَـيرِ يَحِـلُّ في السَّـبتِ أَم عَـمَلُ الشَّـرّ؟
أَتَخـليصُ نَفْسٍ أَم قـَتْلُها؟ "
فظَـلُّـوا صامِتين.
5. فأَجالَ
طَـرْفَه فيهِم مُغـضَباً مُغـتَمّـاً لِقَـساوةِ قـُلوبِهم،
ثُمَّ قالَ لِلرَّجُل: " اُمـدُدْ يـَدَك
". فمَـدَّها
فعادَت يَـدُه صَحيحَة.
6. فخَـرَجَ
الفِـرِّيسـيُّونَ وتآمَـروا عـلَيه لِوَقْـتِهم معَ الهِـيرودُسِـيِّينَ
لِيُهلِكوه.
ابحث عن
الممثلين: يسوع / الخصوم، والمريض مُجرّد عِـبرَة. لاحظ التوافقات المُعَـبّر عـنها
بترتيب النصّ. المجمع هـو مكان الشـريعة، فالمسـؤولون الدينيّون هتم فـيه كفي بيتهم.
§
يسـوع يدخل في البدء، وهـم يخـرجـون في النهاية.
تتناول
هذه المجابهة الرئيسية معـنى الشريعة: الخصوم منغـلقون عـلى فكرتهم ( سوف يُوبّخ
التلاميذ عـلى هذه القساوة: 6/52 و 8/17). المُطـلق في نظر يسوع ليس هـو ممارسة إحدى
الشرائع، بل الإنسـان. من هو المنتصر في هذه المجابهة؟ لكن عـبارة " ليهلكوه "،
تخلق تشويقًا لا ينتهي إلاّ بالآلام ( فى مـا يتعـلق بكلمة " يشكونه "،
راجع 15/3-4). ويُظهـر الله، حـين يقـيم يسـوع من بين الأمـوات. أنّـه حقـًا سـيّد
الشـريعـة.
أىّ معـنى
يُعـطى لهـذا النصّ فى أيّامـنا؟.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(176)
أعـمى أريحا: 10/46 ـ 52
من هم
الممثلون وما هي أعـمالهم وأقوالهم؟ لاحظ التحوّل الذي تمّ من البداية إلى النهاية:
أعـمى - جالس – عـلى جانب - الطريق / أبصر - تبعه - في – الطـريق. ما هو هذا التحوّل
( هل هو "الطريق" نفسه ) وكيف تمّ؟.
ابحث عن
العـناصر المألوفة في رواية المعـجزات ( راجع الصفحة 134)، إنّ طلب تدخّـل يسوع (الآيات
47-50) طوله يتجاوز الحدّ. وليس هـناك مـن ردّ فعل في الختام. لا شـكّ أنّ هـذه
الرواية قد اسـتخدمـت لغـير مُجـرّد رواية معجـزة.
انظر إلى
الإطار السابق: 10/32-34: التلاميذ سائرون في الطـريق إلى أورشليم: ما هو هذا الطـريق؟
وهل التلاميذ يرونه؟ 10/35-45: أليس يعـقوب ويوحنا أعـميين؟ لاحظ التقارب بين هذه
الرواية والرواية التابعـة ( السؤال نفـسـه في الآيتين 36 و51 ).
انظر إلى
الإطار اللاحق 11/1ت: وصـلوا إلى أورشليم. يُحَيّا يسوع كابن داود (الآية 10).
ولكن هـل الجمع ينظر بوضـوح إلى هـذا اللقب الذي سـيكون موضـوع نقاش فى مـر 11-13؟.
ما معنى هـذه
الرواية في حد ذاتها فى نظرلك؟ وفي إطـار إنجـيل مـرقس؟.
نصل هـنا إلى
نقطة تحـوّل في إنجيل مرقس. لا يخفى عـلى يسـوع إلى أين يؤدّي به طـريقه إلى أورشـليم:
فـقـد أنبأ به التلامـيذ ثـلاث مـرّات (8/31-33 و9/30-32 و10/32-34). لكـنّهم
يخـافـون ولا يبصرون. وأمّـا عـدم تفهّـم يعـقـوب ويوحنا فإنّـه واضح، فهم يخطـئون
في هـويّـة المشيح! والمعـجزة: في نظـر
مرقس، هي ما بذله يسـوع مـن جهـود ليفـتح عـيون تلاميذه. لقد أصـبح برطيماوس مثال
المـؤمن الحقيقي، فهـو قـد " أبصر " لا بعـيني الجسد فـقط: وتبع يسوع في
ذلك " الطريق " الـذي هـو طـريق لاهـوتىّ أكـثر من أنْ يكون طـريقًا جغـرافيًا:
أيّ الصعـود نحـو الصليب. وإلى طلبه " أنْ أبْصر "، يُجـيب يسـوع، لا بـ
" أبصِـر " كما في إنجـيل لوقـا (لو 18/42) بلّ بـ "إذهب "! فإيمانه
هـو الذي ساعـده عـلى إتّباع يســوع.
ومن أجـل
ذلك فـقـد فعـل ما لم يَقـوَ الرجل الغـني عـلى فعـله (10/17-31): ترك كل شئ. فمع إنّه
لم يـزلْ أعـمى ( جسـديًا )، فـقـد ألقى عـنه رداءه، كلّ ما يملكه. ووثب وجاء إلى
يسـوع (الآية 50).
في نظـر
الناس، ليس يسـوع إلاّ الناصـري (الآية 47)، وأمّـا في نظـر الأعـمى، فإنّه ابن
داود، لا كما كان يحـلم به يعـقوب ويوحنا، بلّ كما يعـرّف يسوع نفسه: المشـيح
المتألّم.
القـبر المفتوح: 16/1 ـ 8
هـذه
خاتمة الإنجـيل، وأمّـا الآيات 9-20 فـقـد أضـيفت فى وقـت لاحـق.
حاول أنْ
تضع في عـمودين التناقضات المذكورة أو الملمّح إليها: الزمان: إنقـضاء السبت ( الزمان
الدينيّ )، يوم الأحد ( الزمان الدنيويّ )، الظلام / النور، الصباح – المكان: مُغـلق
/ مفتوح، هـنا (أورشليم ) / الجليل – الأعـمال: طـيّب جثمانًا / سـمع بلاغًا –
الممثّـلون: جثمان في العـتمة، مضجّع، عـريان / شـابٌ، أبيض، جالس إلى اليمـين،
لابس... بماذا توحي إليك هذه التناقضات؟ ما هو التحوّل الذي تم من البداية إلى النهاية؟
عـن يـدّ مـَنْ تمّ؟.
كانت هذه
الرواية خاتمة لإنجيل مرقس: فلا يحتاج الإنسـان أنْ " يرى " يسوع لكي
يؤمن بقيامـته: بلّ يكفي أنْ يصدّق الله الـذي يثبت الأمر.
جاءت
النساء ليطيّبن جثمانًا، فرجعـن ببلاغ. أتين ليُغـلقـن يسوع في الموت، فـوجب عـليهن
أنْ يبشرنْ بأنّه حيّ. لم يعد يسوع جسدًا يُـلمَس، بلّ أصبح كلمة يجب إعـلانها.
وإحدى الطرق التى يبقى بها حاضرًا في التاريخ هي التبشير. إنّه الآن جالس عن يمين الله،
كما تُشير إلى ذلك جلسة الشاب. ولن "يراه " التلاميذ إلاّ عـند وصولهم إلى
الجليل ( حيث سبقهم )، أيّ إلى أقصى العالم ونهاية التاريخ (راجع: الجغرافية،
الصفحة 172 ). يقول لنا متّى: قيامة يسـوع هي آخر الأزمنة - فلقد تمّ كلّ شيء. أمّـا
مرقـس فإنّـه يُشـدّد عـلى الوجه الآخـر: كـلّ شيء قـيد العـمل.
إنْ كنت قـد
وضـعـت التناقضات في عـمودَين، فقد رأيت أنّ كلّ ما ينتمي إلى العالم القديم ( الظلام
والجثمان والسبت والزمن اليهـوديّ والقبر المُغـلق عـلى أمـواته... ) قد أبعد، وتـمّ
الدخـول في عالم جـديد: هـذا بدء خلق جديد (راجع مر1/1 ).
|
نصـوص أخـرى دُرسـت مـر 1/29 – 31 حماة بطرس الصفحة 130 4/35
– 41 تسكين
العا صفة
180
12/1
– 11 الكرامون
القتلة
205 14/22 – 25 الإفخارستيا 217 |
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(177)
لا شـكّ
أنْ قد وجدت، في وقت مبكر، رواية آلام يسوع، تبدأ باعـتقاله وتنتهى بدفنه. الإنجيليون
الأربعة يتناولون هـذه الرواية، ولكن كلاً منهم يُضْفي عـليها طابعـه الخاصّ.
يوجّه مرقس
كلامه إلى غـير مؤمنين أو إلى شبه مؤمنين، ومراده أنْ يحـملهم انْ يُعْـلنوا، مع
الوثني عـند قـدم الصليب: يسـوع ابن الله حقًا!
إنّـه
يروي الوقائع دون تكلّف، فكأنّه يحاول أنْ يَصْـدِمـنا. فنحن نشعـر معـه ما أشـدّ
تحقيق قصد الله تحييرًا للإنسان. الصليب حجـر عـثرة. ومع ذلك ففيه يتجـلّى ابن الله!.
ولصمـت
يسوع أثناء آلامه وقع بعـيد. كان يسوع عالمًا بأنّ الناس غلاظ الذهـن أمام سرّه وأنهم
قد يسيئون فهمه. ولذلك فقد رفض طـيلة القـيام برسالته أنْ يقول مـن هو. أمّـا الآن
وقد حُكِم عـليه ولم يعد هـناك خطر لأنّ تُفسّر ألقابه كرغـبة في القدرة، فقد رضي
بشيء من رفع الستار، بعد اعـتقاله. وبالرغـم من الإلحاح عـليه بالأسـئلة، لم يفتح
فمه إلأ ثلاث مرات: أمام عـظيم الكهنة صرّح بأنّه المسيح وابن الإنسان، وأمـام بيلاطس
اعـترف بأنّه ملك اليهـود، وعـلى الصليب ردّد شـكوى العـبد المتألّم الوارد ذكره
في أشعـيا، حاملأ عـلى عاتقه عـذاب العالم وقلقه: " يا رب، لماذا تركتني؟
".
تنكشف عـزلة
يسوع في كل مـرارتهـا في إنجيل مرقس: إنّه يتقدّم وحـيدًا في ظلام الصليب، بعد أنّ
هـجـره الجميع وأنكـره بطرس. ولا يستطـيع التلمـيذ أنْ يعـلنه ابن الله إلاّ إذا قـبل
أنْ يتبعـه إلى هـنا.
وبالتآمـر عـلى يسوع (14/1-2) يبلغ النزاع بينه
وبين عـظماء الكهنة ذروته: فمنذ ذلك الوقت تمّ الحكم عـلى يسوع بالموت. ويسوع يعرف
ذلك. ففي أثناء الطعام عـند سـمعان (14/3-9)، أفاضت إمـرأة طـيبًا عـلى رأسـه ورأى
يسـوع في ذلك احتفالأ بدفنه. فـبكلّ وعـي وإدراك دخـل يسـوع في آلإمـه.
يسبق
رواية عـشاء الوداع (14/22-25) الإنباء بخيانة يهـوذا (14/17-21) ويليها الإنباء
بإنكار بطرس (14/ 26-31). كان يسوع مطـلعًا عـلى الأحداث إذًا، فهو الذي يقود
آلامه (14/10- 16). في أثناء العـشاء الأخير، قرب جسده ودمه في عوز تامٍ، عالمًا
بأنّه لا يتوقع من قِبَل الإنسان لا عـرفان جميل ولا إخلاصًا... وأمّـا رواية تأسـيس
الإفخارستيا، فإنها قـريبة جدًا من رواية متّى، وهي تردّد النصّ الطـقسـىّ الذي
كان مستعـملاً في كنائس فلسـطـين.
في بسـتـان الزيتون، نرى يسـوع قـلقًـا خائـر القـوى (14/32–42). بصفته
إنسـانًا، يخاف مـن المـوت. والاسـم الذي يرسـله إلى الله كنداء " يا أبتاه "
يُلقي ضـوءًا عـلى هـذا المشهد المأسـوي. وحين قُبض عـليه، تركه الجميع (14/43–52)،
حتى ذلك الشاب الذي حاول أنْ يتبعه، والذي هـرب عـريانًا. وهـذه الكلمة التي يختم
بها مرقس روايته تضعـنا في الأجواء، أي أنّ يسوع ينغـمس عـريانًا في آلامه.
والتلميذ الذي كان، عـند الاعـتمـاد، ينزل عـريانًا إلى البركة، يعلم بأنّ ذلك هو
أيضًا الطريق الذي يجـب أنْ يسـير عـليه.
وفي أثناء
الدعـوى اليهوديّة (14/53-64)، أعـلن يسـوع –
المـرّة الوحيدة في إنجيل مرقس - من هـو: المسـيح، ابن الإنسـان المجيد. ولكنّ الظواهـر
كانت تكذّب هذا القول: فالحرس يهـزأون به (14/ 65) وبطرس ينكره (14/66-72). ولكن يسـوع
يبقي صـامتًا.
وفي أثناء
الدعـوى الرومانيّة (15/21-41)، يعـترف يسـوع بأنّه ملك اليهود، فيُطالب عـظماء الكهـنة
بمـوته... وملكهم يُكلل بالشـوك (15/16-20)!
وفي مشهد الجلجلة (15/21-41) عودة إلى موضوع الدعـوى المزدوجة: يذكّـر
بلَقب ملك اليهود بين الذكر الأول والذكر الثاني للصليب (الآيات 5 2-27)، فيسخر عـظماء
الكهنة من إدّعـائه أنّه المسيح. ولكن يسوع لا يُظهر كيف أنّه مسيح وملك إلاّ بموته
مهجورًا مـن الجميع، حتى من الآب كما يبدو، وحاملاً عـلى عاتقه العذاب البشريّ كلّه،
عـلى مثال العـبد المتألّم. يدعـونا الوثنىّ إلى الاعـتراف بأنّه ابن الله.
أمّـا رواية الدفـن فهـى رواية هـادئـة (15/42-47).
تـؤدّى ليسـوع المـراسـم الأخـيرة، وتصـبح ليلة الـدفـن ليلـة الانتظـار.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(178)
إنسـان
إنّ يسوع
إنجيل مرقس هو يسوع كل يوم وإنسان مثلنا. يُخيّل إلينا أنّنا نكتشفه يومًا بعد يوم
بعـيني بطرس. طوال سـنتين مـن الحياة المشتركة، رآه بطرس يعـيش عـلى طرق فلسطين
واستقبله في بيته في كفرناحوم ورآه يأكـل
وينام ويتكلّم ويصلّي. بل رآه مُغـضبًا في المجمع أو في الهيكل، ساخطًا عـلى أحد
البُرص أو عـلى تلاميذه، مشـفـقـًا عـلى الجميع، متعـجّـبًا مـن أنّهم لم يؤمنوا
به في الناصرة. شـاركه حياة المُبَشّر الجوّال المُنهـكة، التى لم تترك له في بعض
الأحيان وقتًا لتناول الطعام. رآه ينام مـن شدّة تعـبه فـى وسـط العـاصـفة...
تأثـّر بطرس
بنظر يسوع، بنظر الغـضب والسؤال والمحبّة، وأثار سرّ يسوع فضوله، كما في تلك
الليلة التى قضاها يسـوع عـنده والتي رآه فيما ينهـض قـبل الفـجر ليصلّي في مكان مـقـفر
(1/35).
لم يتردّد
مرقـس في رواية بعض المشاهد التى كانت تدهـش سامعـيه وقد اعتادوا أنْ يروا في يسوع
ابن الله: فيسوع لا يعـلم بكلّ شئ، ويجهل بماذا يتكلّم تلاميذه فـوجب عـليه أنْ
يسألهم عن ذلك (9/16و 33)، ويجهل في أيّ يوم تنتهي الأزمنة (14/33 ) ويرتعـب أمام
الموت (14/33) ويموت يائسًا (15/34). كان مُحـيّرًا حتى أن اقاربه لم يؤمنوا به: "
إنه ضائع الرشد " (3/21).
" إنسان مع " ـــ إنسان منعـزل
إنّ يسوع
في إنجيل مرقس هو، قـبل كلّ شيء، يسوع مـع تلاميذه. كان عـمله الأوّل أنْ دعـاهم،
ثمّ اختار مـنهم إثني عـشـر ليكونوا معه. حاول خصومه أنْ يدمّـروا هذا الفـريق
بالتهـجّم عـلى يسوع لدى تلامـيذه وبالتهـجّم عـلى التلامـيذ لـدى يسـوع (2/18-27).
وأعـدّ يسـوع هـؤلاء التلامـيذ لرسالتهم المستقبلة بوضـعـه إياهم فى خـدمة
الجمـيع، فى خـدمـة تتقـدّم عـلى الراحة وتناول الطعام (6/13ت)، وبالذهـاب بهم إلى
الوثنيّين...
ولذلك
فإنّ عُـزلة يسـوع تبـدو أشـدّ مأسـويّة. إنّـه لم يتوصّـل إلى إشـعـار رفـاقـه
بسـرّه، فهم غـلاظ الـذهـن (6/52 و8/17) يشـكّـون وقـد تركـوه وانكـروه سـاعـة
اعـتقـاله...
المعـلّم
أخـذ
يسـوع، فـورًا بعـد اعـتماده، يُعـلن فـيقـول: " لقـد اقـترب ملكـوت
الله" ! إنّ يسـوع فى نظـر مـرقـس، هـو الـذى يُعـلّم الجمـع ( عـشـرين مـرّة
تقـريبًا ). ولمّـا رأى الجمـوع التى تتبعـه إلى البـرّيّة وليس لها ما تأكـل،
أشـفـق عـليها وأخـذ يُعـلّمها، عـالمـًا بأنّ هـذا هـو جـوعـها الأهـمّ (6/34).
والحال أنّ
إنجيل مـرقس لا يتضمّن إلاّ خطـبًا قليلة! لعـلّه يريـد أنْ نفهـم أنّ يسوع يعـلّم
خاصة بطـريقة عـيشه وعـمله. فالمعـجـزات تحتلّ فى إنجـيل مــرقس مكانًا كبيرًا
نسبيًا، فهي تُبيّن بالأعـمال أنّ ملكـوت الله قـد اقـترب وأنّ يسـوع أقـوى مـن الشـر
(3/27).
المشـيح المصلوب
رفض يسـوع
أنْ يُعـلن الناس أنّه المشيح، وفرض السكوت عـلى الـذين اكتشفوه، سـواء كانوا مشفيّين
بمعجزة أمّ شياطين. هذا ما سـمّـوه " السـرّ المشيحي ". كان معـظم اليهود
ينتظرون من المشيح أنْ يُعـيد مملكـة
إسـرائيل الأرضـيّة. لم يرد يسوع أنْ يُخطئ الناس في هـويّة المشيح. إنّه المشـيح،
ولكن لا بهذا المعـنى. فلم يُطـلق عـلى نفـسه هذا اللقب إلاّ عـند زوال إمكانيّة الوقـوع
في هذا الخطأ، أيّ بعد أنّ حُكِمَ عـليه بالموت: فبالعذاب والمـوت يُنشئ ملكوتًا
روحيًا. وحاول أنْ يذهب بتلاميذه في هذا الطـريق (8/34-38).
ابن الإنسان
أكـثر
الألقاب ورودًا (14 مرّة ) هو لقب ابن الإنسـان. لعـلّ يسـوع يُفضّله لأنّه يكشف
عن سـرّه مع حَجبه. فالعـبارة في حدّ ذاتها تعـنى الإنسان، لا أكثر، ولكنها، إذا أحيلت
إلى رؤيا دانيال 7 ( راجع الجزء الأوّل، الصفحة 91 )، اتّخـذت معـنىً قـويًا جـدًا
لكائن إلهي أوْلاه الله الدينونة.
ابن الله
هـذا
اللقب نادر، ولكنه يـبدو ذروة الإيمان التي يرغـب مرقس فى رفـع سـامعـه إليها.
يقول هـذا منذ البـدء (1/1)، وقـائـد المـئة يُعـلنه عـند قـدمـى الصليب (15/39)،
مردّدًا صوت الآب عـند الاعـتماد والتجـلّى.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(179)
" حان
الوقت واقترب ملكوت. فـتوبوا وآمـنوا بالبشـارة" (1/15). يضعـنا نداء يسـوع هـذا
فورًا بعـد اعـتماده في أجـواء إعـلان البشـارة: فبمـناسـبة خـدمـته الرسـوليّة،
يأتي ملكـوت الله.
ملكـوت الله
في زمن
كانت فيه الملكيّة النظام السياسيّ الشامل، كان من الطبيعي أن يستعـمل إسرائيل
كلمة " ملك"، للدلالة عـلى قدرة إلههه، فكان الله في نظره الملك الأوْحد،
إذ أنّ الملك الأرضي لم يكن إلاّ قائمًا مقامه. وسـيتطوّر هذا الاعـتقاد، حين
يختبر إسرائـيل فـشل الملكية الأرضية. وفي أثناء الجلاء إلى بابل، أنبأ أشعـيا
الثاني بأنّ الله سيتجـلّى أخيرًا كملك ( راجح الجزء الأول، الصفحة 67 ).
هذا وأنّ
المشيحية قد أغـنت هذا الانتظار عـلى مرّ القرون. كانوا يعـتقدون بأنّ الله سيُنشئ
ملكوته بواسطة مشيحه. وكان هذا المشيح يتّسم في أغـلب الأحيان بصورة ابن داود
وراعي إسرائـيل (2صم7 و حز34 و زك9-14 ومز 2 - راجح الجزء الاول ، الصفحات 42 و66
و86 و103). أمّا الرؤى، بما فيها من صورة ابن الإنسان الوارد ذكرها في دانيال 7،
فقد أتت بمـركّبة أخرى، وهي أنّ ذلك الملكوت ملكوت شامل وأنّه يأتي في آخـر
الأزمنة.
كانوا
ينسبون وظـيفتين رثيسـيّتين إلى الملك. وكم بالأحرى إلى الله الملك:
· عـليه أنْ
يؤمّـن الحرّيّة لشعـبه. فهـو قائـد حـرب يسـحـق أعـداءه. وهـذه الفكرة سـتغـذّي،
في أيام المسيح، رجاء بعض المجموعـات اليهوديّة: فإنّ الله، إذا ما أنشأ ملكوته، سـيُحرّر
إسرائـيل مـن الاحتلال الروماني ( راجع لو 24/21). من الأمـور الممـيّزة أنّ يسـوع
لا يتناول في كلامه هـذا الوجه.
· عـلى
الملك الحقيقي أنْ يُحِلّ العدل في الشعـب، فإنّه قـبل كلّ شئ، ملك المساكين
والمظلومين والذين لا صوت لهم. وأشـعـيا الثاني يُعْـلن هذه البشرى:" سيملك
الله! فطوبى للمساكين والمرضـى والمظلومين، فقد انتهى بؤسهم بعد اليوم! ".
وهذه البشرى نفسها يُعْـلنها يسوع، ويُتمّم ذلك بأعـماله وأقـواله. في المرحلة
التالية، سنستمع إلى أقواله: ولا سيّما التطويبات. أمّـا الآن ، فسننظر إلى أعـماله:
المعـجـزات.
يسـوع يعـلن ملكـوت الله
يمكنك أنْ
تبتدئ فـترى أيّة بشـرى ( لو3/18) أعـلنها يوحنا المعـمدان ( مر1/2-8 ومتى 3/1-12 ولو
3/1-18) وكيف أوجـز الإنجيليّون تبشير يسـوع ( مر 1/14- 15 ومتى 4/17 ولو 4/16-21).
سـؤال يوحـنا المعـمدان
أنبأ
يوحنا المعـمدان بمجيء المشـيح لينشـئ ملكوت الله ويُطهّر شعـبه ويُهـلك الخاطئين.
واعـتقد بأنّ يسوع هو ذلك المشيح. والحال أنّ يسوع كان يستقبل الخاطئين ويرفض أنْ
يـُدين ويـترك سابقه يموت في السـجـن... ومن هـنا ارتياب يوحنا المعـمدان وسـؤاله.
إقـرأ لو 7/18-23 (= متى 11/2-6).
·
ماذا فعل يسوع قبل أنْ يُجيب (الآية 21)؟ راجع لوقا
أيضًا 7/11-17. بأيّة أقوال نبويّة استشهد يسـوع في جـوابه ( راجع حواشـي كتابك
المقـدّس ).
·
أي معـنى يُضفي ذلك عـلى معـجـزات يسـوع وعـلى
التطويبات " طـوبى للفقراء "؟.
هذا أمر
هام لفهم المعجزات خاصّة. إنّهـا أولاً في نظرنا وقائع خارقة، فنطرح هذا السؤال:
ماذا جرى؟ هل هو تاريخي؟ أمّـا في نظر يسوع وفـى نظر معـاصريه، فالمعجزات هي
علامات، لأنّها تُعَـبّر عن شيء ما وتتكلّم عن أحدٍ ما. إنّ تغـيير وجهة السؤال
أمر جـوهـريّ. إليك مثلأ عاديًا: هـناك أستاذ للعـلوم الطبيعـيّة يعرض زهرة عـلى
تلميذة من تلميذاته. السؤال هو طبعًا: ما هذا ؟ وهـناك فتى يقدّم هذه الزهرة
للفتاة نفسها. يصبح السؤال ما معـنى هذا؟ في الحالة الأولى، نهتمّ بحقيقة الشيء،
وفي الحالة الثانية، نهـتم برسالة الشئ، وتنتقل حقيقته إلى المرتبة الثانية. هـذا أمـر
هام وسنعـود إليه.
إنْ كان لديك
متّسع من الوقت، يُمكـنك أنْ تبحث، في الأناجيل، عن عـبارة " الملكوت " أو"
ملكوت الله "، أو أنْ ترى عـلى ماذا تتكلم الأمـثال فى متى 13.
سـندرس
رواية معـجـزة، معـجـزة تسكـين العـاصـفـة. وهـذا الأمـر يُسـاعـدك أنْ تـرى كـيف
يُركّـب هـذا النـوع من الروايـة وماذا يعـنى.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(180)
روايـة معـجـزة: تسكين العـاصفـة
|
متى 8/18-27 |
مـر 4/35-41 |
لـو
8/22-25 |
|
18. ورأى يسـوعُ جُمـوعـاً كَثيرَةً حَولَه. فأَمَرَ بِالعُـبورِ إِلى الشَّاطِئِ المُقابِل 19. فَدنا مِنْه كاتِبٌ وقالَ لَه:"يا مُعَـلِّم، أَتبَعُـكَ
حَيثُ تَمضي". 20. فقالَ لَه يسوع: " إِنَّ لِلثَّعالِبِ، َوجِـرة، ولِطُيورِ السَّماءِ أَوكاراً، وأَمَّا ابنُ الإِنسان فَلَيسَ لَه ما يَضَعُ عـلَيهِ رَأسَه". 21. وقالَ لَه آخَرُ مِنَ التَّلاميذ: " يا رَبّ، إِيذَنْ لي أَن أَمْضِيَ أَوَّلاً
فَأَدْفِنَ أَبي". 22. فقالَ لَه يسوع: " اِتْبَعْـني وَدَعِ المَوتى يَدفِنونَ مَوْتاهم. 23. وَرَكِبَ السَّفينةَ فَتَبِعَه تَلاميذُه. 24. وإِذا البَحرُ قَدِ اضطَرَبَ اضْطِراباً شَديداً حتى كادَتِ الأَمْواجُ تَغـمُرُ السَّفينَة. وأَمَّا هوَ فكانَ نائماً. |
35. وقالَ لَهم في ذلكَ اليومِ نفسِه عـندَ
المساء " لِنَعـبُرْ إِلى الشَّاطِئِ
المُقابِل". 36. فتَركوا الجَمعَ وساروا به وهُـو في السَّفينة، وكانَ معَهُ سُفُنٌ أُخرى. 37. فعَـصَفَتْ رِيحٌ شَديدة وأَخَذَتِ الأَمواجُ تَندَفِعُ عـلى السَّفينة حتَّى كادَت تَمتَلِئ. 38. وكانَ هُو في مُؤخَّرِها نائماً على الوِسادَة، |
22. وفي أَحَدِ الأَيَّام رَكِبَ سَفينَةً هووتَلاميذُه، فقالَ لَهم: " لِنَعْبُرْ إِلى شاطِئِ البُحَيرةِ المُقابِل". ( لو
9/57-58 ) ( لو 9/59-60
) فَأَقلَعـوا. 23. وبَينَما هُم سائِرونَ نامَ يَسـوع. فَهَبَّت على البُحَيرَةِ عاصِفَةٌ فكادَ الماءُ يَغـمُرُهم، وأَصبحوا عـلى خَطَر. |
|
25. فَدنَوا مِنه وأَيقَظوهُ وقالوا لَه: " يا رَبّ، نجِّنا، لَقَد هَلَكنا". 26. فقالَ لَهم: " مالَكم خائفين، يا قَليلي الإيمان؟ " |
فأَيقَظوه وقالوا له: " يا مُعَـلِّم، أَما تُبالي؟ أَنَّنا نَهلِك ؟". |
24. فدنَوا مِنه فأَيقَظوهُ وقالوا: " يا مُعَـلِّم ! يا مُعَـلِّم! لَقَد هَلَكْنا ". |
|
ثُمَّ قامَ فَزَجَرَ الرَّياحَ والبَحر، فَحَدَثَ هُـدوءٌ تامّ. 27. فتَعَجـَّبَ النَّاسُ وقالوا: " مَن هذا حتَّى تُطيعَه الرِّياحُ والبَحر؟". |
39. فاَستَيقَظَ وزَجَرَ الرِّيحَ وقالَ لِلبَحْر: " اُسْكُتْ ! اِخَرسْ!" سكنَتِ الرِّيحُ وحدَثَ هُدوءٌ تَامّ 40. ثُمَّ قالَ لَهم " ما لَكم خائفينَ هذا الخَوف ؟ أَإِلى الآنَ لا إِيمانَ لَكم ؟" 41. فخافوا خَوفاً شَديداً وقالَ بَعـضُهُم لِبَعْـض: " مَن تُرى هذا حتَّى تُطيعَه الرِّيحُ والبحر؟". |
فَاستَيقَظَ وزجَرَ الرِّيحَ والمَوج، فَسَكَنا وعادَ الهُدوء. 25. فقالَ لَهم: " أَينَ إِيمانُكُم ؟ " فخافوا وتعَجَّبوا، وقالَ بَعـضُهم لِبَعـض: " مَنْ تُرى هذا؟ حتَّى الرِّياحُ والأَمواجُ يَأمُرُها فتُطيعُه! "... |
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(181)
إقرأ هـذه
النصوص بانتباه وقارن بعـضها ببعـض، وضع تحت الكلمات خطوطًا متنوعة الألوان (راجع
الصفحة 130 ).
انظر إلى
ما عـند كلّ واحد مـنْ زيادة أو نقصان، وإلى الكلمات المختلفة، وإلى محلّ الآية 40
عـند مرقس بالنسـبة إلى متى....
تنصبّ
عادة رواية المعجزة في " قالب " مصنوع مسبقًا: ابحث عن النقاط الخمس
المذكورة في الصفحة 134. هـل الآية 40 من مـرقـس تدخل في هـذا " القالب "؟.
إقرأ كلاً
من الروايات. ولكي تحدّد موضعها في سياق النصّ: راجع النصوص الإزائيّة في الصفحة 131.
مرقـس: هل تجد فيه الملامح
المذكورة في الصفـحة 173؟ لماذا يزجـر يسوع العاصفة كأنّها شيطان؟ ( راجع اي 7/12 ورؤ
21/1). إنّ كلمة " خوف "، المستعـملة هنا لا ترد في العهد الجديد إلا أربع
مرّات: يو14/27 ( فعل ) و 2طيم 1/7 ( اسم ) ورؤ 21/8 ( صفة ). ما هو نوع الخوف
المقصود هنا؟ إلى أيّة ضفّةٍ من البحيرة ذهـبوا ( راجع الجغـرافية في الصفحة 172)؟
ها هو الحادث الـذي يلي هــذه الرواية في الأناجيل الثلاثة؟ هـل في هـذا ما يُـبرّر
خوف التلامـيذ وتمـرّد الشياطـين؟.
لماذا
يروي مرقس هـذه المعـجـزة؟ ما هـو المعـنى مـع الآية 40؟ وبـدون الآية 40؟.
لوقـا: ما الذي يهـمّه: السفينة أمّ
التلاميـذ ( راجع نهاية الآية 23)؟ ما هو الحادث الـذي وضعه قـبل ذلك؟.
متى: بأي شـيء ما أضافه من
الآيات يوجّه المعـنى ( " تبع " : الآيات 19 و21 و23 - و" تلاميذ":
الآية 21 )؟ من هـوالذي يهـمّـه ( راجع نهاية الآية 24)؟ إنّ كلمة " اضطراب "،
( حرفيًا: زلزال ) قد استُعْـملت مرّة في الأناجيل كعـلامة من عـلامات آخر الأزمنة
( مر13/8 ومتى 24/7 ولو 21/11). وقد اسـتعـملها أيضًا متى ( الاسم أو الفعل ) في
21/10 و 27/51 و54 و28/2 و4). ما هو المعـنى الـذي تضفيه هذه الكلمة عـلى الرواية
( راجع الصفحة 185 )؟ إنّ عـبارة " يا رب، نجّـنا!"، هي دعاء طقسي. وضع
متى الآية 28 في وسط الرواية: فالتـوبيخ موجّه إلى تلاميذ سبق أنْ آمـنوا، ولكن
بصورة غـير كافـية. إنّ " الناس " (الآية 27) يدّلون عادةً في إنجيل متّى
عـلى غـير المؤمنين (4/19 و5 / 13 و10/17 و10/32 ...). انطلاقًا من هذه الملاحظات،
ما هو المعـنى الـذي تعـطـيه لهـذه الرواية.
معـنى المعجـزة
سـبق لنا أنْ
قـلّنا إنّ المعجـزة عـلامة. ولكـن لمـن؟ إليـك مثلأ بسـيطًا: عـلى جانب الطريق
أرى لوحة مثلّـثة الزوايا كُتب عـليها " × ". إنْ كـنت أجهـل تمامًا
قانون السير، قـلت: " ما هذا؟ "، وإنْ كنت أعـرفه، فهـمتُ مـن هذه
العلامة: " إنتبه إلى مُـفـترق الطرق ". وكذلك فـقد يختلف ردّ فعل المؤمـن
وغـير المؤمـن أمـام الحـدث الواحـد. وتخـتلف روايـته في الحـالـتين.
فالأمـر
الخارق في نظـر غـير المـؤمـن هـو سـؤال: من هـو هـذا الرجـل القادر عـلى...؟.
أمّا
المؤمن - والمؤمن وحده - فالحدث في نظره هو معـجزة، أيّ إنه بلاغ وواقعة يكتشف فيهما
كلمة من الله موجّهة إليه.
يبدو أنّ
رواية العاصفة قد استُعـملت عـلى الوجهَـين، في الجماعـة القديمة، قـبل تحـرير
الأناجيل.
لنأخذ
رواية مرقس. إنْ قـرأناها بدون الآية
40، كنّا أمام نصّ يدخل تماما في " قالب " رواية معجزة. فهي موجّهة إلى
التلاميذ قـبل الفصح، اي قبل أنْ يكتشفـوا سرّ يسوع، ويمكن عـرضها عـلى غـير
المؤمنين . وهي تحملهم عـلى طـرح سؤال هـويّة يسـوع: " من هو...؟".
مع الآية
40 تصبح الرواية تعـليمًا مسيحيًا يُعْرَض عـلى المؤمنين، مع أنّهم يعـلمون من هو
يسوع! لماذا هـذا الخـوف؟ فأيـن إيمـانـكم؟.
قد يحمل
هذا الاسـتعـمال عـلى التوسّع في تعـليم حقيقي. فمتّى يوجّه كلامه إلى تلاميذ، إلى
أناس تبعوا يسوع عـلى السـفينة ( لم يعد هـناك إلاّ سفينة واحدة ). وهذه السفينة
المغـطاة بسبب اضطراب (زلزال ) البحـر – تدفـّق القـوّات الشـرّيرة في آخـر
الأزمنة – مهـدّدة بالغـريق. فالتلإميذ، في وسط هذه السفينة الكنيسة " يصلّون
ويقـولون: يا رب نجّـنا!" . فيُوبّخهم يسوع عـلى خوفهم، ذلك الخوف الرسولى من
الإقلاع نحو الوثنيّين، وقلة إيمانهم. عـندهم الإيمان، ولكنه غـير كافٍ. والناس هم
الذين يتساءلون الآن، أي غـير المؤمنين الذين يتساءلون عـلى مرّ التاريخ كيف تصمد
هذه السفينة الكنيسة في وسـط تدفـّق الشـرّ. لنستخلص بعـض النتائج.
المعـجزة
علامة. ما يهمّ معاصري يسوع ليس هو الواقعة نفسها - كانوا في ذلك الزمان يسلّمون
بإمكانية المعجزة بدون صعـوبة - بلّ معـناها: ما معـنى هذا؟ باسم من تفعل هذا؟
أباسم رئيس الشياطين، كا يدّعـي الخصوم ( متى 2/24)؟ يجيب يسـوع: " بروح الله
أعـمل، وهي العلامة بأن قد وافاكم ملكوت الله " ( متى 2/28).
فالسؤال
المهم ليس هو البحث " عـمّا جرى " ( يمكن القيام بهذا البحث، ولكنه
ثانوي، وإنْ لم نصل إلى نتيجة، فلا بأس ). بلّ بالأحرى البحث عـن المعـنى.
كثيرًا ما
توسّع الإنجيليّون في هـذا المعـنى مـن أجـل المؤمنين: وهـذا ما يجـب اكتشـافه قبل
كلّ شيء.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(182)
|
الإنسان العـصري والمعـجزة إنّ المعجزات تُزعـجنا. كان زمن: آمـن فيه الناس نظرًا إليها. أمّا
اليوم فالأولى أنْ نقول أنّنا نؤمن بالرغـم منها. ولكن قد يعود ذلك لكون الصورة
الي نتصوّرها عن المعجزات صورة خاطئة. لنعُـد إلى بعـض الأمور. المعجزة علامة. فعـمود الدلالة عـلى
جانب الطريق له حقيقة ( حديد أو أسمنت ) وشكل ( مدوّر أو مثلث الزوايا ). وقد
تختلف الحقيقة والشكل، ولا شـأن لذلك، لأنّ المهم هو البلاغ الذي يحمله العـمود:
الإعلام بوجود منعـطف أو مفترق طرق. والمعجزة لها كذلك حقيقة تاريخية، وهي واقعة
تخرق العادة فـتلفت النظر. ولكن المهم هـو بلاغـها وما تعـلن عـنه. ماذا تقـول؟ لا تكون المعجزة عـلامة إلأ
للمؤمن. ليست الهـديّة بين الأصدقاء " هـديّة " إلأ لأنهم
أصدقاء. وما يعـطيه مجهول في الشارع ليس هو عـلامة، بل سؤال. فلكي ترى، في أمر
ما، "معجزة"، فلا بدّ من أنْ تكون مـؤمنًا. إنّ مكتب لورد الطبّي، وهو
مؤلف من مؤمنين وغـير مؤمنين، يكتفى بهـذا التصريح: هذا الشفاء لا يعـلّله العـلم.
يستطيع المؤمن بعد ذلك، إنْ شاء، أنْ يرى فيه " معجزة ". ولذلك فلا بـدّ
أنْ يتمّ الحدث في إطار معيّن وأنْ يكون في صـلة بوقائع أخرى وبأقوال. إنّ لورد
هي قبل كل شيء مكان صلاة: وفى هـذا الإطار يمكن لبعـض الأشـفـية أنْ تتّخـذ معـنى.
فـمعـجـزات يسـوع ترتبط دائمـًا بتعـليمه. في نظـر غـير المؤمن،
المعجزة سؤال، لا " برهان ". إنْ كنت أجهل قانون السير، كانت لى
العلامة التى عـلى عـمـود الدلالة سـؤالاً، ولم أجد فائـدة في فحصها، بلّ وجب عـليّ
أنْ اسـتعـلم لدى مطـّلع. والمطـّلع يدلّني عـلى معـناها، وهـذا المعـنى هـو الـذي
أسـلّم به. وكذلك " فالواقعة غـير المعـلّلة قد تحمل غـير المؤمن عـلى طرح
هذا السؤال: ما هذا؟ وفي إمكان المؤمـن أنْ يُدلى إليه بتفسيره فيقول: هذه علامة
من قبل إلهى. وغـير المؤمن يرضى بهـذا التفسير فيصبح مـؤمنًا، أو يرفضه فيبحث عن
تعـليل آخر. فالمعـجـزة ليست " برهانًا "، والإنسان لا يهـتدي بسبب
المعـجـزة - إذ أنّ المعـجـزة مُجرّد مدخل إلى طرح السؤال -، بلّ بسـبب المعـنى
الذي يصل إليه عـن يـدّ المؤمنين. المعجزة عـلامة عائـدة إلى
زمن معيّن. قد تكون هناك وقائع " خارقة "، بالنسبة إلى زمن ما ولا
تعود تكون خارقة بالنسبة إلى زمن آخر. فالمكتب الطبّي في لورد يصرّح: هذا الشفاء
ليس له "حاليًا " تعـليل عـلمي. فـلربّما يُعْرَف هذا التعـليل في وقت
لاحق. لا بأس. لو كانت المعـجـزة برهانًا، لكان من عدم النزاهة عـند الله أنْ
يستغـلّ جهـلنا ليخدعـنا، كما لو شغّـل مُرسل إلى بلاد متخـلّفة مسجّلة ليبرهن أنْ
الله موجود. إنّ المعـجـزة علامة، أيًا كان السند: ونحن نلتزم بناءً عـلى تعـليم.
لا بناءً عـلى خارقـة. فلعـلّ بعـض معـجـزات يسـوع قد تُعـلّل في أيامنا. إنْ حاولنا أنْ نسـتعـمل " ما جرى "، نكون قد سـلكنا طـريقًا
خاطئًا. إليك هـذا المثل: إنْ أخبرني زنجي من أنصار الحياتية بأن الآلهة مغـضبون
فيقذفـون النار عـلى الجبل، أدلى إلىّ بتفسيره كمؤمن. ولكن ما هو الواقع؟ فإنْ
كنت أجهل تمامًا أمور هذا البلد، أعـلم بأن قد جرى أمر ما، ولكني أعـجـز عن معـرفة
هذا الأمر: فهل هو ثوران بركاني أمّ حريق غـابة أمّ عاصفة؟ كانت " المعـجـزة
" في أيّام المسيح أمرًا عاديًا، وكانت المعـابد العـجـائبية اليونانية،
كبرغامس وأبيدورس، بما فيها من نذور ومسـتشفيات، لا تقلّ أهـمّـيّة عـن لورد.
ولو لم يُجْرِ يسوع العجائب لما كان من رجال عـصره المتديّنين. وليس المهمّ في التحقق من تاريخيّة هذه أو تلك المعـجـزة، بلّ المهمّ
أنْ نرى ما يُمْكِن أنْ يكون اليوم " معـجـزة " في نظـر معاصرينا. لقد انتقل " الخارق " من مكانه القديم إلى مكان آخر. فلعـلّه
أصبح أقلّ انتمـاء إلى الحقل الماديّ – عـلّمنا العـلم أنّ الإنسان يستطيع ( سيستطيع؟
) تعـليل كلّ شيء - منه إلى الحـقل الروحي، كبادرة غـفران مثلاً. في عالم قاس وعـنيف،
في عالم الصراع للبقاء، أصبحت البادرة المجانية - وخاصّة بادرة الغـفـران - أمرّا
خارقًا ومن شأنه أنْ يحمل غـير المؤمـن عـلى طرح هذا السؤال: لماذا تفعل هــذا؟. من شـأن روايات المعجزات في الكتاب المقدّس أنْ تحملنا، لا عـلى طرح
هذا السؤال: " ماذا جرى"؟، بل عـلى طرح هـذا السؤال: " كيف يُمْكنني
اليوم أنْ أكون " معـجـزة " للذين أعيش معهم، أي عـلامة تحملهم عـلى طـرح
الأســئلة. كل شيء يصبح حبًا بين الزوجين. فلا بدّ للإقبال عـلى مطالعة الكتاب
المقدّس أنْ يساعـد المؤمن أنْ يكتشـف أنّ العـالم كلّه " معـجـزة "، أي
عـلامة لحــنان الله. |
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(183)
حين ينتقل
الإنسان من إنجيل مرقس إلى إنجيل متّى، يُخَيّل إليه أنّه ينتقل من منظر طبيعي إلى
منظر طبيعي آخر، كأنّه يجتاز ممرًا جبليًا فينفذ إلى وادٍ آخر. في أثناء درسـنا لإنجيل
مرقس، ربّما كنّا نتوهـم أحيانًا اكتشاف يسوع الناصري بعـيني بطرس. وأمّا الآن في
درسـنا لإنجيل متى. فلا نعـلم أبدًا هـل ئحن عـلى ضفّة بحيرة طبريا في السنة 70 أمّ
في كنيسـة مسيحيّة تقـيم الشعـائـر الدينيّة في السنوات 80. والأحرى أنّ متّى يضعـنا
في المكانَين في آنٍ واحدٍ. فهو يضع عـمدًا، على يسوع التاريخ، " الورق
الشفاف " الخاصّ بيسوع الذي يحيا في الكنيسة ( راجع الصفحة 133 ). وهكذا فإنّ
وجه يسوع الناصـريّ يتجلّى لنا مـن خلال الملامح المجيدة التي يمتاز بها يسوع القائم
مـن بين الأموات والذي تكرمه الكنيســة.
" الإنجيل الكنسـيّ "
هكذا سـمّي
هذا الإنجيل، وهو أكثـر الأناجيل تأثيرًا في الغرب. ينفرد باستعـمال كلمة " كنيسة
" (16/18 و18/17)، ويبدو حريصًا عـلى تنظيمها وعـلى الحياة الأخويّة، وعـلى
التعـليم المسـيحيّ الـذي يعـرضه خاصـّة في خمـس خطـب محكمـة البناء.
يجعلنا
نعيش في داخل كنيسـة تكرّم ربها بالطـقـوس. ويضـع عـلى تلاميذ يسوع، " الورق
الشفاف" الخاص بالمسـيحيّين الذين يسجـدون للقائم من بين الأموات ويرتلون
" نجّـنا يا رب " ( المعادلة لـ "ارحمنا يا رب " ) في وسـط
العاصفة... في داخـل كنيسـة معـرّضة للّهـث ولفقدان الإيمان (8/26)!
الكنيسة في إنجيل متّى
إنّ اوضاع
الجماعـات التى بشّـر فـيها مـتّى أثـّرت تأثـيرًا بعـيدًا فى شـهادتـه، وهناك ثلاثة
أوجه تظهر عـند قـراءة النصّ.
يبدو أنّ
تلك الجماعات كانت مـؤلّفة خاصّة مـن مسـيحيّين كانوا يهـودًا. إنهم متضلّعـون من
الكتاب المقدّس: فهناك اكـثر من 130 فـقرة يستشهد فيهـا متّى بالعهد القديم. لا
تزال الشريعة قاعدة حياة لهم. يقول يسـوع: " لم آت لأبطل الشـريعة، بل لأكمّـلها،
لأبلغ بها إلى غايتهـا وكمالها (5/17). إنّهم مطلعون تمامًا عـلى الطريقة التي كان
الربّانيّون يفسّرون بها الكتب المقدّسة. وبعض أسئلتهم ( في الصـوم والصدقة
والطلاق... ) هي أسئلة يهـودية مميّزة. وليس بطريقة الصدفة أنّ يسـوع يُصـوّر كموسى
الجديد.
كانت تلك
الجماعات في نزاع مع الدين اليهودي الرسمي، كما عاد الى الحياة في جَمْنِيا ( راجع
الصفحة ه 14 ). لقد تمّ طرد المسيحيّين من مجامعهم، كما ورد في متى. ولعلّ تهجّمات
يسـوع العـنيفة على الفرّيسيّين ( متى 23) ليست تهجّـمات يسـوع في السنوات 30 بقدر
ما هي تهجّمات يسـوع القائم من بين الأمـوات والعـائـش في جماعـته في السنوات 80
عـلى فـرّيسـيي جَمْـنِيا.
انفتحت تلك
الجماعـات للو ثنيّين. وأخذ أولئـك اليهود الذين أصبحوا مسيحيّين يُفكّـرون في الإنطلاقة
الإرسالية التى عـرفتها الكنيسة في اوّل عهدها، فاكتشفوا، باقتناعهم المسيحيّ، في أقوال
يسوع، رغـبته فـى إرسال تلاميذه إلى العالم بأسـره.
الكاتب
جاء في
تقليد يرقى إلى القرن الثاني ولا يمكن التحـقّـق منْه أنّ متّى. جابي كفرناحوم
والذي أصبح أحـد الإثـني عـشـر ( 9/9 )، كتب بالآرامـيّة أقوالاً مـن أقـوال يسـوع.
أمّـا كاتب
الإنجيل الحالى فهـو غـير معـروف، ولعـلّه قد اسـتوحى بما وضعـه متّى. كَتَبَ
باليونانية، في حـوالى السنين 80 -90 في جماعـات سـوريّة فلسطـينيّة، ربّمـا في أنطاكية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(184)
قـراءة إجـمـاليّـة
يحْسـن بك
أنْ تبتدئ بقـراءة إنجـيل مـتّى صفحـة بعـد صفحـة، كما فـعـلت فى شـأن إنجـيل
مـرقـس (الصفحة 172 ).
الجغـرافـيّة في إنجيل متى
يسـير متّى
عـلى الـرسم البيانيّ الذي وجدناه في مرقس، ولكنه لا يشـدّد مثله عـلى التناقض
الجليل / أورشـلـيم. فـالجـليل مـنطـقة هامّـة وله وجهان.
في أثنـاء
خدمة يسـوع الرسولية، يظهر الجليل كبلاد يهـودية كاد يسـوع لم يتجاوز حدودها. فإنْ
ذهب إلى صـور وصـيدا، ذكر مـتّى أنّ الكنعانيّة خـرجت من بلادها (15/21). لم يُبشّـر
يسـوع إلاّ اليهـود ونهى تلامـيذه عـن الذهـاب إلى الوثـنيّين والسـامريّين (10/5-6).
وبعد
القيامة، أصـبح الجليل، كما أنبأ أشعـيا (متى 4/14-16)، أرض الانفتاح للعالم. فـهناك
- لا في أورشليم – ظهـر يسـوع الممجّـد لتلاميذه وأرسـلهم يبشّـرون في العـالـم كلّه
(28/16-20).
ملكوت الله والكنيسـة
يفتتح يسـوع
ملكـوت الله ( راجع الصفحة 179 )، ولا تطابق بينه وبين الكنيسـة، ولكنها المكان
الممـيّز الـذى تظهـر فـيه فى هـذا العـالم. إنّ المـوضـوع الرئيسـىّ فى إنجـيل
مـتّى هـو ملكـوت الله وبـدء تحـقـيقه فى العـالم.
كـيف
يتوسّـع فـيه؟ سـنرى ذلك من خـلال بعـض العـناصـر الممـيّزة.
إنّ
روايـات الطفـولة (1-2) هى فى الواقـع تمهـيد لاهـوتىّ لبـاقى الإنجـيل.
عـبارة واحـدة (7/28 و11/1 و13/35 و19/1 و26/1) تختتم الخطب الكبرى الخمس التي ألّفها متّى، وهي تقسّم
الإنجيل إلى ستّ مجموعـات روائيّة: روايات أعـمـال يسوع وأقـواله.
ما هو الرابط بين هذه المجمـوعات والخـطـب؟ هـناك تضمـين أو تكرار الجمـلة نفسها
في المطـلع وفي الخـاتمة (4/23 و9/35) يـدلّ عـلى ذلك الرابط فيما يتعـلّـق
بالمجموعة الأولى: فإنّ يسوع يـذكـر في خـطـبة موضـوعًـا يحققه بعـدئذٍ بالأعـمال.
لا بأس من الإعـتقاد بأنّ هـذا التعاقـب يصـلح لسائر المجموعـات.
هناك فقرتان،
في بـدء (3-4) الإنجيل وفي وسـطه (16/13–
17/27)، تتشابهان وتلعـبان دورًا انتقاليًا. وهناك عـبارة واحدة، لا ترد إلاّ هـنا،
تمهّد إلى مرحلتين مـتتاليتين لخدمة يسوع الرسولية: " وبدأ يسوع من ذلك الحـين
ينادي فيقول: توبوا، قد اقـترب ملكوت السموات " (4/17) أو: " وبدأ يسوع
في ذلك الحين يُظهر لتلاميذه أنّه يجب عـليه أنْ ... يتألّم ". (16/21). في
الحالتين إعـلان للقب من ألقاب يسوع: الابن ( الصوت السماويّ ) أو المسيح ( بطرس )،
وفي الحالتين يُجَرّب يسوع: من قـبل الشيطان أو من قـبل بطرس الموصـوف بـ " بالشيطان
".
انطلاقًا
من هذه الملاحظات، يمكننا أنْ نتصوّر أنّ متّى يتوسّع في موضوعـه الملكوت / الكنيسة
عـلى الوجه التالى:
أولاً: يُعْـلن
يسوع للجميع محيء الملكوت ويفتتحه بأعـماله. ويُعِدْ تلاميذه إلى مـواصلة عـمله
بإيفادهم إلى الرسالة. في الواقع هو الذي ينطلق للتبشير. فلن يكون تلاميذه مستعـدّين
استعـدادًا حقيقيًا لرسالتهم إلا بعـد الفصح.
ثمّ ينصرف
يسوع إلى تنشئة تلاميذه. يعـلن بطرس أنّ يسوع هـوالمسيح، ولكنه يجَرّبه أيضًا! يعـطي
يسوع كنيسته قاعدة حياة، ثمّ يُبَشّر بمجيء الملكوت فيفتتحه بمـوته وقـيامته ويرسل
تلاميذه للتبشير به في العالم.
|
أشـدّ الأناجيل صـبغة يهـوديّة ·
لا ينقطع عن الاستشهاد بالكتب المقدسة: أكـثر من
130 مرّة منها 43 شاهـدة صريحة، و11 منها تبدأ بالعـبارة: " حدث ذلك ليتمّ مـا
قال الرب بلسـان النبي...". متى ربّاني بارع، فهـو يجمع أحيانّا بفـنّ دقيق
بين بضع فقرات ليصوغ الشاهـدة التي توافقه: مثلاً زك 11/12 وأر 18/2 ليفسّر موت يهـوذا، أو زك
9/9 واش 62/16 ليضفي معـنى مشـيحيًا عـلى دخول يسوع إلى أورشليم (26/1-19). ·
طـريقته في التعـبير طـريقة يهـوديّة. يتكلّم عـلى
ملكوت " السمـوات "، لا عـلى ملكوت " الله". لأنّ اليهـود
لا يتلفّـظـون بالاسم الإلهيّ. يحـبّ التكرار ولا سيّما التضمين أيّ تكرار العـبارة
نفسها في مطلع التوسـيع وفي خاتمـته (5/3 و1 و6/25-34...). يسـتعـمل التوازي (16/25
و7/24-27...). يحَـبّذ المجمـوعات العـدديّة، سواءٌ أكانت رمـزيّة أمّ ذاكرية: 7 طلبات فى الصلاة الربّانيّة و7 أمـثال
و7 أرغـفة و7 سلات إلخ و 3 تجارب و 3 أعـمال صالحة (6/1 ت) و3عـشــور (23/ 23)... |
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(185)
التمهـيد: لسـرّ يسوع (1-2)
القسـم الأوّل: يُبَشّـر يسـوع جميع الناس
بملكوت الله ويُمَهّـد للكنيسـة (3-16).
الإنتقـال:
الآب يُعْـلن ابنه والشـيطان يُجَـرّبَه (3-4).
1. اقـترب ملكـوت الله (5–9)
يُظهـر يسـوع ذلك
·
بأقـواله: العـظـة عـل الجـبل (5-7).
·
بأعـماله: عـشـر معـجـزات (8-9).
2. يرسل يسـوع تلاميـذه
للتبشير وينطلق هـوللتبشير بالماكـوت (10-12).
·
خطبة الإيفاد إلى الرسالة (10).
·
يسـوع في رحـلة رسـولية (11-12).
3. الاختيار الحاسـم تجـاه
التبشير بالملكـوت (13/1-16/12).
·
خطبة في 7 أمـثال (13/1–52).
·
نحو اعـتراف بطـرس (13/53-16/12).
القـسـم الثـاني: يسـوع يُعِـدّ الكنيسـة
للقـيام بدورها في ملكـوت الله (17-28).
الانتقال:
الكنيسـة تعـترف ربّها وتُجـرّبَه (16/13-17/27).
4 . ينتقل ملكوت الله من الشعـب
اليهـوديّ إلى الكنيسة (18-23).
·
خطبة: " قاعــدة الجماعة " (18).
·
من الجليل إلى أورشـليم (19-27).
5. الافـتتاح النهائىّ لملكوت
الله في حـدث الفصح (24-28).
·
خطبة رؤيوية: المجيء النهائىّ لملكـوت الله في شـخـص
يسـوع (24-25).
·
موت يسـوع ورفعـه افـتتاح لمجيد الملكـوت النهائىّ
(26-28). تنطـلق الكنيسة للتبشير في العالم.
آخـر الأزمنة
خـتم مرقس
إنجيله قائلاً: بقـى شيء قـيد العـمل. ولن يُـرى القائم من بين الأموات إلاّ في في
نهاية التاريخ! أمّـا متّى فإنّه يقول: كلّ شيء تمّ في يسوع وحان آخر الأزمنة وأحـرزالنصـر، ولم يَبْقَ
إلاّ احتلال المكان! نتوقّـف عـند أمـر له معـنى هامّ.
أعـطى يسـوع،
في خطبته الرؤيويّة، علامة تدلّ عـلى آخر الأزمنة، وهي وقوع " الزلازل "
( مر 13/8 ولو21/11 ومتى24/7). لا يُقصـد
بـذلك ظاهـرة تاريخـيّة ( زلزال أرضي )، بلّ صـورة رمـزيّة.
ينفرد متّى
في اسـتعـمال الاسـم أو الفعل 6 مرّات أخرى: عـند زلزلة الأرض بعد صلب يسـوع، قام
الأموات (27/51 ولدى رؤية هـذا الزلزال (27/54)
اعـترف وثنيّون بأنّ يسـوع هو ابن الله. عـند فـجـر أحد الفصح، حدث زلزال واستولى
اضـطـراب ( زلزال ) عـليهم فصاروا كالأمـوات
(28/2 و4). ومـوت يسـوع وتمجـيده هـما كإشارة تـدلّ عـلى آخـر الأزمـنة.
ضـجّـت ( زلـزلـت
) المدينة عـند دخول يسـوع إلى أورشليم. وهو صورة لدخـولـه المجـيد إلى السـماء (21/10).
وهكذا فإن
إحدى العلامات الدالة عـلى المجيء في آخر الأزمنة قد تحقـّقـت منذ الآلام والقيامة.
فقد تمّ بهذا الحدث افـتتاح ملكوت الله افتتاحًا نهـائيًا. و لكنّ لا بُدّ للكنيسة،
وهي سفينة ضعـيفة يزعـزعـها اضـطـراب ( زلزال ) البحر ( 8/24، وراجـع الصـفـحة 201
)، أنْ تعـيش هـذه الأزمنة طـوال تاريخها.
|
بعض ملامح انجيل متى متى معـلّم. فـقد جمع أقوال يسـوع في خمس خطب كبرى، ولا شـكّ أنّه
فعل هذا ليصوّره كموسى الجـديد. وهو يشدّد عـلى ضـرورة فهم معـنى الكلمة وعـلى عدم
الاكتفاء بسـماعها (13/19-23). إنّه يوجز روايات المعجزات، مكتفيًا بشخصين: يسـوع
والشخص المعـني. فهذه الروايات قليلة الطرافة كثيرة التعـليم. إنّه كاتب مروّض عـلى الطرق اليهـوديّة في تفسـير الكتب المقدّسة،
يعرف كيف " يُخرج مـن كنزه كلّ جـديد وقـديم " (13/52). يسـاعـده إيمانه المسيحيّ أنْ يرى في يسـوع الناصريّ ذلك الربّ
الممجّد. فهو يُعْـلن، منذ البدء وغالبًا فـيما بعـد، أنّـه ابن الله. ويُظهر في
الإنجـيل جـلاله وسـلطانه. يعمّ الإنجيل جو طقسيّ، فالتلاميذ الذين يسجـدون للربّ في الجماعة
يظهرون من خلال التلاميذ الذين كانوا يتبعـون يسـوع عـلى طـرق فـلسطـين. يُسمّى " الإنجيل الكنسيّ " لتركـيزه عـلى ملكوت الله
وانطلاقـته في الكنيسـة، وقـدّ أثّر تأثيرًا عـميقـًا فـى المسـيحيّة الغـربيّة. |
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(186)
بعـض النصـوص فـى إنجـيل متّى
تجارب يسـوع (4/1ـ 11 ).
لنتوقف عـند
هـذا المظهر: كيف أنّ حـياة يسـوع وحـياتنا تتّخـذان معـناهـما بفـضـل الكتب المقدّسـة.
المحتمل أنْ
يكون يسـوع قد باشر خـدمته الرسوليّة، بـ " رياضة إختلائيّة "، وأنّه جُرّب
فيها ( إقرأ مر 1/12-13). غـير أنّه جُـرّب طوال حياته، من قـبل خصومه، من قـبل
بطرس (مثلاً: متّى 16/23 و 27/42 ويو 6/15). وقـد حاول الميسـحيّون أن يعـرفـوا ما
عـسى أنْ يكـون معـنى هـذه التجارب. وهـناك تقليد أخذ به متّى ولوقا وفـيه محاولة
للتعـبير عـن هـذا المعـنى.
إقرأ نص متّى.
بماذا توحي إليك: بـرّيّة وأربعـين وتجـربة؟ انظر كيف تُـركّـب كـلّ مـن التجارب:
·
يضـع الشـيطان يسـوع في وضـع من أوضاع الشعـب اليهـودي
في البـرّيّة ( الآيـة 4= خـر 16/14، والآيـة 7 = خـر 17/1-7 والآيـة 10 = 23/20 -30
و34/11-14). إنّ يسوع يقوم ثانية إذًا بمسـيرة شـعـبه. وكان الشعـب قـد أخطأ الهدف،
أيّ الدخـول إلى أرض الميعـاد، لأنّـه لم يعـش هـذه التجارب كـما يجـب.
·
يجيب يسوع بالاسـتشهاد بسفر تثنية الاشتراع ( راجع
الجزء الأوّل، الصفحة 57 و111 ). فهو يعيش هذه التجارب كما كان عـلى الشعـب أنْ يعـيشـها
لينجح. وتاريخ الشعـب أصبح ناجحًا في يسـوع لأنّه أخـذه عـلى عاتقه. فالدخـول إلى أرض
الميعاد أصـبح امـرًا ممكنًا. ولذلك يقـول يسوع: " قـد اقـترب ملكـوت الله
" (4/17).
·
فتجارب يسوع هي إذًا تجاربه في الحقيقة، ولكنّها فى
الوقـت نفسه تجارب شعـبه التى تبنّاها. ( في هـذا المكان يضع لوقا سـلسـلة الأنساب
من يسوع إلى آدم، ولا شـكّ أنّه يريد بذلك أنّ يسوع تبنّى تجارب البشـريّة كلّها ).
يتناول
بولس موضوع تجارب الشعـب هذه (1 قور 10/1-11) ليُثبت أنّها تجاربنا: " وقد
حدث ذلك كلّه ليكون لنا تصميمًا " (الآيتان 6 و11). ليس " التصميم
" مثلاً او نموذجًا، بلّ هو الغـرض الذي يمثّل مسبّقـًا الغرض الذي يجب
تحقيقه ( تصميم فستان )، وهو هـذا الغرض نفسه. فتجارب الشعـب اليهودي هي تجاربنا "
في حالة التصميم "، وهي التي عاشها يسـوع. فليس المطلوب منّا أنْ نقـتدي بيسـوع،
بقـدر ما هـو أنْ نعـيش حـياتنا ( وتجاربنا ) فيه، لأنّه تبنّاها وسـبق له أنْ أنجحها.
العـظة عـلى الجـبل ( 5 ـ7 )
نكتفي هـنا
بقراءة نصّ متّى، وسنقارن فيما بعد بين نصّه ونصّ لوقا ( الصفحة 191 ). ويمكنك أنْ
تدرس التطـويبات منذ الآن ( الصفحة 192 ).
إبتـدئ بقـراءة
دقـيقة للعـظة عـلى الجـبل: مسـتعـينًا بالتصميم الوارد في الصـفحـة التاليـة.
مَـنْ الذي
يخاطب مَنْ؟ من الذي: يسـوع طـبعـًا، ولكن في أيّة صورة يبدو؟ أيّ " جبل "
يُقصد هنا؟ محـلّ مَنْ مِن أشخاص العهـد القديم يحتل يسوع؟ من هو المخاطب؟ أنّ يسوع
يعـلّم الجموع والتلاميذ. لسنا أمام الإعلان الأوّل لهـداية الناس ( الكرازة )، بلّ
نحـن أمام نوع من التعـليم المسيحيّ موجّه إلى الذين اكتشفوا " اللؤلؤة الثمينة
" والذين أصبحـوا مسـتعـدّين أنْ يبيعوا كلّ شيء ويشتروها. وحضور التلامـيذ برهـان
عـلى أنّ ذلك أمـر ممكـن. فقد سـبق للبعـض أنّهم اخـتاروا هذا الاختيار للسير وراء
يسـوع.
لاحظ
اللازمات والعـبارات المـتردّدة: " سـمعـتم ... أبوك الذي يرى في الخفيّة ...
". ضـع خطًا تحت كلمة " أبّ ": تَرد 21 مرّة عـند متّى، ومرّتين عـند
مرقس و5 مرّات عـند لوقا و3مرّات عـند يوحنا: 16 مـرّة في العـظة عـلى الجـبل: في أيّ
قـسـم؟ ما هـو المعـنى الـذي يُضْـفِـيه ذلك عـلى التعـليم؟.
ابحث عن الآيات
التي يتمّ فيها الانتقال من ضمير المخاطب في صـيغـة الجمع ( أو " كلٌّ من "
) إلى ضميرالمخاطب في صـيغـة المفرد. في الحالة الأولى قـواعـد تصلح لجميع الناس
وفي كلّ مكان، وفي الحالة الثانية أمثال تطبيقيّة تسـاعـد كلّ واحد عـلى ابتكار طـريقـته
في ممارسة القانون العام، وفـقًـا لوضعـه الخاص ( فيسوع نفسه لا يراعي حـرفـيًا
الوصيّة الوارد ذكرها في متّى 5/39- راجع يو18/23). حاول، في كلّ حالة من حالات
الانتقال، أنْ تسـتخـلص القانون العام وأنْ تنظر في أمثاله التطبيقية وأن تبحـث عـن
أمـثال تصلح لأيّـامنا.
يُمْكِنَكْ
أنْ تَبْحَث كيف يُتمّ يسوع شريعة موسى. إنّه لا يُدَمّـرها، بلّ يَبْلُغ بها إلى
المُطلق، في الطريق الذي سـار عـليه الأنبياء. ثمّ إنّه يُضْفي عـليها طابع
الباطنيّة ( بالمحبّة، لا بالمواقـف الخارجيّة ) والشـخصانية ( المطلوب أنْ يحيا
الإنسان تحت نظر الآب، وقد أصبح هذا الأمر مُمْكنًا، لأنّ يسوع هو الابن ولأنّه
يدعـونا إلى الدخـول في هـذه العـلاقـة البـنـويّـة مـع الآب ).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(187)
|
المطـلع: 5/3-16 5/3-12: التطويبات. البشرى
( قديمًا 3/6 و11-12 ). 5/13-16:
المسيحيون ملح ونور العالم. |
لوقـا |
متى |
مرقس |
|
6/20-26 (24-26) 14/34-35 8/16 و 11/33 |
|
9/50 4/21 |
|
|
1.
البر الجديد أفضل من البر القديم: 5/17-48 أو: ماذا يعنى، فى الحياة اليومية، اختبار البشرى؟ المـبدأ. 5/17: لا إبطال الشريعة والأنبياء، بل إكمالهم 5/18-19:" من
خالف وصية من الوصايا..." |
21/32-33 و16/17 |
24/34-35 |
13/30-31 |
|
خمسة تطبيقات عملية: " سمعتم انه قيل.. اما انا فأقول لكم" (5/21-48) 5/21-24: " لاتقتل". لا تغضب على أخيك. 5/25-26: "
سارع إلى إرضاء خصمك". 5/27-28: "عدم الزنى"- حتى عدم اشتهاء امرأة أخرى باطنيًا 5/29-30: " إن
كانت عينك سبب عثرة لك، فاقلعها" 5/31-32: " من
طلّق امرأته..." 5/33-37: " لا تحنث" – لا تحلفوا البتّة 5/38-42: " العين بالعين" – حوّل الخدّ الآخر. 5/43-48: " أحبب قريبك وأبغض عدوّك" – أحبّوا أعداءكم |
12/57-58 16/18 6/29-30 6/27-28 و32-36 |
18/9و8 19/7-9 |
11/25 9/47 و43 10/4-12 |
|
2.
الطابع الباطنى للبرّ الجديد: 6/1-8 أو: بأىّ روح يجب القيام
بالأعمال الصالحة التقليدية ونحن أبناء الآب؟ المبدأ 6/1: القيام بالأعمال
الصالحة لمجرّد نظر الآب الأعمال الصالحة
التقليديّة الثلاثة فى الدين اليهودىّ: 6/2-4: الصدقة فى الخفية:
" أبوك الذى يرى فى الخفية..." 6/5-6: الصلاة فى الخفية:
أبوك الذى يرى فى الخفية 6/7-15: أبانا
الذى فى السموات 6/16-18: الصوم فى
الخفية: " أبوك الذى يرى فى الخفية..." 6/19-23: الكنز
الحقيقى. العين سراج الجسد 6/24-34:
الاختيار بين الله والمال. الاتكال على الله |
11/2-4 12/33ت و11/34ت 16/13 و 12/22-31 |
|
|
|
3.
ثلاث تنبيهات: 7/1-27 أو: من هو تلميذ؟ كيف يكون الإنسان تلميذًا؟ 7/1-5: عدم الدينونة. القذى والخشبة 7/6: " لا
تدنسوا الأشياء المقدّسة " 7/7-11: فعاليّة
الصلاة 7/12: " القاعدة
الذهبيّة": " فكل ما أردتم أن..." 7/13-14: الباب
الضيّق المؤدّى إلى الحياة 7/15-20: الأنبياء الكاذبون: يُعرفون من ثمارهم 7/21-27: التلاميذ الحقيقيّون: عدم القول" ياربّ"، بل
العمل بمشيئة الآب. 7/22-23: لا يكفى طرد
الشياطين باسمه أبنوا بيوتكم على
الصخر |
6/37-42 ( 38آ ) ( 39-40 ) 11/9-13 6/31 13/23-24 6/43-45 (45) 6/46 13/26-27 6/47-49 |
15/14 10/24 12/33-35 |
4/24 |
|
التأثـير فى الجمع: 7/28-29 " يعلّمهم
كمن له سلطان " |
7/1 و 4/32 |
|
1/22 |
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(188)
الاعـتراف بيسـوع والسير وواءه : 16 /13 ـ 28
هـذه الأحـداث
الثلاثة تشـكّل نقطة تحـوّل في إنجـيل متّى ( راجع الصفحة 185).
قارن بين
جواب بطرس في متّى 16/16 ومر 8/29 ولو 9/20 ويو6/69. فأيًّا كان جواب بطرس إذًا؟ كيف
يوضّحه متّى بوضعه " الورق الشفاف " الخاصّ بالإيمـان المسيحىّ؟ أنّ جميع
المسيحيّين يعـترفون بأهـمّـيّة دور بطـرس في الجمـاعـة الأولى. هل نُقِـلَ هـذا
الدور إلى خلفاء؟ تختلف هـنا التقاليد المسـيحيّة.
قاعـدة الجماعـة: 18
يعـطي يسـوع
مجموعـتين من القواعـد ويوضحهما بمثلَين (18/10-14 و23–35). أية قواعـد (أي "
حق قانوني ") يتركها يسـوع لكنيسـته؟
إنّ الآية
18/20 قـويّـة جـدًا. قال أحـد الربّانيّين المـتوفّى في السـنة 135: " إذا
جلس اثنان وتحـدّثا عـن الشـريعـة، أقامت " الشـكـينة " ( الحضـور الإلهي
المقـدّس ) فى وسـطها. فمتّى يضع يسـوع مكان الشـريعة والله.
روايات الطفولة: 1ـ2
لا تنتمي
هذه الروايات، شأن الروايات الواردة في إنجيل لوقا، إلى الفولكلور، بلّ إلى
التفكير اللاهوتي، عـلى غرار مر 1/1 أو نشيد يو1/1-18. إنّ بعض الأفلام السنيمائيّة
تتناول أحيانًا في المقـدّمة أهمّ المواضيع، ثمّ " تعود إلى الوراء "
فتبتدئ بصورة الفيلم الأخيرة. وكذلك فإنّ متّى يضع هـنا ممثلي الإنجـيل الرئيسـيّين
ويقول لنا مـن هـو يسـوع، مـوسـى الجـديـد. وما سـتكون رسالته.
إقرأ
بانتباه هذين الفصلين، وفي ضوء هذه القراءة الإجمالية ( الصفحة 184 )، حاول أنْ
ترى كيف أنّ مـتّى يسـتبق مـنذ الآن حـياة يسـوع.
بعـد النسب،
هـناك مجموعـتان تتشابكان وتشكّلان سـلسـلة خمسة أحداث يتضمّن كلّ منها شاهـدة من
الكتاب المقـدّس:
1. إطـلاع يوسـف عـلى أمـر مـريـم
(1/18-25). أش 7/14- المجوس (2/1- 12). مي 5/1 + 2صم 5/2
2. الهـرب إلى مـصـر (2/13-25).
هـو 11/1 – مـقـتل الأطفـال (2/16-18). أر 31/15.
3. العـودة. الناصـرة (2/19-27).
أش 42/6 و49/6 (؟)
إنّ
المجموعة الأولى، المركّزة عـلى " ملاك الرب ويوسف "، تسـتخـدم الرسـم
البيانى نفسه: الوضع - بلاغ الملاك والمهمّة - الكتاب المقدّس – تنفـيذ المهمّة.
وفي المجمـوعة الثانية تناقض بين الملكَين: هـيرودس ويسـوع.
النسب يقول لنا من هو يسوع:
المسيح، ابن داود، بدء الخـليقـة الجديدة ( قارن بين 1/1 وتك 5/1).
نعرف من إطـّلاع يوسـف عـلى أمر مريم كيف أنّ يسوع هو ابن داود بالرغم من الحبل البتولى. إنّ يوسـف رجل بارّ،
فلا يريد أنْ يُنْسب إليه ابن المعـجـزة هذا. لكن الله يطلب منه أنْ يعـطـيه اسـمه
وكـيانه الاجتماعي فيُدخـله في سـلالة.
حَدَث المجوس بَحثٌ في الكتاب المقدّس ( مدراش بشر، راجع الصفحة 135 ) انطلاقا ممّا
يُعرف عن هـيرودس السفّاك، يؤلّف متّى رواية مبنيّة عـلى أش 60و62 وعـلى النجم
الوارد ذكـره في عـدد 24/17( كانوا يرون فيه المشيح - راحع النصّ المحاط بإطار ).
ليبيّن كيف أنّ يسوع سينبذه المسـؤولون اليهـود والسلطات المـدنيّة، ويعـترف به
الوثنيّون.
يُبيّن الهـرب إلى مصر بصورة رمزيّة كيف أنّ خروج الشعـب قد نجح في يسوع.
فالمدخل إلى ملكوت الله قـد فـُتح أخيرًا.
|
سـفـر العـدد 24/17 |
|
|
فى النص العـبرى نجمٌ خارج من يعـقـوب يصبح رئيسـًا، صولجانٌ يقـوم خارجـًا من إسـرائيل. |
في الترجوم الفلسطيني حين الملك القدير الـذي من آل يعـقـوب يملك وحين المشـيح، صولجـان إسـرائيل القـدير يُمسَـح..... |
|
فالنجم الوارد ذكره في متى نجم حقيقي: هو المشـيح يسـوع الذي طلع،
وفي ضـوئه سـار الوثنيّون الممثلون بالمجوس. |
|
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(189)
كتب مـتّى
إنجيله لمسيحيّين يريدون أنْ يتعـمّـقـوا في إيمانهم. وقـد حاول أنْ يكشـف عن معـنى
موت المسـيح.
كتب لمسـيحيّين
كانوا يهـودًا، فبـيّـن كيف أنّ الله وفى بالوعـد الذي وعـد به شـعـبه، وكيف أتمّ
يسـوع الكـتب المقـدّسـة. رفـض هـذا الشعـب يسـوع عـن يـدّ رؤسـائه، فانتقل الوعـد
إلى شعـبٍ جديدٍ هـوالكنيسـة. ولكن عـلى الكنيسـة أنْ تبقي مـتـيـقـظة، فـقـد ترفض
هي أيضًا أنْ تتبع يسـوع!
يريد مـتّى
خاصّة، بعـرضه للأحـداث، أنْ يساعـد الناسى عـلى اكـتشـاف قـدرة يسـوع وسـلطته.
إنّ يسـوع
هـو ابن الله. فهـو يعـلـم بما سـيجـري له. ومع ذلك فإنّه يقبل بذلك، لا بل تجري
الأحـداث كما توقـّعـها.
أنّ يسـوع
هـو الربّ المـولّى عـلى العالم كلّه. سـلّمه الآب قـدرته وكان فى إمكانه أنّ
يسـتخدمها لتجـنّب الموت. لكن المـوت يعـني آخـر الأزمـنة ويفتتح مجيء العالم الجديد،
مجـئ ملكوت الله الـذي عـلينا منـذ الآن أنْ نعـيش فـيه.
الهـدف من رواية المـؤامـرة (26/1-5) جـواب إلى سـؤال مـزدوج
مُمْكِن. كـيف أمكن أنْ يُقتل ابن الله؟ يضـع مـتّى الرواية عـلى لسـان يسـوع فيُبيّن
بذلك أنّه هـو الذي يقود الأحداث، وأنّ الرؤساء ينفـّذون ( حينئذ، في الآية 3 ). كيف
أمكن الرؤساء الدينيّين أنْ يحكمـوا عـلى المسيح، مـع إنّه كان من واجبهم أنْ يعـرفـوه
ويعـترفـوا به؟ لأنّهم أولـئك الأشـرار الـذين اجتمعـوا عـلى المسـيح، كما ورد في
المزمور2 ( راجع الجـزء الأوّل، الصفحة 103). فمـن المعـلوم إذًا، منـذ الآن، بأنّ
هـذا المسيح سـيُنصّب ربّـًا عـلى العـالم كلّه. وقـد رأى يسـوع في دهـنه بالطيب
في بيت سـمعـان الأبرص (26/6- 13) احـتفالاً بـد فـنه.
يحيط بعـشاء يسوع الوداعى (26/26-29) الإعلان من خيانة
يهـوذا وعن إنكار بطرس: فيسـوع يعـلم إذًا إلى أيّـة أيـدٍ يُسـلّم جسـده ودمـه.
ولكـنّه يُتمّ هـكـذا الكـتب المقـدّسـة (الآية 31).
احتفل يسـوع
حتّى الآن بآلامه بعـظمة المحتفـل أمام المـذبح. أمّـا رواية النزاع في بسـتان الزيتون (26/36-41).
فإنّها تُظهره إنسـانًا بكلّ معـنى الكلمة. يُضـيف مـتّى ثلاث مـرّات العـبارة "معهم
، معـي " (الآيات 31 و 38 و40). ويشعـر يسـوع، شـأن كلّ إنسـان يتألّم،
بالحاجة إلى حضور أصـدقائـه. وهـذا أيضًا رُفض له، فإنّهم نائمـون. لكنّه تلا الـ
" أبانا " لقبول مشيئة الآب فاسـتعـاد
كلّ قـوّته. وحين قُبض عـليه (26/47- 56)، أخـذ يعـلّم
مرّة أخرى ورفض اسـتخدام القــدرة التي أعـطاه الله إيّاها.
وفي أثناء
الدعـوى أمام المجلس اليهوديّ (26/57-68)، أعـلن يسـوع أنّ
الآب سـيُدخله منـذ الآن (الآية 64) في قدرة ابن الإنسـان " المرفوع "
والمسـيح المُنَصّب. تذكّـرنا روايات إنكار بطـرس ليسوع (26/96-75) وموت يهـوذا (27/3-10) تذكـيرًا مأسـويًا بأنّه في إمكاننا أنْ
نرفض الاعـتراف بالربّ المُعاني للذل. هذا وإنّ متّى يُبيّن أنّ في ذلك تتمّ نبوءة
زكريا: كان الشعـب يرفض الله، وكان يدفـع ثمـنه، ليسخـر منه، بثمـن أجرة العـبد
الزهـيدة ( راجع الجزء الأوّل، الصفحة 68). فالله هـوالـذي يُـباع في يسـوع.
وفي مشـهـد
الدعـوى لـدى الحاكم الروماني (27/11–26)، يُضيف متّى تدخّـل
امرأة بيلاطس: فالرومانيون أنفسهم يعـترفـون بأنّ يسوع رجل بار.ّ بيلاطس يتبرّأ من
الأمر والشعـب يتحمّل مسؤولية ذلك الموت: " دمه عـلينا...". ومنذ الآن
فعـلى كلّ إنسان، يهـوديًا كان أمّ وثنيًا، إنْ أراد أنْ ينال الخــلاص. أنْ يدخـُل
في العـهـد المثـّبَت بـدمّ يســوع.
إنّ موت يسوع (27/32-54) يدلّ، في نظر متّى،
عـلى نهاية العالم القديم وافـتتاح العالم الجديد. فهـو يُتمّ الكـتب المقـدّسـة
التى يسـتشـهـد بها مـتـّى بغـزارة.
مات يسوع
مخذولاً من الجميع بحسب الظواهـر، حتّى مـنْ الله، ولكن مـوته قـيامة: فالزلزال
صورة لآخر الأزمنة. ومـنذ ذلك الحين، نرى القـدّيسـين يقـومـون ويدخـلون في أورشليم
السـماويّة. والوثنيّين يعـترفـون بأنّ يســوع هــو ابن الله.
خـتم الأحبار
القبر ووضعـوا حـرسـًا (27/55-61)،
فازدادت بذلك قدرة القائم من بين الأموات! انتهى كلّ شـئ فى الظاهـر. ومع ذلك فإنّ
متّى يُلـْفـِت النظر إلى أنّ كلّ شـئ يبدأ وأنّ فجر القـيامة ينبثق مـن ليل القــبر.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(190)
الرب يعـيش فى جماعـته
اكتشفنا
في إنجـيل مرقـس يسـوع الإنسان قـبل كلّ شـيء. أمّا إنجـيل مـتّى فـإنّـه يضعـنا
توًا أمام الـربّ المُمَجّـد والمُكَـرّم
فى جـمـاعـته. فالتلامـيذ
يسـجـدون للقائم مـن بين الأموات (28/17) كالمجـوس (2/2 و11) والأبرص وقائـد المـئة
والتلامـيذ أثناء العاصفة، مع أنّ السـجود لا يحقّ إلاّ لله (4/10).
ذلك بأنّ
يسـوع، بقـيامـته، هـو في الحقيقة الله معـنا. فاســم " عـمانوئيل "،
الذي أعـلن عـنه عـند مـيلاد يســوع (1/23)، لن يُطـلق عـليه إلاّ يوم الفصح، لا
بلّ هـو كلمة الإنجـيل الأخيرة: " وهاءنـذا معـكم.." (28/20).
إنّـه ابن الله
الحبيب. رأينا أنذ
مـرقـس يسـتعـمـل نادرًا هـذا اللقـب ويُشـعـرنا بأنّ التلاميذ كانوا يسـتصعـبون
الاعـتراف به. أمّـا في إنجيل مـتّـى، فإنّ يسـوع يُعرّف هو نفسه عـلى هـذا الوجه
(11/27 و26/36-64) والتلامـيذ يعـلنونه مرارًا ( مثلاّ 14/33 و16/16 ).
ولذلك
فإنّ يســوع في إنجيل مـتّى يبدو مهـيبـًا. يُهـْمـل مـتّى تأثـّر يســوع أو جهـله
( قارن بين متّى 13/58 ومر6/5 ) ويشـدّد عـلى قـدرته (4/23 و8/24 و15/30...). ولكن
هـذا الربّ يبدو مرة واحـدة شـديـد الإنسـانيّة، عـنـدما راح يلتمـس من أصـدقـائه،
وهـو في النزاع، شـيئـًا من العـطـف.
إنّ يسوع
هو مخلّص جمـاعـته. تظهره المعـجـزات بمظهر
العـبد المتألّم الوارد ذكْره في أشعـيا والذي أخذ أسقامنا (8/17). يبسّط متّى
روايات المعجزات ويمحو ملامح يسوع البشريّة ويصوّر حماة بطرس (8/15) أو التلاميـذ أثناء
العاصفة (8/25) بصورة مسيحيّي عـصره، فيبيّن بذلك أنّ الربّ يسـوع يواصل عـمـله
الخلاصيّ في أنيّـة جماعــته.
إنّ يسوع
هـو معـلّم جماعـته. أعـطى موسى الوصيّة للشعـب،
ويسوع هو موسى الجديد الذي يعـطي الشريعة الجديدة عـلى جبل التطويبات وجبل الفصح،
وهذه الشريعة هي أنْ يكون الإنسان كامـلاّ كالآب. يعـيد الشريعة القديمة إلى صفائها
الأصـلي، فينتظر الرحمة لا الذبائح (9/13 و12/7) وترك الرحمة والغـفران قاعدة
لكنيسته (18/21-35). يريد أنْ يكون تلاميذه أذكياء في إيمانهم وأنْ يفهـمـوا،
وكثيرًا ما طلب ذلك منهم ( مـثلاً 13/19 و23 و51 و15/10).
إنّ يسـوع
هـو مثال جمـاعـته. قال ليوحـنا المعـمدان:
" يحسـن بنا أنْ نتمّ كـلّ برّ " (3/15). وفي نصّ ينفـرد به مـتـّى: يصـوّر
يسـوع حـياته بصـورة الطريق الوحـيد إلى معـرفة الآب (11/27-30).
مسـيح إسرائـيل
إنّ يســوع
في نظـر مـتّى هـو المسـيح الـذى كان إسـرائيل ينتظـره والـذي أنبأت به الكتب المقدّسـة.
ويسـتشـهـد بها مـتّى كربّانى بارع، ليُبيّن أنّ يســوع قـد أتمّها. وهو كثيرًا ما
ينسب إلى يسـوع ألقابًا رسـميّة كالمسيح وابن داود وملك إســرائيل. وبالاعـتراف به
أو برفضه يتعـلّق الإنتماء إلى إسرائيل الحـقيقى: فالمجوس الوثنيّون يسجـدون له،
في حـين أنّ أورشـلـيم ترفضه، والكهـنة والكـتبة يحكمـون عـليه، فى حـين أنّ قـائـد
المـئة الروماني ورجاله يُعْـلنون أنّـه ابن الله. ولذلك فسيُنزع الملكـوت من الأوّلين
ويُعـطى لآخـرين ( مثل الكـرّامين: 21/41). فيصبح مسـيح إسـرائـيل مسـيح الجمـيع.
ابن الإنسان
عـلى مثال
الرؤى ( راجع دا 7 )، كانوا ينتظرون مجيء ابن الإنسان للدينونة في آخر الأزمنة.
يرى متّى أنّ يسوع هو ابن الإنسان هذا. فيسوع يُعْـلن ذلك رسـميًا أمام المجلس ويُنْبئ
بأنّـهم سيرونه بعد اليوم (26/64). والفصح هو في الحقيقة مجيء ابن الإنسان، آتيًا
عـلى الغـمام (26/64) إلى تلاميذه الساجـدين (28/18)، بعـد أنْ أولى كلّ سـلطـان (
28/18 وراجع دا 7/14). ينفرد متّى بالكلام عـلى مجـئ ( 24/3و27و37و39) ابن الإنسـان
هذا. وفي الحـقيقة فإنّ هذا المجيء يدلّ في نظره عـلى الساعة التي يحلّ فيها ملكـوت
الله في تاريخـنا. وهذا الأمر يتمّ عـند القيامة، ولذلك فإنّ هذا المجيء يتمّ كلّ
مـرّة نلتقي بابن الإنسان الحاضر سـرّيًـا في الصغار، وهـم الذين يتطابق معـهم (25/31-46).
يسـوع يرسل جماعـته
بعد أنّ نُصّب
يسوع ابن الإنسان وديّان الجميع وربّ العالم كلّه. فـقد أحرز النصر الأخير. وبقي
له أنْ " يحـتلّ المكان "، ولذلك فإنّه يُرسل تلاميذه يُقيمون نصره في
العالم كلّه. سـبق له أنْ أعـدّهـم لهذه الرسالة (10)، ولكنه هو الـذى انطلق في
ذلك الحين للتبشير. فالإرسال الحقيقى يتمّ يوم الفصـح (28/18-20).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(191)
بعد أنْ
كان الناس يصغـون إلى إعلان البشارة (الكرازة ) ويصبحون تـلامـيذ يسوع المسيح بالإيمان
والمعـمـودية. كان لا بدّ مـنْ اسـتكمال تعـليمهم. " كانوا مواظبين عـلى تعـليم
الرسل "، كما ورد في لوقا (رسل 2/42). حين درسـنا السلوك المسيحي ( الصفحتان
169 و170)، اكتشفنا هذا التعـليم خلال الرسائل. وسـنكتشـفه هـنا مـن خلال خطب يســوع
في الأناجـيل.
لا شـكّ أنّ
يسوع قد أعـلن البشارة، هذا شئ واضح جدًا. ولكن هل ألقـى خطبًا طـويلة مثل التى
نراها في الأناجيل؟ هذا شيء ممكن. عـلى كلّ حـالٍ، فإنّ معـظم هذه الخطب هي ثمـرة
عـمل الجماعات التى جمّعـت أقوالاً ليسـوع وجعـلت منها نوعـًا من التعـليم المسـيحيّ.
أوضح
الحالات هي حالة العـظة عـلى الجبل الواردة في إنجيل متّى: والتى تماثلها الخطبة
في السهل التى نجدها في لوقا. سـبق لنا أنْ درسنا نصّ متّى ( الصفحة 187 )، فبقي أنْ نقارن بين هذين النصّـين.
مكان الخـطبتين وحجمها
إنّ العـظـة
في إنجـيل مـتّى هي خـطبة يسـوع البرنامجـيّة وأول خـطـبه، وهي تحـتوي عـلى 107
آيات. والعـظـة في إنجـيل لوقـا تحتـوي عـلى 30 آية فـقـط. وأمّـا خـطـبته البرنامجيّة
فهي قبل العـظة وقـد ألقاهـا فى مجمع الناصـرة ( 4/16-30). لا شيء مـن هـذا في إنجـيل
مرقـس.
نحـو نصّ سـابق
لا ندّعـي
إمكانيّة الإرتقاء إلى أقوال يسوع، ومع ذلك فبإمكاننا أنْ نحاول أنْ نبحث هل
استوحى متى ولوقا من نصّ وجـداه في مصـدرهما وأنّ نـرى كيف حـوّراه
أو أغــنياه.
عُـدْ إلى
الصفحة 187. إنْ نظرت إلى مراجع عـمود لوقـا، رأيت أنّ كلّ خطـبة لوقا 6/20- 40 توجد،
في ترتيب مختلف أحيانًا، في خطبة متّى، ما عـدا 6/24-26 وبعض آيات أخرى (38و39 و40
و45).
انطلاقًا
من بحث دقيق، يتوصّل أحـد المفسّرين إلى الافتراض التالى: يـورد متّى مصدره ، مضيفًا بعض التعاليم، ويورد
لوقا المصدر نفسه بعد أنْ زيـدت عـليه أربع آيات، لكنّه يخـفـّف منه، واضعـًا بعـض
التعـاليم في أمكـنة أخـرى.
أيّا كانت
الخطبة في حالتها الأولى، فإنّها كانت هي أيضًا تركيب للجمـاعـة انطلاقًا من أقوال
منفردة ليسوع. لعلّ بعـضها كان موجـزًا لإحدى عـظاته، وبعـضها الآخر خلاصة تعـليم
طـويل ألقي بصورة أسـئلة وأجوبة. والمراد بهذا التجميع عـرض إجمالىّ للمسيحيّة ( نوع
من " كتاب للتعـليم المسيحي" ) بالنسبة إلى عـرض إجـمالى لليهـوديّة، كما
كان ربّما يعـبّر عـنه فـرّيسـيّو جَمْـنيا ( راجع الصفحة 145).
العـظة في إنجـيل مـتـّى
يروي مـتّى
ذلك التعـليم المسـيحيّ بأمانـة، مشـددًا عـلى انعكاسـاتـه العـمـليّة ومُضيفًا
أمثالاً يمكن تطبيقها.
في ضوء؟ الدرس الذي تمّ أعلاه ( الصفحة 186). حاول
أن تستخلص الخطوط العـريضة لذلك "التعـليم المسـيحيّ "، في سـلوك التلمـيذ
الكامـل.
الخطبة في إنجـيل لوقا
إن الخطبة
في إنجيل لوقا أقصر بكثير وهي أكثر محافظة عـلى طابع " الإنجيل "، أيّ إعْلان
البُشرى ( التطويبات. راجع الصفحتين 192 و193 ). من سـمعها، شـعـر بواجب تغـيير
نمط حياته، وعـلى هـذه المحـبّة يُركّـز لوقـا تعـليمه المسـيحي.
قارن بين لو6/36 ومتى 5/48: ما الفرق بينهما؟. ما هـوالمعـنى
الذي يضفيه ذلك عـلى الحياة المسـيحيّة؟.
قارن بين لو6/33- 35 ومتى 5/47: ما الفرق بينهما:
ينفرد لوقا، هو ورسـالة بطرس الأولى، باسـتعـمال كلمة " أحسن " او "
عـمل الخـير " ( 1 بط 2/14 و15 و20 و3/6 و17 و4/19، وراجع الصـفحتين 168 و169
). ما هي الرؤية التى يعـطينا لوقا إيّاها في الحـياة المسـيحيّة؟.
قارن بين اللازمة في لو 6/32 و33 و34 ومتى 5/46. ما
الفرق بينهما؟. إنّ الكلمة المترجمة بـ " فضل " هي " نعـمة ".
في مقابل محـبّتنا، ليس مـا نناله ثوابًـا، بلّ نعـمة.
في ضوء
هذه الملاحظات، أعد قراءة هذه الخطبة، وحاول أنْ تستخلص خطوط هذا التعـليم المسيحيّ
العـريضة في سـلوك من يعـلم بأنّ الله يحـبّه مجّـانـًا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(192)
يفتح مـتّى
عـظـته عـلى الجبل ويفتح لوقا خـطـبته في السهل بإعـلان التطويبات. فرسالة يسوع هي
في جـوهـرها تبشـير بالسعـادة. ولكن لمن هـذه السعـادة وكيف؟.
لا بُدّ
من الاعـتراف: مع الأسف، بأنّ التطويبات كثيرًا ما فـُهـمـت بعـكس معـناها فاسـتُـعـملت
كأفيون لتسكين الألم وتمـرّد الفقراء. فكأنها تقول: " ما أسعـدكم أيّها
الفقراء، لأنّ الله يحبّكم. إذًا... إبقوا فقراء! إرضوا بنصيبكم، فتكـونوا سعـداء
يومًا ما في السماء ". سـنرى أنّ يسوع يُعْـلن عـكـس ذلك: " ما أسعـدكم
أيّها الفقـراء، لأنّـكم لن تكـونوا فـقـراء بعـد اليوم. بما أنّ ملكوت الله قـد
أتى! ".
إبدأ
بالمقارنة بين هذه التطويبات: أيّ هي مشتركة بين متى ولوقا؟ إلى من توجّه (هم –
أنتم )؟ أيّ نوع مئ الفقر يقصده لوقا؟ ومتّى؟ مـيّز بين السـلسلتين من التطويبات:
تطـويبات مـتّـى الثماني الأولى ( انشاء واحـد وعـبارة واحدة: ملكوت الله، في البداية
وفي النهاية ) والتاسعـة ( تغـيّر في الإنشاء وفي الموجّه إليهم ).
التطويبات قبل متى ولوقا
لا شـكّ أنّ
يسوع قد أعـلن تطويبات في ظروف مختلفة. وقد قامت الجماعة بتجميع بعـضها، ورأينا في
أسفـل الصفحة 191 أن بعض المفسّرين قد اقـترح نظريّة معـقـولة تُبيّن كيف تمّ هذا
التجميع. أيّا كان معـناها في ذلك الزمان! ( سـنقتصر عـلى درس السلسلة الأولى ).
إنْ أردنا
أنْ نهتـدي إلى ذلك المعـنى، لا بدّ لنا أن نضعها في تبشير يسوع بملكوت الله. أعِد
قـراءة ما قلناه في الصفحة 179. قارن بين التطويبات المشتركة بين متّى ولوقا وجواب
يسوع إلى موفـدي يوحنا المعـمدان. يستشهـد يسوع في جـوابه ببعـض الأنبياء: فهو
يدرك أنّه يحقق بأعـماله ما أنبأوا به. أعِد قراءة بعض النصوص: أش 49/9 و52/7 و60/6
و61/1 و35/5-6. في أثناء الجلاء أو بعده بقليل، أنبأ بعض الأنبياء بأن الله سيملك
ويظهر أخيرًا ملكًا صالحًا كما هو. ما هي العلامات التي يعـطيها عـلى ذلك؟ أليسـت
هى العـلامات التى صـنعـها يسـوع؟ فهـو يُثبت بذلك أنّ ملكوت الله يأتي عن يـده
وأنّه لا يكون فـقـراء بعـد اليوم. ولذلك يُقال إنهم سُـعـداء.
اعـتراض: إذا صحّ أنّ ذلك هـو معـنى
تبشير يسوع ... فقد أخطأ، لأنّ الفقراء لا يزالون، واللاعـدالة لا تزال! إن طرح
هذا السؤال يعـني، مع الأسف، أننا نحن المسيحيّين لم نقمْ بعـملنا! في الواقع،
كانوا ينتظرون مسيحًا يُقـيم وحده ملكوت الله. فجاء يسوع مسيحًا، ولكنه افتتح فقط
هذا الملكـوت وعـهـد إلى تلاميذه في القـيام بالعـمل. لم يَخْفَ ذلك عـلى المسيحييّن
الأوّلين. كتب لوقا:" كان كلّ شئ مشتركًا بينهم. فلم يكن فيهم محتاج "
(رسل 4/32 و33). لا يمكن إعلان التطويبات دون بذل كلّ المستطاع لكي يـزول الفـقـر
عـلى جمـيع وجـوهـه والمرض واللاعــدالة.
فالتطويبات
إلهيّة في معـناها الأوّل: إنّها تتكلّم عـلى الله. عـلى إله الفقراء الذي أتى ليُقـيم،
بمسيحه وتلاميذه، ملكوته وهـو ملكوت عدل ومحبّة. وفي الأناجيل، أصبحت التطويبات مسـيحـيّة،
فإنّ متّى ولوقا يشـدّدان، بصــورة مخـتلفة، عـلى ذاك الـذى عـن يـده يأتي الملكــوت،
أيّ المســيح.
التطويبات في إنجيل لوقا
إلى من
توجّه التطويبات؟ إنّ ضمير المخاطب في صيغة الجمع موجّه إلى التلاميذ. يُعْـلن يسوع
لهؤلاء المسيحيّين الفقراء أنّ حالتهم البائسة حالة عـاديّة: فهي نتيجة إخلاصهم له.
ولكن الله سيصلح الأمور عـند موتهم.
التطويبات في إنجيل متى
يوجه متّى
كلامه، لا إلى المسيحيّين، بلّ إلى كلّ إنسان. لكنه أضفى عـلى هذه التطويبات طابعًا
روحيًا فجعل منها اسـتعـدادات قلبيّة. عـلى هؤلاء الناس الذين يحاولون، عـلى مثال
التلاميذ الأوّلين الذين ذكرهم سفر أعـمال الرسـل، أنْ يُزيلوا الفقر، يطـرح يسوع
هذا السؤال: بأيّ قـلب تعـملون؟ لقد أدرك بولس هذا الأمر فكتب: " لوأعـطيت
الفقراء جميع أموالى، ولم تكن فيّ المحبّة، فلا فائـدة في ذلك" (1قور13/3). عـلينا
أنْ نناضل ليزول الفـقـر والفـقراء، ولكن عـلينا أنْ نعـمل ذلك بقلب فـقـير. ولا
يستطيع أحد أنْ يساعـد الفقراء دون أنْ يحطّمهم بشفقته، إنْ لم تكن فيه تلك الاسـتعـدادات
القلبيّة. وهذه الاسـتعـدادات القلبيّة مصدرها في يسوع الوديع والفقير القلب
(متى11/29). ومتّى عرف الإنسان أنّـه مغـمـور بالنعـم مجّانًا، عـندئذ يسـتطيع أنْ
يُبَشّـر الفـقـير فـيساعـده عـلى التحـرّر من فـقـره.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(193)
|
مـتّى 5/3-12 |
لـوقا 6/20-23 |
لوقـا
6/24-26 |
|
3ـ طوبى لِفُقراءِ الرُّوح، فإِنَّ لَهم مَلكوتَ
السَّمَوات. 4ـ طوبى لِلوُدَعاء، فإِنَّهم يرِثونَ الأَرض. 5ـ طوبى لِلْمَحزُونين، فإِنَّهم يُعَزَّون. |
20ـ طوبى لَكُم أَيُّها الفُقَراء، فإِنَّ لَكُم مَلَكوتَ
الله. |
24ـ لكِنِ الوَيلُ لَكُم أَيُّها الأَغنِياء، فقَد نِلتُم عَزاءَكُم. |
|
6ـ طوبى لِلْجياعِ والعِطاشِ إِلى البِرّ، فإِنَّهم يُشبَعون. |
21ـ طوبى لَكُم أَيُّها الجائعونَ الآن، فَسَوفَ تُشبَعون. طوبى لَكُم أَيُّها
الباكونَ الآن، فسَوفَ تَضحَكون. |
25ـ الوَيلُ لَكم أَيُّها الشِّباعُ الآن، فسَوفَ تَجوعون. الوَيلُ لَكُم أَيُّها
الضَّاحِكونَ الآن، فسَوفَ تَحزَنونَ
وتَبكون. |
|
7ـ طوبى لِلرُّحَماء، فإِنَّهم يُرْحَمون. 8ـ طوبى لأَطهارِ القُلوب، فإِنَّهم يُشاهِدونَ
الله. 9ـ طوبى لِلسَّاعينَ إِلى السَّلام، فإِنَّهم أَبناءَ اللهِ
يُدعَون. 10ـ طوبى لِلمُضطَهَدينَ على البِرّ، فإِنَّ لَهم مَلكوتَ
السَّمَوات. |
|
|
|
11ـ طوبى لكم، إِذا شَتَموكم، واضْطَهدوكم، وافْتَرَوْا علَيكم
كُلَّ كَذِبٍ، مِن أَجلي، |
22ـ طوبى لَكمُ إِذا أَبغَضَكُمُ
النَّاس ورَذَلوكم وشتَموا اسمَكُم
ونَبذوه على أَنَّه عار مِن أَجلِ ابنِ
الإِنسان. |
26ـ الوَيلُ لَكُم، إِذا مَدَحَكم جَميعُ
النَّاس، |
|
12ـ اِفَرحوا وابْتَهِجوا، إِنَّ أَجرَكم في
السَّمَواتِ عظيم، فهكذا اضْطَهدوا الأَنبِياءَ مِن قَبْلِكم. |
23ـ اِفرَحوا في ذلك اليَومِ واهتُّزوا طَرَباً، فها إِنَّ أَجرَكُم في
السَّماءِ عظيم، فهكذا فَعَلَ آباؤهُم
بِالأَنبِياء. |
فَهكذا فَعَلَ آباؤُهم
بِالأَنبِياءِ الكَذَّابين. |
إليك نظـريّة معـقـولة لأحـد
المفسّـرين فى وضـع النصّ السـابق الـذى انطـلق مـنه مـتّى ولوقـا:
طـوبى للفـقـراء، فإنّ لهم
ملكـوت السـمـوات.
طـوبى للمحـزونين، فإنّهم
يُعـزّون.
طـوبى للجـياع ( العـطاش )،
فإنّهم يُشـبعـون.
طـوبى لكم إذا أبغـضـوكم
ونفـوكم وشـتموكم وأطـلقـوا عـليكم اسـمًا سـيئًا من أجـل ابن الإنسـان.
افـرحـوا وابتهجـوا، فإنّ
أجـركم فى السـمـوات عـظـيم.
فهكـذا اضطهـدوا الأنبياء
الذين من قبلكم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(194)
بشارة ملكـوت الله
إنّ
البشارة التي أعـلنها يسوع كانت في جـوهـرها أنّ ملكوت الله قد اقـترب! وأظهر يسوع
أنّ هذا الملكوت قد اقـترب، وذلك بأعـماله ( المعجزات، وبموقـفه العـمليّ أيضًا من
الفقراء والوضعاء والمحتقرين ) وبأقـواله ( الخطب التي تُعـبّر التطـويبات عن
صميمها ). فـيسـوع هـو قـبل كلّ شيء المُبَشّـر والمفـتـتح لهـذا الملكــوت.
والحال
أننا نلاحظ أنّهم يعـلنون البُشرى المتعـلّـقة بيسوع. سواء أكان في الجماعة أمّ في
الأناجيل! فالمُبشِر أصبح المُبشَر به. في ذلك انـزلاق في توجيه الاهتمام، ولكن
المعـنى لمّ يتغـيّر. " الأموات يقومون ": كان هذا إحدى العـلامات
الساطعـة لمجيء الملكـوت. فمـن أعـلن أنّ يسوع قد قام، أثبت أنّ هـذا الملكوت قـد
أتى في يسـوع. وهـذا الإنسان الذي غـيّره الروح القدس هـو في الحقيقة رمز الإنسـان
الـذى دخل في الملكوت.
لكن
التلاميذ أدْركـوا، في هـذا الضـوء، أنْ عـن يـده أيضًا يأتي الملكـوت. فمن أعـلن أنّ
يسوع قام، بشّـر بصـورة أوضح أنّ ملكـوت الله قـد اقـترب.
التطويبات: برنامج سـياسي
إذا صح أنّ
يسوع قد´ اكتفى بافتتاح الملكوت، فلا عجب أنْ تبقى التطويبات، وجميع التعاليم
الناجمة عـنها، برنامج عـمل للمسيحيّين في حياتهم السـياسـيّة والاجتماعـيّة
والاقتصاديّة والعائلية...
إنّها تذكّـرنا
بأنّ محـرّك عـملنا لا يمكن أنْ يكون سوى خدمة الآخرين، وأوّلاً الفقراء لكي لا
يبقوا فقراء، ولا يمكن أنْ يكون أبدًا المال أوالسلطان.
وهي تساعـد
المسيحي عـلى إعـطاء عـمله البشريّ معـنى أعـمق: فالطبيب الذي يكافح المرض،
والعامل الذي يجعل حياة الآخرين أكـثر إنسانيّة بفضل المنتوجات التي يصنعها، والمربّي
الذي يساعـد الأحداث عـلى تحسين أنفسهم، وكلّ من يعـمل لكي يعيش الآخرون حوله عـيشة
سعـيدة، فمن حقّ كلّ هـؤلاء الناس أنْ يعـتقـدوا بأنّهم يحقـّقـون ملكوت الله تحـقيقًا
متواضعـًا ولكـنّه فعّـال.
لماذا يسوع شـديد المطالب؟
حين قرأنا
التطويبات والعـظة عـلى الجبل وسائر خطب يسوع، لا شكّ أنّنا لاحظنا ما أشدّ مطالب
يســوع. إذ يجب أنْ نعـطي كلّ شيء وفورًا! كيف يُمكـن ذلك؟.
لا شك أنّنا
لاحظنا أيضًا أنّ متّى يُشدّد عـلى " الآب السماوي ". فعـلينا أنْ نكون
كاملين مثله! فهذا التشديد يُغـيّر كلّ شيء. ليست الأخلاقية، ليس العـمل المسـيحيّ
مجموعة قوانين يجب تطـبيقها، بلّ هـو واجـب محـبّة. فحين نعـلم بأنّنا محـبوبون
هذا الحبّ، لا يسعـنا إلاّ أنْ نرغب في التشبّه بالذي يحبّنا. فهـذا الواجـب لا حـدّ
له إذًا، عـلى مـثال محـبّة الله. ولكـنّه إذا كان واجـب محـبّة، أصبح كلّ شيء ممكـنـًا.
ما يعـرضه
يسوع ليس هو الزهد، بلّ السعـادة: " طوبى ...! " هذا وإنّ مـثليّ الكـنز
واللؤلؤة (متى 13/44-46) يُعَـبّران عن هذا الأمر تعـبيرًا واضحًا: فإنّ يسوع يوجّه
كلامه إلى أناس سبق لهم أنْ اكتشفوا ما أروع هذا الملكوت وأصبحوا مسـتعـدّين إذًا
للتضحية بكلّ شيء في سـبيل امـتلاكه. يُمكن أنْ تكـون الشـريعـة الإنجـيلـيّة مطـلقة
لأنّهـا تدعــونا إلى المـزيد من الكـيان، إلى السعـادة.
وشـهادة
الذين سـبق لهم أنْ قاموا بهذا الاختبار أمر جوهـري. حين وعظ يسوع عـلى الجبل، كان
محاطًا بتلاميذه (متى 5/1): فالذين يسمعـون دعوة يسوع هذه يلاحظون أنّ تلبيتها أمر
ممكـن، إذ أنّ هـناك أناسـًا اختاروا هذا الاختيار. وليس عـرضًا أنْ تنتهي التطـويبات
بتشبيهَين: " أنتم ملح الأرض... أنتم نور العالم ..." (متى 5/13-16). لم
يعط أحد تحـديدًا للكنيسة أفضل من هذا التحديد. فليست هي بوقالاً يدور فيه
المخلصون دورانًا ( " لا خلاص خارجًا عن الكنيسة " )، بلّ هي إشارة ونور
مغروس عـلى جبل، يكشف معـنى الحياة وينوّر الطريق، " للذين يسيرون في الظلام "(أش60)
ونور لا يأتي من نفسه، بلّ يُحيل إلى المصدر الـذي يشـع منه: إلى الآب السماوي.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(195)
إنّ ما
ينفرد به لوقا هـوأنّه وضع مؤلّفًا بمجلّدين: الإنجيل وأعـمال الرسل. فعـلينا أنْ
نقرأ كلاهما. سـبق لنا أنْ تصفّحنا أعـمال الرسل تصفـحًـا خارجيًا، مسـتعـملين إيّاها
كـ " دليل سياحي ". ونعود إليها هـنا مع الإنجـيل لنكتشـف فيها ما قـصـده
لوقا بعـمله.
نستطيع أنْ
نقول، بالرجوع إلى التشبيه الوارد في الصفحة 133، إنّ لوقا، شأن سائر الإنجيليّين،
قـد وضع عـلى حياة يسوع، " الورق الشفاف " الخاصّ بحياة الكنيسـة. ولكنّه
أراد، فـيما يتعـلّق بأعـمال الرسـل، أنْ يقدّم لنا ذلك " الـورق الشـفاف "
عـلى حـدة.
مـؤرّخ مـؤمن
لم يكتب
لوقا إنجيلاً، بلّ كتب بكل تواضع " رواية للأحـداث " لكي يتثبّت التلميذ
مـن إيمانه: عـبّر عـن ذلك في مقـدّمة بإمكانها أنْ تحمـل توقـيع مـؤرّخ من مؤرّخي
زمانه (1/1-4).
لكن المؤرّخ
لوقا رجل مؤمن: فما يرويه هو، في نظره، بُشْرى يريد أنْ يقاسـمها. لا يكفّ عن مخاطبة
القارئ: " لا تستطيع انْ تقرأ هذا دون الشعـور بأنّك معـنيّ: فعـليك أنْ
تختار وتكون مع أو عـلى، وفي هذا اليوم بالذات ". فلا تتّسم روايته بالطابع
البارد الذي يتّسم به الوصف، بلّ بطابع التحريض. التلميذ في صميم اهتماماته: وإليه
يوجّه كلامه وعـليه يلحّ بالدخـول إلى ذلك العالم الرائع الـذي اكتشـفه.
جماعـة لوقـا
لا نعـرف إلى
أيّـة جماعـة معـيّنة يكتب لـوقـا، ولكننا نتصوّر بسهـولة ما هو نوع الكنيسة التي
تكـوّنت فيها رسالته: هي جماعات نشأت في أرض وثنيّة يونانيّة، كجماعات أنطاكيّة أوفيلبّس.
يُمْكننا، إذا قـرأنا مؤلّفـات لوقـا، أنْ نسـتخلص بعـض ملامح تلك الجماعـات.
جاء أولئك
المسـيحيّون من الوثنيّة. وكان لوقا يونانيًا، فأمكنه أنْ ينسجم مع عـقـليّتهم. إنّه
يشـدّد عـلى حقيقة قـيامة يسـوع ( يصعـب عـلى اليونانيّين أنْ يُسلّموا بهـذا
الأمر)، ولكنّه يستعـمل مفردات ناطقة بالنسبة إليهم: " يسوع حيّ ". ولمّا
كان لقب " المسيح " قليل الوضوح للقرّاء، فإنّه يوضّحه باسـتعـمال لقب "
المخلّص ". كان الناس يسمّون الأباطرة " أربابًا "، فاهـتمّ لوقا
بالقـول إنّ يسوع هو " الرب الأوحد ". وهـو يتجنّب كلمة التغـيّر أوّ
التحوّل، لأنّهم كانوا يُخبرون بـ " تحوّلات " كثيرة عـند الآلهة...
كان أولئك
المسيحيّون يعـرفون أنّهم بالنعـمة لا بالولادة قـُبلوا في عهد الله مع إسرائـيل.
فكانوا يرغـبون في قـراءة الكتب المقدّسـة ليكتشـفـوا فيما قـصـد المحـبّة الـذى
قصـده الله.
لقد
اختبروا اختبار الروح القدس، فإن كنائسهم نشأت خارجًا عن دائرة أورشليم وهي وليدة
كلمة الله والروح القدس. وكانوا يعـرفون أنّ الإيمان بيسوع أدخلهم في تقليد، تقليد
الرسل الذي حقق لوقا لديهم باهتمام، ولكنهم كانوا يريدون أنْ يعـيشوا في حرّيّة
الروح القدس الذي كان يدفع بهم إلى إخوتهم الوثنيّين. وكانت جماعات لوقا تعـيش
الشمـولية بحكم الطبيعة، عـلى خلاف ما كانت عـليه جماعات مـتّى.
الكاتب
مـنذ القـرن
الثـانى، رأى التقـليد فى لوقـا ذلك " الطبيب الحبيب " ( قول 4/14) الذي
رافق بولس مـن طرواس إلى فيليّبي حيث أقـام عـلى الأرجح من السـنة 50 إلى 58. لحق
ببولس في مـيلة ورافقه إلى قيـصريّة ثمّ إلى رومة ( بحسـب فـقـرات أعـمال الرسل
التي يرد فيها ضـمير المتكلّم بصيغـة الجمع). لعـلّ أصـله من أنطـاكـية، فـإنّ
سلفه وثني ( أو هلّنستي؟ ). كان مـثقـّفًا يسـتعـمل بأناقة اللغة اليونانيّة الشائعـة
في ذلك الزمان.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(196)
قـراءه إجماليّة
كما سبق أنْ
فعـلّنا في درس مرقس ومتّى، يحْسن بنا أنْ نبتدئ بقراءة مؤلّفات لوقا: صفحة بعد
صفحة، كما نطالع رواية من الروايات. يستغـرق هذا الأمر كثيرّا من الوقت، ولكنكم
سترون أنّه "مريح".
الجغـرافيّة في مؤلّـفـات لوقا
الإنجيل. في المجلّد الأوّل، تجد أورشليم
في النقطة المـركزيّة. فيها وفي الهيكل يبتدئ الإنجيل، وفي الهيكل ينتهي (1/5ت و24/52-53).
وطفولة يسوع، من الناصرة إلى بيت لحم وإلى الناصرة، تبلغ ذروتها في مجئ يسوع إلى
أبيه في الهيكل (2/41ت)، ولا يتراءى القائم من بين الأموات إلاّ في أورشليم ( وهـذا
الأمر يحمل لوقـا عـلى تعـديل كلام الملائكـة في القبر، 24/6 ).
يبدأ يسوع
تبشيره في الجليل، وذلك لكي يستطيع أنْ يعود إلى أورشليم: فالقسم المركزي منظم كأنّه
صعـود إلى أورشـليم (9/51- 19/28). وفي المدينة المقدّسة يجب أنْ يتمّ سرّ الفصح، "
لأنّه لا ينبغي لنبي أنْ يهـلك في خارج أورشليم " (13/33)، إذ أنّ يسوع يحـقّـق
القصد الإلهي الـذي أنبأت به الكتب المقدّسـة، والمدينة المقدّسـة هي مـركـزه. لكنّها
رفضت يسـوع.
أعـمال الرسل. ولذلك فإن المجلّد الثاني
يُبيّن كيف أنّ الكلمة انطلقت من أورشـليم وامتدّت إلى اليهـوديّة والسامـرة وإلى
أقاصـى الأرض وكانت رومة عاصمتها.
ثلاثة أزمنة فى تاريخ الخلاص
يرى سائـر
الإنجيليّين زمنَيْن في تاريخ الخلاص: زمن الموعد وزمـن يسوع مع كنيسته. وأمّا
لوقا فإنّه، في تأليفه مجلّدين، أدق تمييزًا للأزمنة: فهناك زمن الموعـد، وزمن يسـوع،
وزمن الكنيسـة.
1ـ زمن الموعـد
هو زمـن العـهـد
القديم. وهـولا ينتهى، في نظر لوقا، إلاّ بآنيـّة التبشير في الناصرة (4/21). عُهد
إلى يوحـنّا المعـمدان في إعـداد شعـب الموعـد لاسـتقبال النبي، ولكنّه يبقى هو في
زمن الاستعـداد هذا (7/28). ويسـوع نفسـه ينتمى إلى هـذا الزمن، فهـو في وسـط الشـعـب
يأتي ليعـتمد عـلى يـدّ يوحـنا (3/21). إنّه ذلك الشعـب العائد إلى البرّيّة ليقوم
مرّة ثانية بالخروج الذي فشـل في المرّة الأولى (رواية التجارب )، بلّ إنّه البشريّة
كلّها، وآدم الجديد، واضعـًا نفسـه أخيرًا في صـلة حقيقية بالله (النسـب الذي يرقى
إلى آدم ). ومنذ اليوم فإنّ الدخـول في ملكوت الله مفتوح لشعـب الموعد ولجميع
الناس: فلم يعُـدْ هـناك مانع من أنْ تدوّي آنيّة الله في آذاننا (4/21).
كـثيرًا
ما يسـتند لوقا إلى الكتب المقدّسـة، ولكن بطـريقة تختلف عـن طـريقـة مـتّى. لا
يحـاول أنْ يسـتشهـد بنصـوص معـيّنة، فالكـتب المقـدّسـة فى نظـره كطبقة مائيّة
جوفـيّة تعـطي الأحداث حياة ومعـنى. فيستمر يسوع في الإرتواء منها قبل أن يفتح أذهان
تلاميذه ليفهموا الكُـتب يوم الفصح (24/45). ولذلك نرى يسـوع يُكـثر من اسـتعـمال "
يجب ": ليس مراده أنْ يخضع خضوعًـا أعـمى لبرنامج سبق إعداده، بلّ بالأحـرى أنْ
يبتكر حياته جاعـلا إيّاها في استمـراريّة القصد الإلهي ( راجع الصفحة 227).
2. زمن يسـوع: الإنجـيل
يسـتخدم
لوقا مواد أخذها مـن التقليد: إنجيل مرقس ( أو إنجيل مرقس في حالته الأولى ) و"
مصدر الأقوال " الذى يشترك فيه مع متى ( راجح الصفحة 129 ). لكنه يرتبها
بمهارة: مضيفًا إليها تقاليد ينفرد بها، فيعـرض لنا القصـد الإلهي كما يظهر له.
إن استثنينا
" روايات الطفولة : التى سـنعـود إليها و " زمن الاستعـداد "،
وجدنا أن خط سير يسـوع يتضمن ثلاث مراحـل كـبرى:
·
في الجليل ينبئ يسـوع بسرّه الفصحي (4/14-9/50).
والتبشير في الناصـرة (4/14 ت) هـوبمثابة " خطبة برنامحيّة " لهذه
المرحلة. يجمع لوقا بين زيارتين، الأولى حيث رُحّب بيسـوع، والثانية، وهي جرت في
وقت متأخّـر، حيث نُبِذ، فيصوّر كيف سـيتقبّلون ذلك التبشير. وفي هذا القسم، يتّبع
مرقس عن كثب، إلاّ في الخطبة في السهل ( رابح الصفحة 191 ) وفي مقطع 7/1- 8/2، حيث
يصـوّر يسـوع بصـورة إيليّـا الجـديد والنبي المصادق للخاطـئين.
·
يسوع يصعـد إلى أوشليم، إلى سرّه الفصحي (9/51– 19/28).
هذا أطرف قسم عـند لوقا: "الصعـود إلى أورشـليم " للعـبد الوارد ذكـره
في أشعـيا.
·
في أورشليم، يحقّق يسـوع سـرّه الفصحىّ (19/29–
24/53). يوم الفصح، يظهر يسوع لتلاميذه ويصعـد إلى السـماء.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(197)
3ـ زمن الكنيسـة: أعـمال
الرسـل
يسـتخـدم لوقـا مـوادّ مختلفـة، بعـضها قـديم
جـدًا. ويخـلطها أو يُعـيد كتابتها: مواضـيع تبشـير بطـرس وبولس واسـطفـانوس ( راجع
الصفحة 148 ) – " محفوظات " جماعات أورشـليم أو أنطاكية - ذكريات لنشاط بطرس وبولس – " يوميات رحلاته
" ولا شـكّ، حـين رافـق بولس ( فـقـرات أعـمال الرسـل المكتوبة بضمير المتكلم
في صيغـة الجمع ).
الهدف من
هـذا الكتاب معـروض بوضـوح عـلى لسـان يسـوع: عـلى التلامـيذ أنْ يكونوا شهـوده في
أورشـليم واليهـوديّة والسامـرة. حـتّى أقاصي الأرض (1/8). والممثلون الرئيسيّون
همّ بطرس، ثمّ الهـلينيّون وأخـيرًا بولس، ولا سـيّما الروح القـدس وكلمة الله.
يمكـننا أنْ
نبسط تصـميم الكـتاب عـلى الوجـه التالي:
1ـ من البدء إلى مجمع أورشـليم
(1/1– 15/35).
·
جماعـة أورشـليم: 1/1– 5/42.
·
انفـتاح الكنيسة للوثنيّين: 6/1–15/35.
فـيه عـرض
متتابع للنشـاط الرسـولى الـذى قـام بـه الهيلينيّون (6/1– 9/31) وبطـرس (9/32–11/18
و12/1-23) وكنيسة أنطاكية (11/19– 14/28). أدّى ذلك !لى " مجمع " أورشـليم
(15/1-11)، تلاه في وقت لاحـق اجـتماع تكلّم فيه يعـقـوب (15/12-35).
2- من أورشـليم إلى رومة:
بولس (15/36– 28/31).
فى أثناء
رحلات رسـوليّة، أنشأ بولس جماعـات في آسـية الصغـرى وفي أوروبا. وسـيق سجينًا إلى
رومة فبشـر فيها بالإنجيل برباطة جأش.
مقـدّمة لاهـوتيّة: لو1ـ2
ما نسمّيه
" روايات الطفولة " هو في الواقع مقدّمة لاهـوتيّة لمجمل مؤلّفات لوقا:
الإنجيل وأعـمال الرسل. عـلى غرار ما رأينا في متّى 1- 2 ( راجع الصفحة 188 )، نحن
أمام نوع من مقدّمة للفلم الذي يعـرض فيه لوقا مسـبقـًا جميع مواضيعـه الكبرى. قـد
يكـون مفـيدًا أنْ نكتشـف المواضيع الرئيسية في ترتيب ورودها.
أورشليم
والهيكل: الصلاة (1/5ت).
يسـوع ابن
داود، وابن الله، تسـتقبله في الإيمان مريم، بنت صـهـيون. دور الروح القدس (1/26-38).
دور النساء،
الروح القـدس، الصـلاة، إذلال الأغـنياء والمتكـبّرين ورفـع الوضـعاء (1/39-56).
اسـم
يوحنا الذي يعـني: " الله يسامح "،
وافتقـاد الله لشعـبه (1/57-80).
البشرى
للفقراء ( الرعاة ): مخلّص ومسيح وربّ. آنيّة الله. المجد الذي يُشـع من هذا الطفل
عـلى الجميع. والنتيجة: الفرح لجميع الناس. يوحى هـنا بجوهـر الغاية المنشودة من أعـمال
الرسـل، وبدور المرسـلين في العالم، وبدور بطرس وبولس وبدورنا (2/1– 21).
والهيكل
أيضًا والروح القدس، والصلاة، والنور للوثنيين. ويسـع الآية المعـرّضة للرفض،
والذي يجب الاختيار أمامه (2/22- 39).
فى ذروة
تلك الطفولة، الهيكل وأوّل كلمة اسـتعـملها يسـوع لتسـمية الآب. والصعـود الأوّل إلى
أورشليم والذي يوحي بالصعـود الأخير: اختفاؤه مدة ثلاثة أيام، وبحث النساء عـنه،
والآب، " يجب" " أنْ أكون
عـند أبي " أو " أنْ يتألّم المسيح ليدخـل في مجده ".
|
بعـض مـلامح مـؤلّـفـات لـوقـا إنّ إنجيل لوقا هو أشدّ الأناجيل " عـصريّة ". كاتبه مدين
لثقافـته اليونانية بحبّ الوضوح، وهو يسـتعـمل بأناقة اللغة اليوناية الشائعة فى
ذلك الزمان. ولكنّه قادر أيضًا عـلى تقليد لغة الكتاب المقدس اليوناني، المتّسـمة
بمسـحة من التراكيب السـامـية، ويظهر هـذا خاصة في روايات الطفولة. يحبّ أنْ يقطع سياق روايته بـ " مـواقـف " أو موجـزات يلخّص
فـيها الوجوه التي يريد أنْ يحفظها القارئ أو ما تقدّم إليه العـمل. فهناك ثلاثة
موجـزات تعرض نشاط جماعة أورشـليم ( رسل 2/42). فـنموّ كلمة الله مذكور في رسل 6/7
و12/24 و13/49 و19 /20، والعـبارة " نصعـد إلى أورشـليم " تشـدّد عـلى
مقـطـع الإنجـيل الرئيسـيّ. لوقا مؤرّخ ماهـر، فإنه يهتمّ بتحـديد وضع الأحداث في مجـرى التاريخ
(2/1– 3 و3/1- 2)، ولكنه، من جهة أخرى، لا يعرف فلسطـين معـرفة جيّدة وهو غـير
مطّلع عـلى طريقة بناء البيوت فيها ولا عـلى مناخها، وكـثيرًا ما يكتفي بتدوين
ملاحظات زمنيّة مبهمة: " ذات يوم...". ذلك بأنّ اهـتمامه اهـتمام لاهـوتيّ
خاصّة. يلفت نظر القارئ حنان الكاتب نحو يسوع ونحو الفقراء والنساء والخاطئين.
قال دانته إنّ لوقا هو " إنجيليّ حـنان الله ". |
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(198)
بعـض النصـوص فى مؤلّـفـات لـوقـا
برنامج يسـوع: لو4/14ـ 44
في إنجيل
متّى، خطبة يسوع البرنامجيّة في العـظة عـلى الجبل والمعجزات التى تليها. أمّا في
لوقا، فهي خطـبته في الناصرة.
إبدأ
بقراءة هذا النصّ بانتباه. ما هي الأماكن: الجليل واليهـوديّة، بلّ المجمع أيضًا (
مكان الدين اليهوديّ )، خارج المدينة... من هم الممثلون؟
إبحث عـن
الكلمات الـرئيسـيّة: الروح – البشـرى – الفـقـراء - اليوم - إيليا - مضى – الكلمة...
ضع نصّ أشعـيا
المستشهد به في إطاره التاريخي ( راجع الجزء الأول، الصفحة 77 ). ما هو، في هـذا
الإطـار، صدى كلمات كفقير وحـرّيّة...؟ أين يوقف لوقا نص أشعـيا؟ لماذا؟.
ابحث عن
التضمين الذي يضع حـدود هذه الوحدة الأدبيّة ( التضمين: اسلوب يقوم عـلى تكرار الكلمات
ذاتها في بداية فقرة ونهاية للدلالة عـلى أنّنا أمام وحدة أدبيّة ): التعـليم او
الإعلان أو التبشير في المجامع (الآيات 15 و19 و44)، الجمـيع والجمـوع (الآيتان 15
و42) وبشّـر (الآيتان 18 و43) وأرسل (الآيتان 18و43). كيف تصبح روايات المعجزات
الثلاث مع فعل انتهر ( أو زجر) تحقيقًا عـمليا لهـذا البرنامج؟ ( راجع الصفحة 131).
لاحظ عدم
ترابط الرواية: لماذا هذا التحوّل الفجائىّ في الموقف في الآية 22؟ هل سـبق ليسوع أنْ
أجرى معجزات في كفرناحوم في إنجيل لوقا ( الآية 23 )؟ راجع " التركيب "،
المعروض في الصفحة 131.
بعـد هـذا
الدرس، عـدْ إلى مُجْمل النصّ.
من هـو يسـوع؟
أنظـر إلى ألقابه ( الآيات 18 و34 و41: إيليـّا الجديد )، إلى سـلطة كلامه (الآيتان
32و36) وتمجـيده ( الآية 15: في الآيات الأخرى : لا يمجّـد إلاّ الله )...
ما هي رسـالته
(الآيتان 18- 19)؟ التحرير مجسّـد بالمعجزات الثلاث ( راجع رسـل 10-38). إلى من تُوجّه
هذه الرسالة: أإلى اليهـود ( وطنه، المجمع ) أمّ إلى الوثنيّين ( مثل إيليا وإليشاع
)؟ كيف يكـون اسـتقبال اليهـود لهـذه الرسـالة؟.
ما هـو شعــور
يســوع بهـذه الرسالة؟ أنظـر إلى فعـل " مضى " (الآيتان 30 و44). كـيف
تربط هـذا بالتطويبات؟
برنامج الكنيسـة: رسل 1/12 ـ 2/47
إنّ خطبة
بطرس ( التي سـبق درسها في الصفحة 148) النازلة فى رواية العـنصرة هي الخطبة
البرنامجـيّة للكنيسة الناشـئة. سـنهتم هـنا بالوجـه الإجمالى.
إبـدأ
بالبحث عـن التضمين الـذي يضع حدود هذه الوحدة الأدبيّة: هم، وجميعًـا ( مجموعة الـ
120)، ومواظبين، والصلاة (1/14 و2/42)، ومحتشدين، وجماعة واحدة (1/15 و2/44 و47).
فينتقل عددهم من مجموعة 120 إلى مجموعة "120 ضمّ الله إليهم ثلاثة آلاف
" (2/41 و47). يُبيّن النصّ ما تحـتاج إليه الكنيسـة للتبشـير والنمـوّ.
لاحظ
الكلمات المتكررة في الفصل الثاني ( تترجم أحيانا بكلمات مختلفة في كتابنا المقدّس
): لسان أو لغة (الآيات 3و 4و11) ولُغة بلد (الآيتان 6 و8) وصوت (الآيتان 6 و8) وتكلّم
(الآيات 4 و7 و31).
ابحـث عـن
الممثلين. أنظر خاصّةً إلى دور الله ويســوع والروح القـدس والتلامـيذ.
تبدو العـنصرة
اكتمال سـرّ المسيح والإشارة إلى ارتفاعه - وبداية لسـرّ الكنيسة. كيف تعـبّر عن ذلك؟.
كان عـيد
العـنصرة اليهودي يحتفل في ذلك الزمان بإعـطاء الشريعة في سيناء. هل ترى وجه شبه
بين هـذا الحدث كما كانوا يروونه في ذلك الحين ( راجع النصّ المحاط بإطار ) ورواية
لوقا؟ كان ذلك العـيد اليهودىّ عـيد العهد
الجديد ( أعد قراءة أر 31/31 ت وحز 36/26) وكانوا يقرأون في أثنائه المزمور
68 ( راجع الصفحة 151). إنّ الروح هـو الهـبة التى يهبها يســوع " المرفوع
" لكنيسته.
كان صوت
الله يخرج فيما مضى من سيناء، وأمّـا الآن فإنّه يخرج من الكنيسة، وهي صوت الله في
العالم.
|
تأمّل اليهود في خر 20/18: في سيناء، كان الشعـب يشاهـد الأصوات
والرعود. كتب فيلون الفيلسـوف اليهودي، وهـومعاصر يسـوع: " بما أنّ الله لا
فمّ له، فقد قـرّر بخارقة أن يخرج في الهواء صوت غـير منظور، نفسٌ ملفوظ بكلمات
يحوّل الهواء إلى نار ملتهبة فيُخرج دوي صوت حتى يسـمعه الأباعد والأقارب... كان
صـوت يدوّي من وسط النار الهابطة من السـماء ويرتبط بلغة البلد المألوفة عـند
السامعـين ". وقال الربّاني يوحنان ( بين السنة 90 والسنة 130) إنّ صوت الله
انقسم إلى 70 لسانًا. وبما أنّ في العالم 70 أمّة وثنيّة، فى نظر اليهود، فيعـني
ذلك أنّ الشريعة موجّهة إلى جمـيع الناس. |
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(199)
مجد ابن الله: لو9/28ـ36
ترد أيضا
رواية التجلي في متى (17/1-9) ومرقس (9/2-10) ويوحنا (12/28) وبطرس (2بط 1 /16-18).
هـذا نصّ هام يتطلّب درسـًا مستفيضًا. ولكن عـلينا أنْ نكتفي هـنا ببعـض ملاحظات
لا بـدّ أنْ تتحقق منها في النصوص.
في حياة يسوع. يقع الحدث في أواخر خـدمة يٍسوع
الرسوليّة في الجليل: تركته الجموع التى تبعـته، وشدّد الرؤساء اليهـود عـلى ضغـطهم.
وشعـر يسوع بأنّه يزعج العـديد من الناس، فإن اسـتمرّ في عـمله، عرّض نفسه للموت.
ومع ذلك فقد قبل ذلك كخطر مرتبط بإخلاصه لرسـالته. فصعـد إلى أورشليم غـير واهـم
للمصير الذي ينتظره وأنبأ به تلاميذه.
في هـذا
الإطار، يبدو التجلّي جوابًإ من الله إلى أمانة يسوع وإلى قلق التلاميذ: في اختبار
روحي، وباطـني عـلى الأرجح، كان في مـتناول التلاميذ الثلاثة، أظهر الآب ليسـوع أين
ينتهي " صعـوده ": فما وراء الموت، ينتظـره المجـد الذي وعـد به ابن الإنسان
في آخـر الأزمـنة ( راجع دانيال 10).
ففي سـاعات
الشكّ التى لا نعود نعرف فيها ما يجب عـلينا أنْ نعـمل، نلتفت إلى لحظات النور
التي تظهر لنا فيها دعـوتنا ورسالتنا واضحة، فـنثبت في الإخلاص إلى هذا النور.
وكذلك فإنّ يسوع والتلاميذ سوف يستطيعون أنْ يستمدّوا، من هذا الاختبار النيّر،
القدرة عـلى الدخـول في النزاع والآلام. وليس عَـرضًا أنْ يكون بين هـذين المشهـدين،
بين التجـلّي والنزاع، كثير من النقاط المشـتركة.
بعد الفصح، عـلم التلاميذ بأنّ مجـد الله
قـد غـمر يسـوع منذ قيامته. في ضـوء الفصح، وقد شـعـر به يسـوع وتلاميذه مسـبقا في
رواية التجلّي، نراهـم يصعـدون إلى الموت. وهذا هو الوجه الذي يشـدّد عـليه مـتّى
ومرقس.
أمّـا لوقـا، فقد عالج هـذا الموضـوع
معالجة خاصّة: صعـد يسوع إلى الجـبل للصلاة (الآية 28) وفي أثناء الصلاة (الآية 29)
وطـوال الليل (الآية 32) اختبر هذا الاختبار. وبانحداره إلى أصول كيانه، شعـر
بالمجد الذي أحاط به منذ ميلاده، فاسـتطاع، بالحوار الباطني مع صـوفيّي العهـد
القديم، مع موسـى وإيليا، أنْ يواجه " خروجه " بسـكينة (الآيـة 31): مـوته
وارتفاعه.
يريا لوقا
التلاميذ يدخلون في الغـمام (الآية 34) و يشـدّد عـلى الصـلاة، وبذلك يذكّـرنا
بهـذا: "بإمكانكم أنتم أيضـًا أذْ تعـرفـوا شيئًا من ذلك الاخـتبار،
وبإمكانكم، فى الصـلاة، أنْ تشتركـوا فى مجـد المصـلوب هـذا وأن تحـيوا حـياتكم
اليومـيّة فى ضـوء هـذا الإيمـان".
العـبد يصعـد إلى أورشـليم: لو9/51 ـ62.
إنّ القسم
الرئيسي من الإنجيل (9/51 – 19/28) منظّم كـ " صعـود إلى أورشليم ".
والمقدمة عـلى معـناه في نظـر يسـوع وعـلى ما يفـترضه في التلاميذ.
" عزم
يسوع عـلى الإتّجاه إلى أورشـليم "، أو حرفيًا: " ثبّت وجهه للصعـود...".
يشير لوقا إلى أش 50/7، وبذلك يصـوّر يسوع كالعـبد المتألّم الذي يسير بهـدوء إلى "
ارتفاعه "، أي إلى موته ورفعه ( راجع الصفحة 225 ).
إنّه إيليّا
الجـديد ( راجع الآية 61 التى تشير إلى 1 مل 19/19)، المخلص لرسالته، والمخطوف
بالروح، لا إيليّـا الموافـق لتقليد يهـوديّ معـيّن والـذي يصبّ غـضب الله عـلى أعـدائـه
( الآية 55).
ينبّه يسوع
تلاميذه: فالسير وراءه يقتضي بذلاً تامًا للنفس تتقدّم فيه متطلّبات الرسالة عـلى
كلّ شئ ( الآيات 57-62: وضـع متّى هـذه الآيات في مطـلع رواية تسـكين العاصـفة:
راجع الصفحة 180).
الـبُرص العـشرة: لو 17/11ـ 19
يمكن قـراءة
هذا النصّ بحثًا عن معـرفة مواضيع لوقا الكبرى، ولاسيّما المواضيع التي يتوسّـع فيها
في " الصعـود إلى أورشليم ".
يرد فعل "
صعـد " في البداية وفي النهاية" " بينما هو صاعـد " و" قُم
فاصْعَـدْ " ( راجع الآيتين 11 و19، وراجع أيضًا 9/51 و53 و57 و10/1 و13/22 و23).
عـلى ماذا يدلّ ذلك في شأن طـريقة يسـوع في مواجهة حـياته وحـياة التلميذ؟.
" رحماك
يا يسوع، أيّها المعـلّم ". إنّ إيمان البرص العـشرة لعجيب. إنّهم ينادون
يسوع باسـمه، كما سـيفعل اللصّ عـلى الصليب (23/42) فينال الخلاص هـوأيضًا. "
المعـلّم ": ينفرد لوقا بإطلاق هذا اللقب عـلى يسوع، وهو لقب يوحي بالقدرة (5/5
و8/24و9/33و49). و " رحماك " تنادي الله بأعـمق ما فيه: بحـنانه ورحـمـته.
كيف يُسمّى
الأبرص؟ بالتتابع: أحد العـشرة، والسـامريّ (الآية 16)، والغـريب (الآية 18). في
ذلك دليل عـلى روح لوقا الشمولية: فإنّ السامريّين ( راجع رسل 8) والوثنيّين أفضل سـماعًا
للبشرى من اليهـود.
" يسـوع
ابن الله ": يسـجـد الأبـرص شـاكـرًا، وهـذا لا يُعـمل عادة إلاّ لله. فالخـلاص
مفـتوح مـنذ اليـوم للجمـيع، لليهـود والـوثنيّين، بالإيمـان بيسـوع فـقـط.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(200)
المقـدّمة اللاهـوتيّة: لو 1ـ2
هـذان
الفصلان مقدمة للمؤلّـفين: للإنجيل وأعـمال الرسل، وهمـا مليئان بالمعاني. إليك
بعض الاقـتراحات:
إبحث عـن
التصـميم. اكتب في عـمودين عـنوان الأحداث، فيكون عندك توازٍ بين طفولتي يوحنا
المعــمدان ويسـوع تربـط بينهما زيارة مريم إلى أليصابات.
ادرس الصـلـوات:
نشـيد مريم ونشـيد زكـريا ونشيد سمعـان. اسـتعـن بالمراجع الهامشيّة الموجودة في
كتابك المقـدّس لترى كيف أنّ الصلاة المسـيحـيّة تتغـذّى بالعـهـد القـديم وتعـطـيه
معـناه.
إبحـث عـن
المواضيع التى يتوسـّع فيها لوقـا في مؤلّفاته ( راجع الصفحة 197 ).
يمكنك منذ
الآن انْ تدرس رواية البشـارة لمريم ( راجع الصفحة 226 ).
مـيلاد يسوع: لو2/1 ـ 20
الحدث (الآيات 1–7). إذا خلعـنا عن هذا الحدث الفلكلور الذى ألبسناه إيّاه،
وجدناه أنّه رائع ككلّ ميلاد، ولكن مبتذل. إنّ القاعة العامّة التي تعـيش فيها
العائلة كلّها غـير صـالحة للولادة، ولذلك فقد لجأت الوالدة إلى المكان الوحـيد الـذي
تجـد فـيه العـائلة القـرويّة الهـدوء والـدفء، أي الإسـطـبل.
الوجه غـير المنظوو للحدث (الآيات 8 –20): يتناوب
الملاثكة والرعاة عـلى التبشير بهذا الحـدث، بينما يُنير مجـد الله جمـيع الناس
وجمـيع الأشــياء ( الآيات 9 و14 و20 ).
الملاك يُعْـلن البُشْرى ( يُبشّر):
ترد هذه الكلمة 15 مرّة تقـريبًا في أعـمال الرسـل وهي توجـز عـمل المرسـلين
المسيحيّين ( 5/42 و 8/4 و12 و25...). قارن بين الآية 12 ورسل 2/36 و5/42 و11/20
و13/33- 36 وفـل 3/20 ).
الرعاة. استعـمل الترجمة الحرفـيّة
الواردة في هذه الصفحة، وضع خطًا تحت الكلمات التي تتكرّر ولاحظ مكانهـا وما يعـمله
الرعـاة وفئتي السامعـين ( الآية 18: جميح الـذين، و 19 : مريم ) وموقـفـهم.
تكـلّم: كـثيرًا
ما يـرد هـذا الفعـل في أعـمال الرسـل، وهـو يـدلّ عـلى المرسلين المسيحيّين. لم
يأت الرعـاة ليسـجـدوا، بلّ " ليعـظوا "!
أطـلع عـلى
( أخبر بـ ). يعـبّرهـذا الفعـل في أكـثر الأحيان عـلى ما أوحى به الله أو يسـوع إلى
التلاميذ وما يُبلّغـونه للجـمـيع، مثلاً: يو 15/15 و1 قو15/1، 2قو8/1 وأف1/9 و3/3
و5 و6/19.
فقـد رسـم
لوقـا صـورة الرعـاة عـلى مـثال المرسـلين المسـيحيّين، فأصبحـوا مثال ما يجب عـلى
كلّ مسـيحيّ أنْ يعـمل في العالم.
نشـأت فـئتان
من السـامعـين: أي موقـفـان وجـدهما يسـوع مع تلامـيذه . الجميع ( الذين سـمعـوا
رسـالة يسـوع اوالكنيسـة عـلى مـرّ الأجـيال ) تعـجّـبوا: تـدل هـذه الكلمة عـند
لوقا عـلى موقف قبول عابر: لا اصـل له (4/22 وراجع 8/13). أمّا مريم، فإنّها صورة
سابقة للذين يسمعـون الكلمة ويدعـونها تختمـر فيهم.
لاحظ
انزلاق معـنى لفظ " كلمة " ( ربما
في اليونانيّة ): فـالرعـاة سـمعـوا " كلمة لُفظت " ( الآية 17) وجـاؤوا
لـيروا " كلمة حدثت ": طـفـل ( الآية 15). الكلمة صار بَشَـرًا!
15 . فَلَمَّا انصَرَفَ
الـمَلائِكَةُ عَـنهُم إِلى السَّماءِ،
قالَ الرُّعاةُ بَعـضُهُم لِبَعـض:
" هَـلُمَّ بِنا إِلى بَيتَ لَحم،
فَنَرَى ما ( الكلمـة ) حَدَثَ،
ذاكَ الَّذي أَخبَرَنا بِه الرَّبّ ".
16 . وجاؤوا مُسرعـين،
فوَجَدوا مريمَ ويوسُفَ والطِّفلَ مُضجَعـاً
في الـمِـذوَد.
17 . ولَـمَّا رَأَوا ذلكَ،
جعَـلوا يُخبِرونَ بِما ( بالكلمـة ) قيلَ
لَهم
في ذلك الطِّفْل.
18 . فَجَميعُ الَّذين سَمِعـوا
الرُّعاةَ
تَعَـجـَّبوا مِمَّا قالـوا لَهم.
19 . وكانَت مَريمُ تَحفَظُ
جَميعَ هذهِ الأُمور ( الكلمـات )،
وتَتَأَمَّلُها في قَـلبِها".
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(201)
إنْ أردت
الدخـول في رواية لوقا، فلا تقرأها، بل تأمّل فيها كما فعل التلمـيذان فى طـريق عـمّاوس،
حـين أضرم قلبيهما كلام يسوع وحضوره، إذ كـان يشرح لهما الكتب. وفي هذا الطريق الأليم،
يسير يســوع معـنا، وإنْ حُجـبت أعـيننا عـن معـرفـته.
إنّ رواية
لوقا تتّسم كلّها باللطف والحنان نحو ربّه يسـوع. لم يَقـوَ عـلى ذكر بعـض التفاصيل
الشنيعة: فلم يكتب أنّ يســوع جُـلد، وأن يهـوذا قـبّل يسـوع، بلّ أنّـه "
دنا " منه ليقـبّله...
ومع ذلك
في يَخْفَ عـلى لوقا ما أعـظم الصراع الهائل القائم بين يسـوع وقوّات الشرّ، فالآلام
هي المعـركة الأخـيرة والحاسمة. خرج منها يسـوع منتصـرًا بفضل ثباته وصموده في
المحنة لأنّـه في يدّ الله.
إنّ
الآلام مصوّرة كلّها كآلام باطنيّة. فالمعـركة الحاسـمة وقعت في بستان الزيتون: في
هذا الصراع الباطني - نزاع – سـال دمّ يسوع. وبعد أنّ قوّاه الله، كما جرى لإيليّا
فيما مضى (1مل 19/5 ت)، خرج منها منتصرًا وسـكنت نفسه وأسـلم أمره إلى الآب وأصبح
قادرًا عـلى إهمال ألمه الشخصي ليكون في
خدمة الآخرين: فاسـتقبل يهوذا بلطف وشفى الخادم الذي قطعت أذنه وحوّل قلب بطرس
بنظره (22/61) وخاطب النساء اللواتي كنّ ينحْـن عـليه وغـفر لجلاديه ووعد اللصّ
بالفردوس... إنّ يسوع هو الشهـيد القوي النفس والعـظيم الرأفة حتّى إنّه حوّل قلوب
جلاديه والذين حكمـوا عـليه: أعـلن بيلاطس براءته ثلاث مـرّات، كما فعلت النساء
والشعـب واللصّ وقائد المئة...
يسـتطيع
يسوع الآن أنْ يموت ساكن النفس. فالصراخ الذي أطلقه عـلى الصليب لم يعد صيحة الألم
البشري أمام الموت، بل هو صلاة المساء التي يتلوها كلّ يهـوديّ: " في يديك أجعل
روحي ". ولكنه أسـبقها بالكلمة التى تدلّ عـلى ألفـته الغـريبة بالله: "
يا أبت ".
وهكذا فإنّ
لوقا يدعـونا إلى الدخـول مع يسـوع في آلامه، والاعـتراف بضعـفنا مع بطرس، والشعـور
بنظرة يسوع الغافرة إلينا، وحمل الصليب وراءه عـلى مثال سـمعـان القيريني، والاسـتسلام
معه بين يديّ الآب.
إنّ العـشاء السرّي (22/14– 38) هو قبل كلّ شيء عـشـاء الوداع، الذي عـبّر
يسوع فيه عن اتكاله عـلى الله وأعـطى تلامـيذه وصاياه الأخـيرة. وهو أيضًا البادرة
النبويّة التى عـبّر بها عـن معـنى مـوت الشهـداء: افـتتاح العهـد الجـديد.
أمّا النزاع في بستان الزيتون، الـذي تلاه القبض عـليه (22/39-53)،
فهو الساعة الحاسـمة التي انتصر فيها يسوع عـلى قوّات الشرّ. بعد أن قوّاه الله. كما
قوّى إيليّا، دخل في ليل الآلام سـاكن النفس مسـلّمًا أمــره لمشـيئة الآب.
افتُتحت الدعـوى أمام مجلس اليهود (22/54–71) برواية إنكار بطرس. وكأنّ لوقا يقول لنا:" إنْ لم
تقدر عـلى إتّباع الآلام كالقدّيس، فإنّك تقـدرعـليه كالخاطئ المعـفـوعـنه، لأنّ
نظر يسوع من شأنه أنْ يخـلـق فـيك كائنـًا جـديدًا ".
يقسّـم
لوقا سـؤال عـظـيم الكهنة إلى سـؤالين. وهـكـذا يُعْـلن يســوع بوضوح أنّه المسيح
وأنّه ابن الله.
وفي أثناء
الدعـوى أمام الحاكم الروماني (23/1-25)، أعـلن بيلاطس
ثلاث مرّات أنّ يسوع بريء. وأمّا رواية المثول أمام هـيرودس، فهي تعـني عـلى الأرجح
أنّ الإنسان لا يسـتطيع أنْ يهتمّ بيســوع اهـتمـام الفضـولي.
في الجلجلة (23/26-49)، أعـلن يسـوع عن براءته للنساء اللواتي
كنّ ينحنَ عـليه وعـزاهـنّ. وطلب إلى أبيه أنْ يغـفـر لجلاديه. وفتح الفردوس للصّ
الذي وثق به حتّى أنّه سمّاه باسـمه. ومات في سـلام وفي يـديّ الآب.
أعدّت
النساء دفنه (23/50-57) بحنان واستعـملن كلّ تلك الطـيوب
ليحفظنه في قـبضة الموت. لم يكـنّ يعـلمنَ بأنّ " قـد بدت أضـواء السـبت "
( الآية 54)، لا بـلّ أضـواء القـيامة.
آلام التلاميذ. مـنْ المفيد أنْ تقرأ بالتتابع مختلف روايات آلام التلاميذ التي ركّبها لوقا عـلى رسم بياني واحد: إنّ آلام
الكنيسة تجعل آلام المسيح حاضرة ( رسل 4/23-31)، وحُكم عـلى استفانس للأسباب نفسها.
مات غافـرًا وعـيناه محدّقتان إلى القائم من بين الأموات ( رسل 6/8-15 و54-60) و
" صعـد بولس إلى اورشـليم " كما فعـل معـلّمه، ليشهـد فـيها ( رسل20/22ت
و21/ 11 ).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(202)
إنّ لوقا
لم يعرف يسوع معـرفة شخصيّة. فالذي اكتشفه أولاً ليس هو ذلك النبي المتجوّل في
الجليل، بلّ الرب المُمَجّد الذي أظهر نفسه لمعـلّمه بولس في طـريقه إلى دمشق،
والذي أبصر وجهه في جماعة كجماعة فيلبّس، حـيث كانت شدّة حـبّه قـويّة حتّى أنّها مكّـنت
كرائم النساء كليدية وحمّالى المرفأ القريب من العـيش في مشاركة واحـدة، والذي وجـد
ملامحه في ذكـريات الشهـود الذين استجوبهم.
الرب يٍسوع. ينفرد لوقا بإطلاق لقب "
الرب " عـلى يسوع، حين يذكر اسـمه. فإنّ مجد الفصح ينعـكس عـلى حـياته الأرضيّة،
وذلك المجد يحيط به منذ ميلاده (2/9 و32). وليس التجلّي اسـتباقـًا لمجد الفصح
المستقبل ( متى ومرقس ) بقدر ما هو بروز للمجد الذي له منذ الحـبل به، لأنّه ولد
من الروح (9/32). فالمجد الذي سـيُظهـره كابن الإنسان هـو مجـده (9/26، قارن بين هذا
ومتّى 16/27 ومر 8/26). والجميع يمجّـدونه ( 4/15 )، مع أنّ الإنسان لا يمجّـد إلاّ
الله.
إنّ يسوع
ملك ( هذا أقـرب إلى العـقلية اليونانية ). ذكر لوقا هذا اللقب سـتّ مرّات، وهو
ينفرد بذكر هـذا اللقب (1/32- 33 و19/12 ت و28 ت و22/28 ت و67 ت و23/40 ت ).
يعـلم بأنّ
يسوع اتّخذ منصبَيه كرب ومسيح بقيامته من بين الأموات ( رسل 2/36)، ولقد أمكن ذلك
لأنّه رب ومسيح في كيانه نفسه، كما ورد في روايات الطفولة. وليس لقب ابن الله مجرّد
اعـتراف بلّ بدوره ( يعادل لقب ابن داود )، بلّ هـو تأكـيد لطبيعـته (1/35و22/70 ).
روح يسوع. لا ترد هذه العـبارة إلاّ
مرّتين في العهد الجديد ( رسل 16/7 وفل 1/19 - روح المسيح في روم 9/2و 1بط 1/11).
لقد غـمر روح الله يسوع حتّى أمكن القول إنّه روحه! حُبل يسوع بقوّة الروح (1/35)
وظهر الروح في الاعـتماد (3/22) وقاد يسوع إلى البرّيّة (4/1) وأحاط به ليجعل مـنه
حامل البشرى (4/14 و18) وبدافع منه تهلّل يســوع (10/21).
وحين مُجّد
يسوع، نال الروح من الآب ليهـبه لنا ( رسل 2/38) إنْ طلبناه إليه ( لو11/13، وقارن
بينه وبين متى 7/11). تبدو أعـمال الرسل " إنجيل الروح القدس " الذي ينعـش
جماعة العـنصرة كما أنعـش يسـوع وشـهـود حياته الأوّلـين ( لو1/15 و41 و67 و2/25-26).
إنّ يسوع
هو النبىّ الذي عـُهد إليه بكشف الله
( 7/16 و39و24/19 ورسل 3/22-27 )، وموته موت نبي (13/33 ورسل 7/52). يُظهره لوقا
بمظهر إيليّا الجديد ( راجع الجزء الأوّل، الصفحة 46).
إنّ الوجه
الإلهي الذي يكشفه هو قبل كل شيء وجه حنان الآب لجميع الناس. والفقرة الرئيسيّة التي
يُظهر فيها لوقا يسـوع بمظهر النبي (7/11-50) تنتهي بالغـفـران للخاطئة. ويسوع
نفسه يشعـر (7/13) بتلك المحبّة التى " استولت عـلى أحشاء " الآب (15/20).
والتي يجب أنْ تكون محبّة التلميذ (0/33).
إنّ مجيء
يسوع هو افـتقاد الله. كان هذا الافـتقاد عـند الأنبياء إنذارًا بالدينونة، فأصبح
عـند لوقا بُشْرَى خلاص وسنة قبول ( 4/19 وراجع 1/68 و78 و7/16 و19/44 ). إنّ في
موقف يسوع ما يجعل محبّة الآب هذه منظورة: فهو صديق العـشارين والخاطئين (7/34).
إنّه المخلّص المُحرّر من الشيطان الذي يقبض عـلى القلوب، ومن الشرّ الذي يعذّب
الأجساد. إنّ يسوع هو صديق الخاطئين لأنّهم في حاجة إلى الله كما يحتاج المريض إلى
الطبيب (5/31)، لا بلّ بالأحـرى لأنّ الله يحتاج إليهم ليُظهر غـفـرانه (15). يُبْدي
لوقا معزّة خاصّة للنساء. وكثيرًا ما كنّ محـتقرات ( مريم وأليصابات وحنّة ومريم
المجدلية ومرثا ومريم، والنساء اللواتي كنّ يرافـقـنه... )، وسـيلعـب بعـضهنّ دورًا
هامًا في الكنيسـة ( رسل 1/14 و16/14 و21/9...).
الإنسان أمام الله. إنّ يسوع ربّ ومسيح، ولكنّه
أيضًا إنسان تمامًا. يعيش بكمال ما يبشّر به حتى إنّه مثال الإنسان الكامل المجدّد
بالروح القـدس والعائش بين يديّ الآب: كلمته الأولى وكلمته الأخيرة نداء إلى الآب
(2/49 و23/46). يعيش في كل حين تحت نظره" وصلاته أحـد وجوه ذلك. وفي أثناء
صلاته أوحى الله إليه بما أوحى ( الاعـتماد والتجلّي ). قضى لياليه في الصلاة
(5/16 و6/12 و9/ 28) وقـد تأثـّر تلاميذه بذلك حتى إنّهم رغـبوا أنْ يُدخلهم في سرّ
صلته بالله ( الصلاة الربّانيّة، 11/1).
فشخص يسوع
نفسه هو في صميم الإنجيل. أمامه يجب الاختيار، لأنّ هـذا الكائن الملىء بالحنان هو
شـديد التطـلّـب أيضًا: فلا بُدّ من الوقوف إلى جانبه، في هذا اليوم، ولسببٍ واحدٍ
هو أنّه يسوع! وهذا الإيمان التام الذي ينال الخـلاص هـو ينبوع الفـرح الـذي يشـعّ
عـلى الإنجـيل ويجـدّد التلمـيذ.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(203)
المثل هو
في جوهـره مقارنة متوسّـع فيها بشكل قصّة. لا يهـدف أوّلاً إلى التعـليم، بلّ إلى
حمل السامعـين عـلى التأمّل في سلوكهم وعـلى الإدلاء برأيهم في أنفسهم، وهذا ما
يؤدّي إلى تغـيير هذا السلوك. وبما أنّنا نسيء الحكم في أنفسنا، فإنّ المثل يحملنا
عـلى الحكم في أنفسنا دون أنْ نشعـر! فداود مثلاً قد خطئ حين أخذ إمرأة ضابطه اوريا
وأمر بقتله. وكُلّف ناتان النبي بإشعاره بخطيئته. كان الموقف حـرجًا! فـروى له قـصّة
معـقـولة ( وكان لا بـدّ من ذلك لكيلا يحترس داود ). قصّة ملاك غـني سرق من عـند
رجل فقير نعـجـته الوحيدة. فصرخ داود: " هذا الرجل يستحق الموت! ". مُدلـيًا
هكذا برأيه في نفسه، دون انْ يشعـر. فـلم
يبقَ لناتان إلاّ أنْ يخـتم: " أنت هـو هـذا الرجل! " (2صم 12/1-15).
فالمثل هـو
مقارنة بسـيطة. وأمـّا تفاصيل القصّة فليسـت هـنا إلا لجعـل القصة معـقولة. فيجب أنْ
يلخّـص المـثل بجُملتين: كما أنّ... كذلك...: " كما أنّ ذلك الرجل قـد خطئ إذ
سـرق نعـجـة الفقير، كذلك أنت... ".
لا بد مـن
التمييز بين المـثل وفـنّ أدبيّ آخـر قرويب منه، وهـو التمثيل. إنّ التمثيل هو أيضًا
قصًة، لكنها تهـدف إلى التعـليم. إنّـه قصّة مؤلّـفـة خصـوصًا لإفهام الإنسان شيئًا
ما. وتناسب تفاصيلها حقائق معـيّنة. مثلاً قـول يسـوع: أنا الكرمة وأنتم الأغـصان...".
لا بُـدّ من
التمييز بين هـذين الفـنّين ومن مقاومة المـيل إلى تفسـير المـثل كأنّـه تمثيل،
وكثيرًا ما وقـع الناس فـى هـذا الخطأ. فمـثل السامريّ الصالح يدعـونا إلى سلوك مسـلك
معـيّن: " كما أنّه جعل نفسه قـريب الجـريح دون الاهتمـام بديانته وآرائـه،
كذلك عـليك انت أيضًا أنْ تجعـل نفسـك قـريب كلّ إنسـان ". إنّ آبـاء الكنيسـة
جعـلوا منه تمثيلاّ جمـيلاً جـدًا. ولكـنّه بعـيد جـدًا عـن النصّ: فالجريح هو
البشـرّيّة التى ضربها الشـيطان: والسامريّ هـو يســوع، والفـندق هـو الكنيسـة.
ولكن لا
نرفض أنّ يكون يســوع قـد أدخـل في المـثل بعـض الصـور التمثيليّة. هـناك صور تبدو
لنا اليوم غـير مهـمّة، ولكنها كانت توحي عـفوًا إلى اليهود بمواضيع من الكتاب
المقدّس: مثلاً، كانت الكـرمة تذكّـر بإسرائـيل، بسـبب ما ورد فى أش 5.
قـراءة مُجـدّدة للأمثال
ضرب يسـوع
أمثاله لليهـود. وفى الجماعـة أخـذوا يوجّهـونها إلى المسـيحيّين. وهذا التغـيير
في هـويـّة المسـتمعـين كـثيرًا ما يؤدّى إلى تغـيير فى المعـنى. يُعَـبّر عـنه
بنتيجة جـديدة.
وفي ضوء
الفصح، كان هـناك مـيل إلى الانتقـال من المعـنى اللاهـوتيّ إلى المعـنى المسيحيّ:
كانت أمـثال يسـوع تتكلّم عـلى الله وملكوته. وأمّـا التلامـيذ فأخـذوا يهـتمّـون بيسـوع
الذي افـتتح الملكوت.
وكان هـناك
أيضًا ميل إلى التقريب بين أمثال ضُربت في ظروف مختلفة، فأخذ معـنى كلّ منها ينعـكس
عـلى معـنى الأخـرى.
هذا وأنّ
الإطـارالذي أضفاه الإنجيليّون عـليها قد غـيّر أحيانّا معـناها. وما نقوله هـنا
ينطبق أيضًا عـلى الوحدات الإجماليّة الكُبرى. فمرقس ولوقا يضعان فصل الأمثال في
مطلع تبشير يسوع في الجليل، وفي هذه الحال، تبدو الأمثال طريقة بسـيطة لعرض ملكوت
الله. أمّا متّى فقد وضع فصل الأمثال في أواخر التبشير، حين أخذت الجموع تبتعد عن
يسوع، وفي هذه الحال، تبدوالأمـثال أوّلاً إنذارًا يُرسله يسـوع إلى الجمـوع: إنْ
رفـضتم رسالتى، فهناك الحصاد والفرز ( راجع " التركيب " في الصفحة 131).
|
بعـض القـواعـد العـمليّة رد المثل إلى تركيب بسـيط ( كما أنّ ... كذلك )، مع السهـر عـلى أنْ
يطابق معـنى القصّة. إهمال تفاصيل القصة التي لا يُؤخـذ بها فى الخاتمة. الاحتراس من النتائج الظاهـرة التي لا تطابق معـنى القصّة. المستمعـون: إلى من يوجّه يسـوع المـثل؟ إلى من يوجّهه التلاميذ؟ هل
أدّى التغـيير في هـويّة المستمعـين إلى تغـيير في المعـنى؟ هـل الظـروف التي ضُـرب فيها المثل غـيّرت معـناه؟. دوّن !لصور التمثيلية الممكنة. هل استعـملت لتفسير جديد؟. عـلى من يتكلّم المـثل: عـلى الله؟ عـلى يسـوع؟. |
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(204)
عـَمَلة الساعة الخامسة بعـد الظهـر: متى 20/1ـ
16
إقـرأ هـذا
المـثل، واقرأ أيضًا النصّ السـابق: 19/27-30.
استعـن
بالقواعد الواردة في الصفحة 203، حاول أنْ تستخلص مختلف النتائج التي نُسـبت إلى
هذا المـثل: لماذا، وكيف جـُدّدت قـراءته؟
وبعـد ذلك
فـقـط، اقـرأ بقـيّة هـذه الصفحـة.
هـذا النصّ
مثل صالح لقراءة مجـدّدة لأحـد الأمـثال. لِنعـد إلى النتائج المتعاقبة الثلاث التى
نجدها في إنجيل متى.
"
لأن جماعة الناس مدعـوّون، ولكنّ القليلين هم المختارون " (الآية 16): وردت
هذه الآية في هذا المكان في بعض المخطوطات، ويبدو أنّها أُخذت من 22/14. تظهر هذه
الجملة، ومطلعها "لأن"، بمظهر النتيجة. فهي تؤدّي إلى هذه المقارنة: "كما
أنّ ربّ الكرم دعا عـَمَلة كثيرين وأنّ القليلين أتوا، كذلك...". والحال أن
هذه النتيجة لا تطابق القصّة، إذ أنّ جميع المدعـوّين قد أتوا! فنحن إذًا أمام
نتيجة غـير منطـقـيّة.
"
فهكذا يصير الآخرون أوّلين والأوّلون آخرين " (الآية 16): هل هذه النتيجة
تطابق القصّة تمامًا؟ لقد احتج الأوّلون، لا لأنّ ربّ الكرم دفـع لهم بعد الآخرين،
بلّ لأنّه دفع لهم وللآخرين مبلغًا واحـدًا! فنحن إذًا أمام نتيجة غـير منطقـيّة.
" لأنّي
كريم " ( الآية 15 ). يدور الاهتمام حول الأوّلين والآخرين. وأمّا الفئات الوسـطى،
فلا تُذْكَـر هـنا إلاّ لجعل القصّة معـقـولة. هذه الجملة تؤدّي إلى هذه المقارنة:
" كما أنّ ربّ الكرم ليس بظالم بإعـطائه الآخرين والأوّلين مبلغًا واحدًان
لأنّه يقيس الأجرة، لا بالعـمل المؤدّي، بل بكرمه، كذلك فإنّ الله ليس بظالم بفتحه
الملكوت أمام الجميع، حتّى أمام الخاطئين، لأنّه لا يحسب بالنسبة إلى استحقاقاتنا،
بلّ بالنسبة إلى كـرمـه ".
لنحاول أنْ
نـرى أيّة أوضاع متعاقـبة تطـابق هـذه النتائج المختلفة.
يوجّـه يسـوع كلامه إلى اليهـود، وبنوعٍ خاصّ إلى النخبة الدينيّة،
أيّ الفرّيسيّين، وقد تعـثّروا بأنّه يرحّب بالخاطئين. إنّهم يتحمّـلون مشقّة
كبيرة لممارسة الشريعة، فيبدو لهم من الظلم أنْ لا تكون مكافأتهم أعـظم من مكافأة سائر
الناس، نظرًا إلى استحقاقاتهم ( راجع المثل الربّاني في النص المحاط بإطار). فيُجيبهم
يسـوع: لا تقاس المكافأة باسـتحـقاقـات الإنسـان، بلّ بكـرم الله.
في
الجماعة، تتغـيّر هـويّة مستمعي المثل: فالمثل لم يعدْ موجّهًا إلى اليهود، بلّ إلى
التلاميذ. يُحفظ المعـنى الأوّل، وهو لا يزال يصلح للمسيحيّين ( يكفينا أنْ نرى ردود
الفعل حتّى في أيّامنا: " لا فائدة، والحالة هذه، أنْ يتعب الإنسان ليستحق
السماء! " ). ولكن يجعل منه تعـليم انطلاقا من أحد تفاصيل النصّ الممثل. في
ذلك الزمن، كان الوثنيّون قد دخلوا الكنيسة قبل اليهود، إذ أنّ معـظم اليهود قد
رفضوا. فأصبحت القصّة إنـذارًا لليهـود: إنْ رفضتم البلاغ، سـبقكم الوثنيّون في
الدخول إلى الملكـوت.
وفي إضافة
الآية 16 في بعض المخطوطات ( " لأنّ جماعة الناس..." )، تشديد عـلى ذلك
الإنذار: دُعـيتم جميعـًا إلى الدخـول في الملكوت، ولكن القليلين قـبلوا في الواقـع.
وضع متى
هذا المثل بعد السؤال الذي طرحه بطرس (19/27 )، فجاء توضيحًا لجواب يسوع: تقدّم
الاثنا عـشـر عـلى الرؤساء اليهـود، مـع أنّ الرؤساء اليهـود دُعـوا قبلهم.
جعل آباء
الكنيسة والوعاظ من هذا المثل تمثيلاً، إذ إنّهم عـلّقوا بعض الأهـمّـيّة عـلى
تفاصيل ثانوية. فرأى فيه إيريناوس الدعـوى التى وجّهها الله إلى عـصور البشريّة الأربعة:
إلى آدم ونوح وإبراهيم وموسى وإلى جميح الناس بيسوع المسيح. ورأى أوريجينس وغـريغـوريوس
أنّ الله يدعـونا دائمًا، في عـصور الحياة الخمسة: الولادة والطفولة والمراهقة
والكهولة والشيخوخة. هذا صحيح، ولكننا بعـيدون جـدًا عـن المـثل!
|
في السـنة 300، روى الربّـاني
زيـرا مثلاً يشـرح فيه العـثار الـذي جلبه مـوت ربّـاني شـاب: بماذا يذكّـرنا موت الربّاني بُون؟ بملك استخـدم عـَمَلة كثيرين.
وكان أحـدهم أشدّ هـمّة للعـمل من الآخرين. فلمّا رأى الملك ذلك، ماذا فعـل؟ ذهب
بالعامل وأخذ يتنزه بصحبته في جميع الجهات. وعـند المساء، جاء العَـمَلة ليقبضوا
أجرتهم، فدفع الملك يومًا كاملاً للذي
تنزّه بصحبته. ولمّا رأى الآخرون ذلك، تذمّـروا وقالوا: " لقد تعـبنا في
العـمل النهار كلّه، وها إنّ ذاك الذي
لم يتعب إلاّ ساعـتين يأخذ وإيّانا أجرة واحدة ". أجاب الملك: " لكنّه
عـمل في سـاعـتين أكـثر مِمّا عـمـلتم النهـار كلّـه". وهذا شأن الربّاني بُون. فإنّه لم يدرس الشريعة إلاّ حتّى الثامن
والعـشرين من عـمره. ولكنّه كان يعـرفها أكـثر مما يعـرفها عـالم أو متعـبّـد لو درسـها حـتّى المـئة من عـمـره. |
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(205)
سـنلقـى نظـرة
خاطفة فى هـذه الصفحة إلى مـثلين لتوضيح ما رأينا في الصفحة 203 يُمْكِنك أنْ تبدأ
بدرسـها شـخـصيًا. وإنْ كانت عـندك إزائـيّة فاسـتعـملها.
المدعـوّون الذين تهـرّبـوا والمـدعـوّ
الذى ليس عـليه لباس العُـرس: متّى 22/1ـ 14 ولو 14/15ـ24
إن أهمـلّنا
التفاصيل الثانويّة، وجدنا أنّ المثل المشترك بين متى ولوقا بسـيط. يشعـر الفرّيسيّون
بأنّ الملكوت يحقّ لهم لما يكتسبون من الاستحقاقات فى ممارسة الشريعة، وبأنّه لا
يحقّ للخاطئين. فلماذا يرحّب يسوع بهم؟ يعـترف يسوع بأنّ الوليمة قد أعدّت للأبرار،
ولكن بما أنّهم رفضوا الدعـوة الأخيرة والحاسـمة التى وجّهها إليهم، فلا يتعـجّـب
هـؤلاء " الأبـرار " من أنْ يُعـْطى محلّهم لآخـرين.
جعل لوقا من
هذا المثل عظة للمسيحيّين. فالآيات 18-20 تتوسّع في الأسـباب الرئيسيّة ( لا سـيّما
الاهـتمام بالأمـور الزمنيّة ) التى تمنـع مسـيحيّي جماعـته من تلبية دعوة الله تلبية
تامّـة. أنظر إلى الظـروف: 14/1-14. إنّ المقارنة بين الآيات 21ب و12-14 توضّـح
الأمـور: لا يـدور الاهتمـام حـول اسـتحقاق المـدعـوّين الجـدد. بـلّ حـول رغـبة الله
اوّلاً في أنْ لا يتلاشى مسعاه.
أمّـا
متّـى فـقـد ضمّ مـثلين الواحـد إلى الآخـر.
فى وليمـة
العـرس، أضـاف صـورًا تمثـيليّة تُمكّن من قـراءة تاريخ إسـرائيل في المـثل: فالكـلام
يـدور حـول ملك ( كما أنّ الله هـو ملك إسرائيل ) اقـام وليمـة عـرس، وهي ترمز إلى
الأزمنة المسيحيّة. وإرسال العـبيد والمعـاملة السـيّئة يوحيان بمصير الأنبياء
وبإحراق المدينة وخـراب أورشليم في السنة 70.
إنّ مـثل
لباس العـرس، إنْ اتُّخـذ بمفـرده، لمحان له معـنى، وإنْ رُبـط بالمثل السابق، بدا
غـير متماسك، إذ كيف يُـلام متشـرّد اضطـّر إلى الدخــول عـلى سوء لباسه؟ فالمثل
يصبح إنذارا للمسيحيّين: فقد أدخـلهم الله فى الكنيسة عـن غـير اسـتحقاق من
قـبلهم، إلاّ أنّ الدخـول إلى الوليمة ليس هـو أمرًا تلقائـيًا ثابتًـا. فالمسيحيّون
يخضعـون هم أيضًا لحكم الله، والكنيسـة هى الزمن الذي يبقى فيه الأبرار والأشـرار
مختـلطـين ( الآية 10 )، بانتظار القـرار النهائى ( راجع مثل الزوان : متى 13/24-30
).
مـثل الكرّامـين القـتلة: متى 21/33ـ 44 ومر
12/11 ولو 20/9ـ18
ورد هذا
المثل في الأناجيل الإزائيّة الثلاثة. وهو عـلى جانب من الأهـمّيّة: إنّه أشدّ تعـبيرًا
من غـيره عن شعـور يسوع بنفسه. ضُرب ساعة بلغ النزاع بينه وبين المسؤولين اليهود
ذروته، فهـوالإنذار الأخير الذي وجّهه يســوع إليهم.
لا بدّ من
درس هذه النصوص الثلاثة عن كثب، بالإستعانة بإحدى الإزائيّات. والجدول الذي في أدْناه
يساعـدنا عـلى أنْ نرى كيف تطوّر النصّ من يسوع إلى الإنجيليّين، مرورًا بالجماعة.
يحسن بك أنْ تُـدوّن، في ثلاثة أعـمدة، خاتمات هـذا المثل: متّى الآيات 42-45. مر
الآيات 10-12 ولو الآيات 16-19.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(206)
أمـثال الملكوت: متى 13
في معـظم
الامثال عرض لملكوت الله وللسلوك الذي يجب سـلوكه أمام مجيئه الوشيك. يجمع متّى عدّة
أمثال من هذا النوع، ويُمْكنك أنْ تقرأها مستعـينًا بالجدول الـذي أدْناه. يوجّهها
يسوع إلى الجمع ويشـرح بعـضها لتلاميذه. هـذه الأمثال السـبعة تلخّص جـيّدًا مخـتلف
وجـوه الملكوت. يُعْــلن يسـوع أنّ هـذا الملكـوت يُفتتح بتبشيره، وسينمو إذًا، شرط
أنْ يكون المستمعـون أرضًا صالحة ( الزارع ). والذين يتعـجّـبون من تواضع أوائل
هذا الملكوت يجيبهم يسوع: بالرغـم من كلّ العـقبات، سيُصبح بَذر الملكوت شجرة
كبيرة أو سيخمّر العـجينة البشريّة ( الخردل - الخمير). والملكوت رائع حتّى أنّ الإنسان
ما إنْ يكتشفه، حتى يكون مسـتعـدًا لأنْ يترك كل شىء ويعيش منه ( الكنز- اللؤلؤة ).
وفي أثناء نموّه، وهو زمن الكنيسة أيضًا، يبقى الأبرار والأشرار مختلطين: هذا زمن
الانتظار والرحمة. وفي آخر الأزمـنة، يقـوم الله بالفـرز ( الزوان - الشبكة ).
يساعـدنا
ذلك عـلى التمـييز بين ثلاث حقـائق:
أنّ ملكوت
الله هو حقيقة من حقائق آخر الأزمنة سيشترك فيها الأبرار وحدهم ولكنه قد افتتح منذ
اليوم وهـو يعـمل في العالم.
إنّ ملكوت
المسيح أو ملكوت ابن الإنسان يعـمل بين القيامة والنهاية، ويمتدّ إلى العالم كلّه.
يبقى فـيه القـدّيسـون والخاطـئون مختلطـين. وفي آخـر الأزمنة، يسـلّمه المسـيح للآب
(1قور 15/24).
لا تطابق
الكنيسة ملكوت الله ( وهولا يحقّق إلاّ في آخر الأزمنة ) ولا ملكوت المسيح ( وهو
يعمّ جميع الناس، من مؤمنين وغـير مؤمنين ) والكنيسة هي المكان الخاصّ، في ملكوت المسيح،
الذي يمارس ( أو يجب أنْ يمارس ) فيه المسيح عـمله ممارسة شاقة. وانطلاقًا من هذا
المكان عادةً يُشـعّ المسـيح قـدرته ويبسـط ملكـوته عـلى العالم كلّه.
الغاية من الأمثال
إذا اسـتخـدم
يسـوع هـذا الأسلوب البسيط والمعـروف من مسـتمعـيه، فلكي يفهموا ما يقول. فكيف
يقول إذًا عـكس ذلك ( متى 13/13-15 ومر 4/12 ولو8/10 )؟ لا بُدّ من العـلم بأنّ
المقصود هنا، في نظر يسـوع كما في نظـر أشعـيا، هـو التفسـير: في الواقع لم يُسـمع
هـذا التبشير، وفي الواقع لم يهـتد المستمعـون. هـذا التفسـير ( تفسـير يسوع؟ تفسـير
الجماعة؟ ) هـو محاولة لتحديد وضع ذلك الرفض من التدبير الإلهي ( راجع الجزء الأوّل
في الصفحة 63: " سيعاقبنا الله " حيث تجد تفسيرًا مماثلاً جـدًا ).
أمثال مسلكية في انجيل لوقا
إنّ لوقا أكثر
استخدامًا للأمثال ليبيّن ما يجب أنْ يكون سلوك التلميذ. فعـليه أنْ يحـذر من المال
ومن الهموم الماديّة التى قد تخنق حياته الروحـيّة ( ألعازر 16/19-31 والغـني
12/16-21 والوليمة 14 /16–24). وعـليه أنْ يلحّ في الصلاة ( الصديق اللجوج 11/5- 8
والأرملة والقاضي 18/1-8 والفـرّيسي والعـشار 18/9-14). وعـليه أنْ يتقرّب إلى كلّ
إنسان بغضّ النظر عن جنسيته أو ديانته ( السامري الشـفوق 10/30-37). عـليه، بكلمة
واحدة، أنْ يطابق بدقّة بين سلوكه وسلوك الآب الذي يحـبّ مجّـانًا ويضع فـرحه في
الغـفـران للناس ( الخـروف الضال والدرهم الضائع والابن الضال (15) والمـدينان
(7/41-43)...
|
الزارع: |
للجمع: للتلاميذ: |
لقـد افتُتح ملكـوت الله وهـو يأتى حتمًا إنْ
قـُبل. الغـاية من الأمـثال للجمع. |
|
الزؤان: |
للجمع: الزؤان والخمير: للتلاميذ: الكنزواللؤلؤة: |
الأبرار والأشرار مختلطـون الآن، لكنّ الله سيقوم
بالفرز في آخر الأزمنة. قدرة الملكوت بالرغم من تواضع وجوهه. الغاية من الأمثال للجمع.تفسير مثل الزؤان (عـن
يد الجماعة). إنّ الفـرح باكتشاف الملكوت يساعـد الإنسان عـلى أنْ
يترك كل شيء لكي يعـيش منه. |
|
الشـبكة: |
للجمع: للتلاميذ: |
معنا ومعـنى مثل الزؤان معـنى واحد. لم يحـتج يسـوع إلى تفسـيره، لأنّهم فهـمـوا معـناه.
|
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(207)
إنجيل
يوحنّا كتاب غـريب. فالألفاظ فيه بسـيطة جــدًا، فهي ألفاظ الحياة اليوميّة، ومع
ذلك فإنّ أهل الاختصاص لم ينتهـوا من سـبر أغـواره. يسـتسهـله الأولاد ويجعل منه
المتصوّفون كتابهم المفضّل... يروي حـياة يسـوع عـلى غـرارالأناجـيل الإزائيّة، ومع
ذلك فإنّـه يختلف عـنها كلّ الإخـتلاف...
الإنجيل الروحي
سُـمّي الإنجيل
الروحي، وبالواقع فإنّـه شـهادة إنسـان وجماعـة، " أرشدهم الروح القدس إلى
الحقّ كلّه " (16/13) في أثناء تأمّـلات طـويلة. سنطلع عـلى بعـض الأمور التى
تأثّرت بها هذه الجماعة. الأمـر الجوهـري الوحيد هـو اختبار حضور القائم من بين
الأمـوات الذي تمّ في العـبادة. فكـثيرًا ما نرى الاحتفال بالأسرار- المعـمودية
والإفخارستيا - بارزًا في هـذا الإنجيل. ففي الأسرار تتّخذ أخيرًا أقوال يسـوع وأعـماله
عـلى الأرض معـناها.
جماعة يوحـنّا
يقولون عادة
إنّها كانت في أفسـس وإنّها قـد تأثـّرت بأمورٍ كـثيرة.
الفلسـفة اليونانية. كما أننا متأثـّرون بمفكّرين
قـد لا نعـرفهم، مع أنّهم جزء من الهواء الذي نتشقّه، كذلك كان اليونانيّون "
يتنشّقـون " الهلّينيّة، تلك الثقافة التى أثّر فيها بعض الفلاسفة كسقراط وابكتيتس
والرواقـيّون، والتى حاول فيلون في الإسكندرية أنْ يوفـّق بينها وبين إيمانه اليهـوديّ.
كانت جماعة يوحنا تعـيش في تلك الأجواء، كما تدلّ عـلى ذلك بعض المواضيع أو إطلاق
لقب " لوغـس " (الكلمة ) عـلى يسـوع.
الغـنوصيّة. يصعـب تحـديد هـذا التيّار،
لأنّـه يتّخـذ أشكالأ كـثيرة جـوهـرها واحد. وهو أنّ أنصارها يعـتقدون بإمكانيّة
الحصول عـلى الخلاص عـن طريق المعـرفة ( غـنوص باليونانية ). وهي مقصورة عـلى المطّلعـين.
نجـد مثلاً عـلى ذلك في إنحـيل تومـا الـذي عُـثرعـليه في مصر في السنة 1946. لاشكّ
أنّ يوحنا قد قاوم ما في جماعـته من نزعـات غـنوصيّة، وليس من الصدفة أنْ يظهر
المسيح أوّلأ بمظهر الذي يكشـف أسـرار الله.
اليهـوديّة. إنّ يوحـنا متأثـّر قـبل
كلّ شيء بالإيمان اليهـوديّ. فـقـد اسـتوعـب المواضيع الكُبرى التى تناولها
الأنبياء والحكمـاء. يسـتخـدم مواضيع الخـروج وحمل الفصح والمنّ والماء والكرمة...
ليعرّف عـن المسـيح. فـيسـوع هـوالراعـى والنور والـ " أنا هو" خاصة ( كلمة
تعادل يَهوَه )، وهي صور او ألقاب مقصـورة عـلى الله.
ازددنا معـرفة
للحسـيديم منذ العـثورعـلى مخطوطات قـمـران في السنة 1947. فهناك وجوه شبه بين تعـليم
يوحنا وتعـليمهم: الروح الـذي يرشـد إلى الحـقّ، الإزدواجيّة أوالتناقض بين
حقيقتين كالنور والظلام، والحـقّ والكذب. لكن ذلك يدلّ عـلى أنّ يوحنا والحسـيديم
تغــذّوا بنصوص العهد القديم الواحـدة.
الكاتب
من
المحتمل أنْ تكـون شخصية يوحـنا الرسول في أصـل هذه المؤلّـفـات. لكن عـمله تكوّن
عـلى عدّة مـراحل حتّى التحـرير الأخـير الـذي تمّ في حـوالى السنة 95-100. يجوز
الاعـتقاد بأنّ هناك" المدرسة اليوحـنّيّة " المؤلّـفـة من فـريق تلامـيذ
تأمّـلـوا وتعـمّقـوا في تعـاليم الرسـول.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(208)
قـراءة إجماليّة
إبـدأ بقـراءة
إنجيل يوحنا دفعة واحدة، مسـتعينا، إنْ لـزم الأمــر بالمعالم التالية:
الجغـرافية فى إنجيل يوحـنا
إنّ الجغـرافية
في الأناجيل الإزائيّـة بسـيطة وقـبل كل شيء لاهـوتيّة. أمّا جغـرافـيّة إنجيل يوحنا
فهي أوّلاً ... جغـرافـية! يعـرف الكاتب بلاده معـرفة جيّدة، ومع أن بينه وبين سائر
الإنجيليين اختلاف فى أمـر تاريخي ( فى تسلسل الآلام الزمنى مثلاً )، يمـيل اليوم أهـل
الاختصاص إلى الثقة بـه. وقـد كشف عـلم الآثار صحّة بعـض الأمور، كوجـود البركة
ذات الأروقـة الخمـسـة شـمالىّ الهـيكل.
عـند الإزائيّين،
يُبشّـر يسـوع فى الجليل، ثمّ يصعـد إلى أورشـليم للفصح، وحياته العـلنية قد لا تسـتغـرق
سـوى بضعة أشهـر. أمّـا عـند يوحنا، فإنّها تمـتد عـلى أكثر من سنتين: فإنّ يسوع
صعـد إلى أورشـليم لثلاثـة فصـوح: 2/13 و(5/1 ؟) و6/4 و11/55. ويروي يوحنا عدّة
رحلات من الجليل إلى اليهـوديّة حيث أقـام يسـوع مـدّة طـويلة، ولاسـيّما في أورشـليم
(1/19-51 و2/13-3/36 و5/1-47 و7/14-20/31).
بعـض المواضيع
لنبدأ
بالبحث عـن بعـض المواضيع التي قـد تساعـدنا عـلى اكتشاف بعـض مفاتيح التأليف الإجمـالى.
ترد كلمة "
ساعة " كـثيرًا. ولكن يبدو، تسـعَ مـرّات، أنّ لها معـنى خاصًا: يقول يسـوع أو
يوحنا إنّ تلك الساعة لم تأتِ بعـد (2/4 و7/30 و8/20). وبعـكس ذلك، فإنّ يسوع قلق يوم
الشعانين، لأنّ ساعـته قـد أتت (12 /23 و27). في مطـلع الفصل 13 شيء من العـظمة: "
كان يسوع يعـلم بأنْ قد أتت ساعـة انتقاله عـن هـذا العالم إلى أبيه..."
(13/1)، والمسيح نفسه يؤكّد ذلك لتلاميذه (16/32) ويقـوله مـرّة ثانية للآب (17/1).
وهكـذا،
في مرحلة من مراحل الإنجـيل، نـرى يسـوع يسـير نحـو ساعـته، وهذه الساعة أتت مساء
العـشـاء السـرّي. وهـذه الساعة هي ساعـة عـودته إلى الآب. وذلك مـا يرشـدنا إلى
موضع آخــر.
التناقض أعـلى / وأسـفل. هـناك العـالم الفوقاني، عـالم
الله الـذي هـو روح وحرّيّة ومحـبّة ونور، والعـالم التحتاني وهـو جسـد وعـبوديّة
وبُغـض وظـلام.
ينتمي يسـوع مـنذ الأزل إلى
العـالم الفوقاني. إنّـه كلمة الله نزل إلى العـالم يكشف لنا عـن الله ويأتينا بالمعـرفة
الحـقيقية ( أوغـنوص ). وفـصحه هـو ساعـة عـودته إلى الآب.
حياته كلها محاطة بإطار نشـيدَين: النشـيد للكلمة الذي نـزل مـن
السـماء ليتأنس (1/1-18) والصلاة الكهـنوتيّة التي صـلاها الكلمة المتجسّـد عـند عـودته
إلى أبيه (17). ولكنه، بعد أنْ نزل وحـده، فـقـد ارتفع مصطحبـًا بجميع الذين
يؤمنون به (14/3).
الإيمان. في خاتمة الكـتاب يصـرّح
يوحـنا بهـدفه: " وإنّما كتبت هـذه الآيات لتؤمنوا بأنّ يسوع هو المسـيح ابن
الله. ولتكون لكم، إذا آمنتم، الحياة باسـمه " (20/30-31). فيوحنا يريد إذًا أنْ
يدعـو إلى الإيمان. والإيمان يقـوم عـلى الإعـتراف بيسـوع مسـيحًا وابنا لله. وبما
أنّ الإيمان هـو اعـتناق حـيوي، فإنّه يرادف المحـبّة. فمـن آمـن كانت له حـياة
الابن، ومن رفض اخـتار المـوت.
الحياة والموت والمحـبة. هـذه الكلمات الرئيسـيّة
الثلاث ( أو العـبارات المعادلة لها ) موزّعة بنسبة ذات معـنى: فـثلاثة أرباع
الآيات التي يُسـتعـمل فـيها موضوع الحياة تقع في يو1/6، وثلاثة أرباع الآيات التى
يُسـتعـمل فيها موضوع الموت تقع في يو 7–12، وثلاثة أرباع الآيات التي يستعـمل فيها
موضوع المحبة في يو13-20.
هـذه العـناصـر
تجيز لنا أنْ نقـترح أنّ في الكتاب سـيرًا مُوجّهـًا، إنْ لم يكن فيه تصـميم.
|
" اليهـود" و "
العـالم" فى إنجـيل يوحـنا لا بُـدّ من الانتباه لمعـنى " يهـود" عـند يوحـنّا. فهى
تأتى أحـيانـًا بمعـناها العـادىّ ( سكّان البلد ) وأحـيانـًا بمعـنى خـاصّ (
الذين لا يقـبلون رسـالة المسـيح ). وبهـذا المعـنى فإنّ يوحـنا يهـودىّ الأصـل
وغـير " يهـودىّ "، كما أنّ وثنـيًا يرفـض يسـوع قـد يُوصـف بالـ
" يهـودىّ ". وعـدم التمـييز بين هَـذَين المعـنَيَين قـد سـاهم
كـثيرًا، للأسـف، فى تعـزيز معـاداة اليهـود التى يسـتنكـرها يوحـنا، ولا شـكّ. وكذلك فإنّ كلمـة " العـالم " تـدلّ عـلى البشـريّة التى
أحـبّها الله حـتّى أنـّه أعـطاهـا ابنه ( 3/6 )، ولكنها كـثيرًا ما ترادف كلمـة
عـدوّ المسـيح ( 12/31 و 15/18...). |
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(209)
الآيات والسـاعـة
يظهر الإنجـيل
بمظهر قسـمين كبيرين: كـتاب الآيـات ( 1-12 ) وسـاعـة يسـوع ( 13-20 ).
بُهـر
يوحنا بسـاعة يسـوع التى يعـرضها فى وحـدتها: فمـوت يسـوع هـو فى الوقت نفسه رفعه،
والمسيح يرتفـع عـلى الصـليب كعـلى عـرش مجـده، ومـنه يُفـيض الروح القدس عـلى
العالم. هـذا هـو ظهـور المحـبّة.
لكنّ هـذا
السـرّ يفيض غـنىً وقـد تمّ بسـرعـة غـير عـاديّة. وكان يسـوع يعـرف، عـلى حـدّ
رأى يوحـنا، أنّ التلامـيذ قـد يُسـيئون فهم المعـنى. ولذلك فـقـد اسـتبق الأمـور
وتوسّـع، مـدّة سـنتين، فى شـرح هـذا المعـنى بآيـات: بمعـجـزاته، بل بأعـماله عـلى
وجه عام ( أقواله وافعاله ). فهي تُظهـر العـمل الذي أوصاه الآب بأنّ يعـمله.
وهـذه الأعـمال
تثير عـند الشهـود ردّيّ فعـل مُختلفين: فبعـضهم يـؤمـنون فيذهـبون إلى الحياة،
والآخـرون يرفـضون فيخـتارون الموت.
1 ـ كـتاب الآيـات
آ ) الآيات تبشّر بالحياة
التي يهبها الله
يدلى
التلاميذ بشهاداتهم: الجماعة (1/1-18) ويوحـنا المعـمدان ( 1/19-44) والتلاميذ
الأوّلون (1/35-51).
هـناك
سلسلة أحداث تُبشّـر بهـبة الحياة: فآيـة قانـا تُظهـر مجـد يسـوع (2/1-12) وحين
يطرد يسـوع الباعة من الهيكل، فإنّـه يأتي بآيـة: الهيكل الحقيقي هـو جسده (2/13-25).
ويشرح لنيقوديمس أنّ الإيمان ولادة (3/1-21)، ويوحنا المعـمدان، وهـو صـديق العـريس،
يُـدلى بشهادتـه الأخـيرة ( 3/22-36 ).
في الحوار
مع السامريّـة، ينطلق يسـوع من رمـز الماء الـذي هـو حـياة ( 4/1-42 ).
ثم هـناك
مجموعة نصوص تـدور حـول الكلمة التى تهـب الحـياة ( 4/43-5/47 ).
إنّ موضـوع
خبز الحـياة متوسّـع فيه طويلاً (6)، وخاتمة هـذا النصّ تمهـيد إلى المقطعين
التاليين: بعـض التلاميذ يرفضون الإيمان فيلحـقـون بالخصـوم الذين سيواجههم يسوع
في المقطع الثاني يُعْـلن بطـرس إيمان الفـريق
الـذي بقي أمينًا ( وهـذا يُعادل الاعـتراف في قيصرية الـذي نجـده في الأناجـيل الإزائيّة
). ولكن هـذا الفـريق الأمين سيتوارى، تاركـًا يســوع وحـده أمـام خصومه، وسيظهر
مرّة ثانية ولا سـيّما في القسـم الأخـير.
ب) يسـوع والذين يريدون مـوته
( 7-12 )
فى هـذا
المقطع، نـرى يسـوع وحده أمـام خصـومه، ويُشـعـرنا يوحـنا برهـان الصـراع:
يُريـدون مـوته، وهم، إذ يرفضـونه، يخـتارون مـوتهم.
نشـعـر
بالأمـر أثناء المجابهات الكبرى في عـيد الأكواخ الـذى يُصـرّح يسـوع فى أثنائـه
بأنّه نـورٌ وينبوع الروح القـدس ( 8/1- 8/2 ). وفي شـفاء الذي وُلـد أعـمى دليل
عـلى التفاوت الذي تمّ (9).
ثمّ يُثبت
يسـوع أنّه الراعـي الذي يبذل نفسه عـن خـرافـه (10 /1-21). وأنّه ابن الله
(10/22-42) والقيامة والحياة ( أليعازر، 11/1-45 ).
والأحـداث
الأخيرة تعـود بنا إلى مطلع الساعة ( 11/46- 12/50 ).
ولم يبقَ
للجماعـة إلاّ أنْ تخـتم هـذا القسـم الأوّل: ما هـو الإيمان الحقـيقى.
2. ساعة يسـوع (13ـ 20)
يصـوّر يوحنا
عـشاء يسـوع الأخـير بصورة خطبة الـوداع. حـيث يودّع يســوع تلاميذه ويترك لهم تعـليماته:
سيصبح منذ الآن حـبّ بعـضهم لبعـض الوجه الذي سـيبقى يسـوع حاضرًا عـليه في العالم.
وفي سـياق
الدعـوى دليل واضح عـلى وجـود التباس: يُحكم عـلى يسـوع بالموت: وأمّا فى الواقع
فهو الـذي يديـن " العالم ". يصبح مـوته ينبـوع حـياة: فمن جنبه المفـتوح
بالحـربة يخرج الينبوع الذي أُنْبِئ به في حـز47/2 وزك 13/1. والذي هـو رمـز المعـمـوديّة
والـروح القـدس.
|
بعض ملامح يوحنا يحبّ يوحـنا الوحـدات الإجماليّة المـوحّـدة: لا وجـود لروايات معـجـزات
مقتضبة كما الأمر هـوعـند الإزائيّين: بلّ هـناك روايات واسـعة لسـبع معـجـزات مخـتارة
( ينفـرد بأربع منهـا ) كـثيرًا ما ترافـقـها خطب فتصـبح مناسبات للتعـليم المسـيحيّ. يتقـدّم تفكـيره تقـدّمـًا لولبيًـا. نجـد تفكـيرًا تامـًا في كل من
الوحـدات، ولكننا، حين نتناول الوحدة التالية، نجد فيها سـبيلاً إلى التعـمّـق
في ذلك التفكـير. ينطلق يوحنا عادة من الحقائق الملموسـة: كالماء والخبز والولادة، ولكنه
يُبيّن كيف أنّها ترتفع بنا إلى صعـيد أعـلى. هذه الحقائق اليومـيّة هي رمـزية
في نظره، فإنّها تسـاعـد عـلى التذكـير بعالم الله، لا بلّ تنشئ صـلة به. |
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(210)
بعـض النصوص من مؤلفات وحنا
الغاية من عـمل يوحـنا
" كتبت
هـذه الآيـات لتؤمـنوا بأنّ يسـوع هـوالمسـيح ابن الله، ولتكون لكم إذا آمنتم
الحياة باسمه" ( يو20/31).
" كتبت
إليكم بهـذا لتعـلموا أنّ الحياة الأبـديّة لكم أنتم الذين يؤمنون باسم ابن الله "
(1يو5/13).
قارن بين
هاتين الخاتمتَين. ضـع خطـًا تحـت المواضيع المشـتركة. ما هـو الهدف المرمي إليه
في كل من المؤلفَين؟ سُـمّيت رسـالة يوحنا الأولى " كتاب الاختبار المسـيحي
" مـا رأيك في ذلك؟.
بعـض المؤمنين
لا يحبّ
يوحـنا انْ يعـالج مـوضـوعـًا، كالإيمان مثلاً، معالجة نظـريّة، بـلّ يُفضّل أنْ
يصوّر لنا رجلاً أو امـرأة يؤمـنان فـيصبحان هكـذا " تصـميم " المؤمن ومثاله.
يُمْكنك، دون الخوض في كثير من التفاصيل، أنْ تقـرأ عـددًا من النصوص ليكون عـندك
سلسلة من " صـور مؤمنين ".
·
يأتي الإيمان
من الشهادة (1/35-51).
أنظر كيف أنّ كلّ واحد يأخذ بيد الآخر ليقوده إلى المسـيح.
·
العـلم أمّ
الـولادة من عـلُ (3/1- 21).
إنّ نيقوديمس رجل عالم وربّاني يستطيع أنْ يجادل يسـوع عـلى قـدم المساواة. عـلام
يقـوم الإيمان في نظـره؟.
·
الايمان
بالمسـيح، مخـلّص العـالم (4/1-42).إقرآ لقاء يسـوع
بالسامريّة، وانظـر كيف أنّ يسـوع ينطلـق مـن الحقائـق الملموسة. كالماء والحياة
العاطفية التي تعـيشها تلك المرأة. كيف حملها عـلى اكتشـاف سـرّه؟.
·
الايمان بناءً
عـلى كلام يسـوع (4/43-54). لاحظ التقدّم الذي تمّ بين استعـمالي فعل آمن: ففي الآية 50
يؤمن قائـد المئة بكلام يسـوع وسـيرى، بالتالى، المعجزة ( التي لا تزال من الحقل الطبيعي
)، وفي الآية 53 يشـاهـد المعجزة فـيؤمن. إنتبه إلى هـذا التعاقـب: الرؤية (بعـيني
الجسـد ) والإيمان - الإيمان للرؤية ( بعـينَي القلب ). كـثيرًا ما نجد هـذا
التعاقب عـند يوحنا.
·
العـميان
الحقيقيون (9/1-41). يرينا يوحنا، عـلى سبيل التعارض، رجلاً أعـمى يرى ما هـو جـوهـري
ورجالاً يُبصرون هم عُـميان عـمّا هـو جـوهـري. حاول أنْ تهـتدي إلى المـراحـل التي
أمَـرّ بها يســوع الأعـمى تدريجـيًا ليكتشـف من هـو.
·
الرؤية للإيمان (20/1-10). لاحظ سير إيمان "
التلميذ الآخر": " رأى وآمن، ذلك بأنّهما لم يكونا قـد فهمـا الكتاب
المقـدّس...". هـذا يعـني أنّه، بعـد أن يفـتح القائم من بين الأموات أذهانهم
( أذهاننا ) ليفهموا الكـتب المقـدّسـة. لن تبقى حاجة إلى الرؤية لكي يؤمنوا. فالكتب
المقدّسة كافـية لتعـرّفنا من هـو يســوع.
·
الإيمان للرؤية (20/24-29). يصوّر توما هنا
بصورة مثال الإنسان الذي شكّ. إلى أيّ إيمان يريد يسـوع أنْ يرشدنا؟ ( راجع جواب
بطرس في 6/69 ).
·
آية الأرغـفـة: 6/1ـ71
هـذه
الوحدة الإجمالية من أطول ما ورد في إنجـيل يوحـنا، وهي عـلى جانب من الأهـمّـيّة.
تقع في في نهاية تبشير يسـوع في الجليل فكأنّها مـوجـز لخدمته الرسوليّة. في الفصل
الخامس بيان لعدم إيمان يهـود أورشليم. وفي الفصل السادس عرض لعدم إيمان جمـوع
الجليل. رفض إسـرائيل كلّه الإيمان. ما عـدا فـريق الإثني عـشـر الصغـير ( وسـوف
يخون أحـدهم، الآية 71).
إنّ معجزة الأرغـفة (6/1-15) تـوازي الروايات الخمس الأخـرى التي تجدها
في الأناجيل الإزائيّة. يرى يوحنا أيضًا في شـكر يسـوع وتوزيعه الأرغـفة استباقًا
للعـشاء السرّي. ولكنه يجعل منه المائدة المشـيحـيّة خاصّة: إنّه الوليمة التي
يقيمها المشيح والتي كانوا ينتظرون حدوثها في آخر الأزمنة. يشـدّد يوحـنا عـلى
بادرة يسـوع ( هـوالذي يقوم بكل شيء وهـوالذي يوزّع )، فيعـترف الجمع بأنّه النبي
ويحاول أنْ يُقـيمه ملكًـا.
أمّا المشـي عـلى الماء (6/16-21)، فإنّـه يُركّـزعـلى شـخص يسـوع. إنّها مِشْيَة
ملكيّة يقوم بها "إني أنا هـو" ( الله ) في كلّ مجـده. تُظهـر الـرواية
قـدرة يسوع الإلهية فتُعِدّ بذلك التلاميد لتقبّل الرسالة في خـبز الحـياة.
فإنّ يسـوع
يتكلّم عـلى خـبز الحـياة، بعـد بحـث الجمع عـنه والحـوار في عـمل الله ( 6/22-29
).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(211)
خـبز الحـياة: 6/30ـ 59
ضـع خطـًا
تحـت الكلمات التى تتكـرّر وانتـبه إلى مكان هـذه الكلمات فى النصّ. وانظر هل تشكّل
بعـض العـبارات تضمـينًا.
دوّن الإعـتراضات
عـلى الآيات 30 و 40-41 و52: يحبّ يوحـنا أنْ يثير النقاش عـلى هـذا الوجه.
لا شـكّ أنّـك
لاحظـت أنّ كلمات النصّ الهامّـة ترد كلّها في شـاهـدة الآية 31. لعلّ هذه الخطبة
عـظة (مع العـلم بأنّ يسـوع يُبشّـر في أحـد المجامع، الآيـة 59 ) مركّبة وفـقًا
لقـواعـد الوعـظ اليهودي: كانوا ينطلقون من شاهـدة من الكتاب المقـدّس: مأخـوذة عـادة
من التوراة، ثمّ يعـودون إلى كلّ كلمة من كلماتها لوضعها في الظـروف الحاضرة ولتطـبيقها
عـلى المسـتمعـين. وكانوا يستشهدون عادة، في أثناء التعـليق. بشاهـدة ثانية مأخـوذة
من الأنبياء ( فالآية 45 هي تعـليق عـلى أش 54/13 ). وكانوا يسـتخدمون كـثيرًا أسـلوب
التناقـض: " لا...، بلّ...، فإنّ...". كما الأمـر هـو في الآيات 32-33
و46-47.
بعـد شاهـدة
الآية 31 وتناقـض الآية 32، هـناك تضمين يُحـدّد الوحـدة الإجماليّة الأولى:
الآيتان 35و 48. وهـناك وحـدة إجماليّة ثانية: إبتـداء مـن الآية 49 التى تكرّر
الآية 31. وتُعَدّ الآية 58 خاتمة لكـلّ ما سـبق.
·
عـلى أيّ خـبز يتكلّم يسـوع في الآيات 35- 48؟ لاحـظ
تكـرار كلمة " آمن " او كلمة " أقبل إلى" التي تعادلها. إنّ
موضـوع كلمة الله التي " تؤكل " بالإيمان معروف جدًا. مثلاً: ليس بالخبز
وحده يحيا الإنسـان، بلّ بكل كلمة تخرج من فم الله " ( تث 8/3 )، أو حـك 16/27
و حـز3/1 ت...
·
عـلي أيّ خـبز يتكلّم يسـوع في الآيات 49- 58؟ قارِن
بين " جسدي أبذله ليحيا العالم " و "جـسدي يُبذل من أجلكم " (
لو22/19). دار نقاش طويل حول تكوين هذا النصّ. يعـتقد بعـضهم بأنّ يسـوع لم يتقدّم
إلاّ كالكلمة المتجسّد الذي عـلى المستمعـين أنْ " يأكلوه "، أي يتقبّـلوه،
بالإيمان. وبعـد الفصح، أدرك التلاميذ أنّ يسـوع، مساة العـشاء السـرّي، بذل نفسه
أيضًا عـلى وجـه آخـر: فأصـبح كيانه ( لحم ودم ) المـبذول عـنّا طعامًا. فقام
يوحنا بقراءة مُجَدّدة للخطبة في إجمالها وأضـفى عـليها طابعـًا إفخارسـتيًا.
·
كـيف يوضح
لك كل ذلك الرابط القائم بين الكلمة والإفخارستيا والإيمان والحـياة...؟.
" أعـمال رسل "، يوحنا 13ـ17
يمكننا أنْ
نقول باختصار سـريع إنّ ما يرويه لوقا في حياة الكنيسة في أعـمال الرسل، يضعه
يوحنا عـلى لسان المسيح نفسه في خطبة يسـوع بعـد العـشاء السرّي. تتألّف في الواقع
هذه الوحدة الإجمالية من خطبتين فيهما شئ من تكـرير الواحـدة للأخـرى.
ابحث، وأنت
تقـرأ النصـوص، عـمّا يقال عـلى الله / الآب – وعـلى يسوع: الآتي من الآب والعائد
إليه، والآتي إلى تلامـيذه بعد قـيامته لحضـور روحي جديد، والذي يرشدهم إلى الآب -
وإلى الروح القـدس.
حاول أنْ
تكتشف وضـع جماعة معـيّنة ومسائلها، جماعة يوحـنا وجماعـتك.
·
الخطبة
الأولى : 13/31ـ 14 /31
ابحث أولأ
عـن الروابط: تضمين من 13/33 إلى 14/28 ( أنا ذاهب / آتي إليكم ) ومن 14/1 إلى 14/27.
ضع خطًا
تحت الكلمـات التي تتكـرّر: " آمن "، والعـبارات المشاركة لهـذا الفعل: "
عرف وعـمل الأعـمال " و" أحبّ "، والعـبارات المشاركة لهـذا الفعل:
" حفظ الوصايا، والكـلام، وثَبت...". تُركّز 14/1- 14 عـلى الإيمان، و
14 /15- 24 عـلى المحـبّة. انتـبه إلى أحـرف الجـر والظـروف العـديدة: في وب ومع
وعـند...
كيف يعـبّر
هـنا عـن جـوهـر سـرّ الصعـود ( تمجيد يسـوع ) والعـنصرة ( حضـور يسـوع الجديد
بالروح القـدس ).
·
الخطبة
الثانيه: 15ـ 17
يمكنك أنْ
تـرى كيف تتوسّـع هـذه الخـطـبة في المواضيع نفسها وأنْ تتوقـّف عـند بعـض النصوص.
الكـرمة
(15/1- 17). كيف يعـبّر، بشكل تمـثيل، عـن عـقـيدة الكنيسة، جسد المسـيح؟.
الروح القـدس
والجماعة في مجابهتها لـ " العالم " ( 15/18- 16/15 ). انظـر إلى دور
الروح القـدس، فهـو يعـرّف عـن الآب ويسـوع ويدافـع عـن إيمـان المـؤمن مبيّـنـًا
له أنّ يسـوع قـد انتصـر.
الجماعة مُكلّـفـة
بولادة المسـيح في العالم (16 /16 -33 ). لكي تستوضح الآيتين 21-22، أعـد قـراءة أش
27/17 و20 و66/7 و 14 ونصّ سندرسه: رؤ 12/4- 6. تصوّر الآلام كعـذاب الجماعة التي تلد
المسـيح طـوال تاريخها.
صلاة المسـيح
في أثـناء الآمـه وقيامته وحياته في الكنيسة (17).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(212)
المقـدّمة: 11/1ـ18
هـذا النشـيد
الرائـع من أصعـب النصوص، فإنّه يلخّص بكلمات بسـيطة تفكـيرًا لاهـوتيًا طـويلاً.
فى
محـاولة أولى لإدراك معـناه، يُمْكـنك أنْ تبحـث عئ بنيته وأنْ تـرى كيف أنّ
التفكير متأصّل في الكـتب المقـدّسـة.
عـلى صعـيد
البنية، إبـدأ بالبحث عـن الكلمات التي تتكـرّر وعـن الفـقـرات التى تتطابق. يبدو أنّ
هذا النشـيد مُـركّـب عـلى شـكـل متّحـد المـركـز، وفـقـًا لأسـلوب شائع في ذلك
الزمان نجده كثيرًا في الكتاب المقـدّس.
1-5 الكلمة لدى الله 16-18
6-8 يوحنا المعـمدان 15
9-11 مجيئات
الكلمة 14
12-13
في المركـز
( الآيتان 12- 13 ) وُضعـت البنـوة المعـروضة عـلى المؤمنين. وباقي المقاطع الشعـريّة
التي تتطابق لا تتكـرّر فحسـب. يبدو أنّ في الآيات 9-11 عـرضًا لمجيئات الكلمة في
العالم وفي شـعـبه اليهـوديّ ( أهـل بيته )، والآية 14 تشـيد بالتجسّد. والآيات
1-15 تحـدّد وضع الكلمة في أزليّته وعـمله الخالق، والآيات 16 - 18 تشـدّد عـلى الوحي
الـذي تمّ عـن يـد يسـوع المسـيح.
عـلى صـعـيد
تأصـّل التفكير في الكتاب المقـدّس، راجـع حـواشي كـتابك المقـدّس. إليك بعـض
النقاط:
في البدء.
يبتدئ الإنجـيل كسـفـر التكوين. فإنّ مجيء يسوع بـدء جـديد للعالم ( راجع كذلك مر
1/11 ).
في تسـمية
المسيح " لوغـس " ( الكلمة ) ربطُه بالتيّار الكتابي: يخـلق الله بكلمته
( تك 1 وأش 40ا26 و مز33/6...) أو بحكمته ( حك 7/22 ) التي أعـطاها الكيان قبل كل شيء
والتي تقيم إلى جانبه ( مثل 8/23- 36 وحك 7/22- 30). وهـذه الحكمـة، أي الله نفسـه
بصـفته حكيمـًا، أقامت عـند البشـر( سي 24/1-22 ) ويطابق أحـيانـًا بينها وبين الشـريعة
التي هي حضور الله لشعـبه ( راجع الجزء الأوّل، الصفحة 83 و 87 و 92 ). ولكن في
تسمية الله " لوغـس " ( الكلمة ) ربطه بالفكر الرواقي الذى يعـدّ هـذا الـ
" لوغـس " المـبدأ الذي يحفظ تماسـك العالم.
وسـكن ( حرفيًا:
ونصب خيمته ) بيننا ( راجع سي 24/7-8 ). ويبـدو أنّ الكلمة اليونانيّة تُشير إلى الـ
"شـكينة "، وهي حضـور الله لشعـبه في خـيمة الموعد. إنّ يسوع هو الهيكل
الحقيقي الذي يشـعّ مـنه مجـد الله.
رسـالة يوحنا الأولى
في الجماعة
بعـض المتاعـب: فهـناك شـقاق (4/3) وهـناك مسـيحيّون لا يحبّ بعـضهم بعـضًا (2/9 و4/20
) أو يعـدّون أنفسـهم بلا خطيئة (1/10 ) أو يمـيلون إلى الغـنوصيّة: زاعـمين أنّ
في إمكانهم أنْ يُـدركـوا الله بالمعـرفة وحـدها بغـضّ النظـر عـن طـريقة عـيشـهم
(2/4). وهـناك آخـرون قـد هـجـروا الجماعة وأنكـروا المسـيح (2/19 و22 ).
يجيب يوحـنا
مسـتندًا إلى اختبار مـزدوج:
·
اختباره
كشاهـد (1/1- 4). إقـرأ هـذه الآيات. لا يقـول إنّه رأى وسمع الكلمة. بلّ ما
سمعه من الكلمة ( من أقـوال وأعـمال إنسـان ) مكّـنه، بالإيمان، من الدخول إلى صـميم
سرّ ذلك الإنسان ليرى فـيه ابن الله.
·
اختبار المسـيحيّين ( 5/13 ). يسـتند إلى ما حصـلـوا
عـليه في التعـليم المسـيحيّ الاعـتمادي وإلى ما يعـيشـونه في حـياتهم اليوميّة. عـليهم
أن يكتـشـفوا بإيمانهم أنْ قد زرعتهم كلمة الله (2/14و3/19) ونفـذت فـيهم كالـزيت،
بفضل الروح القـدس ( 2/20و27 ).
والفكـرة
الأساسـيّة التى تـتردّد في هـذه الرسالة، كما في سـيمفـونيّة، هي: أنتم متّحدون
بالله. لكن هـذا المتصـوّف رجـلٌ واقعـيٌ، فـلا بُـدّ أنْ يكـون هـذا الاتّحـاد
ظاهـرًا في الثمـار التي يأتي بها.
من الصعـب
أنْ نجد في الرسالة تصـميمًا، ولكن هـلّ من حاجة إلى تصـميم في تأمّل؟ من الأهمّ أنْ
نرى عـلى أيّ شيء ينطـبق في اختبارنا الشخصي. يُمْكِنك، في أثناء القراءة، أنْ
تنتبه خاصّة إلى بعض الوجــوه:
·
الممـثـلون: الآب ويسـوع والروح القـدس
والكاتب وجماعـته، والمؤمنون والمنحرفون... كيف يصــوّرهم يوحـنا؟ ما هـو دورهم في
أيـّة مـواضـيع يشـتركـون؟.
·
المواضيع
الرئيسـية. دوّن الكلمـات والعـبارات التي تتكـرّر. حاول أنْ تجمع التى يتّصل
بعـضها ببعـض وانتبه إلى ما يفـيد المفـردات الأسـاسـية من هـذه الصلات، مثلاً:
المحبّة وأحبّ وعرف والاتّحـاد وأقـام في... والخـطـيئة والشـيطان و" العالم "
وروح الشرّ والمسيح الدجّـال... والنـور/ الظلام... الحـياة / المـوت ... والـبِرّ...
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(213)
تأمّـل
يوحنا في الآلام بعـد الأحـداث بزمـن طـويل، وفي ضـوء الـروح القدس وحياة الكنيسة
ولا سـيّما الاحتفال بالأسـرار.
يخـتار في
روايته، وهى قـريبة جـدًا من رواية الإزائيّين: أكـثر الأحـداث معـنئً، ويصوّر تلك
الآلام بصورة سـير انتصاري ليسـوع إلى الآب. يعـلم يسوع بأنّه عـلى وشـك الموت،
ويعرف أيّة ميتة سـيمـوتها وهـو يمشـي نحـوها حُـرًا: " ما من أحـد ينتزع
حياتي منّي، ولكنّي أبذلها برضاي " ( راجع جمـيع تفاصـيل الآلام تُتِمّ، لا
الكتب المقـدّسـة فـقـط، بلّ جـمـيع ما أنبأ به يســوع نفسـه.
يُشـدّد
يوحـنا عـلى عـظمة ابن الله المتألّم. فحـين قـُبض عـلى يسـوع، لم يلمّح، كما ورد فى
متّى، إلى الفـيالق من الملائكة التي باسـتطاعـتها انْ تُنقـذه، بل كفاه أنْ يقول:
" أنا هو "، حتى يرجع أعداؤه إلى الوراء ويقعـوا إلى الأرض. ولمّا صُلب
يســوع، صُلب بصـفـته ملكـًا، وقـد اعـترف بيلاطـس بذلك فأجلسـه عـلى كـرسى القضاء
(19 /13)، وأعـلنت عـنه الرقعـة التي كُتبت بثلاث لغات وعُـلّقت عـلى الصليب (19/9-20
).
لا يفصل
يوحنا بين الموت والارتفاع. فصعـود يسـوع عـلى الصليب هـو في الوقت نفسه صعـوده إلى
مجـد الله ومنه يرسل الروح القـدس إلى العالم ( 19/30 ). " وأنا إذا رُفعت من
الأرض، جذبت إليّ الناس أجمعـين " ( 12/32 ). فأصـبح الصليب عـرش المجـد ومنه
أسـّس الكنيسة: من جـنبه المفتوح خـرج الـدمّ والماء، وهـما سِـرّا المعـموديّة
والافخارسـتيا.
القـبض عـليه فى بسـتان الزيتون ( 18/1- 12). لا يـروي يوحـنا
النزاع ( لكنه أورد جـوهـره في حـدث الشعـانين، 12/23 و27 ) ولا هـرب التلاميذ.
واكتفى بإظهار عـظمة يسوع. إنّ عـبارة " أنا هـو " المُكـرّرة مـرّتين (
الآيتان 5 و8 ) كانت اسـم الله في الكـتب المقـدّسـة.
الدعـوى أمام المجلس اليهودىّ (18 /13- 27 ). لا يـروى
يوحـنا المـثول أمـام مجلس اليهـود وينفـرد فى رواية الإسـتجـواب عـند حـنّان.
يظهـر يسـوع بمظهـر الـذى يكشـف عـن الله فى رائعـة النهـار. يـرد فعـل "
تكلّـمـت " خمس مـرّات وفـعـل " عـلّـمْت " مـرّة واحـدة. وبينما
كان يسـوع يُـدلى بشـهادته الأخـيرة، كان بطـرس يُنكـره. وقـد أعـطى قـيافـا،
بالرغـم من نفسـه، معـنى الآلام، إذ قال أنّ يسـوع يمـوت عـن الشـعـب كلّـه (
الآيـة 14 ).
الدعـوى أمام الرومـانيّين (18/28- 19/16). هـذا هـوالمشهـد
الرئيسي في رواية الآلام عـند يوحنا. إنّ تنقـّلات بيلاطـس، ذاهـبًا من عـند يسـوع
الذي في الداخل إلى اليهود الذين في الخارج، تقـسّم المشهـد إلى سـبع لوحات تتطابق،
وفي وسـطها التكليل بالشـوك. نحـن أمام الدعـوى الكـبرى بين يسـوع واليهـود.
المتهم هـو يسـوع، ولكـنّه القاضي في الواقع. يسـوع ملك، ولكنّه يملك عـلى الذين
يسـمعـون كلمته. وفي الوسـط، فإنّ مشهـد التكليل بالشوك، المُجرّد من جمـيع تفاصـيله
( البصق والركوع )، يُـبرز لقـب الملك. وينتهي المشهد بالتعـظيم، فإنّ بيلاطـس يُجْلس
يسوع عـلى كرسي القـضاء ويُعـْلن أنّـه ملك ( الآية 13 ).
الجلجلة (19/17- 37 ). صُلب يسـوع
بصفـته ملكًـا أيضًا: فالـرقعـة عـلى الصليب تشهد بذلك واليهـود يرفضونه. لم يُمَـزّق
القميص غـير المخـيط، ويرى يوحنا فيه رمز وحدة الكنيسـة، ومات يسـوع " ليجمع
في الوحـدة شـمل أبناء الله " ( 11/52 ).
ينفـرد
يوحنا بالأهـمّيّة التي يعـلّقها عـلى وجـود مريم عـند قـدم الصليب. وهو، إذ يسمّيها
المرأة ويعـطيها التلميذ ابنًا، يوحي بدورها الخاصّ في الكنيسة.
يسـوع يُسـلّم
الروح ( الآية 30 ). بهـذه العـبارة الغـريبة للدلالة عـلى المـوت يرينا يوحنا يسوع
مـرسلاً روحه إلى العالم.
وأمّـا
اللوحة الأخـيرة، وينفـرد بها يوحـنا، فهي تُعَـبّر عـن معـنى موت المسيح بالنسبة
إلينا. إنّه حمل فصح العهـد الجـديد، لا بلّ إنّه الله نفسـه المطعون، كما أنبأ به
زك 12 /10 ت ( راجع الجزء الأوّل، الصفحة 86 ). يسـوع هـو الهيكل الحقيقي الذي يقـيم
الله فـيه. ذلك الهيكل الذي رأى حز 47/1 - 12 الماء، رمز الـروح القـدس، يخـرج مـنه
مـن الجانب الأيمن. وسيصبح الماء والدم في الكنيسة رمزيّ سرّيّ المعـمـودية والإفخـارسـتيا.
الـدفن ( 19/38- 42 ). تمّ دفـن يسـوع
عـن يد رجلين من الوجهاء: يوسف، التلميذ الخوّيف (الآية 38)، ونيقـوديمس الـذي قصـد
يسـوع ليلاً . وضعاه في بستان ( ينفرد يوحنا بهـذا القول ويُكَـرّره مـرّتين )، في
المكان الـذي تنت فيه الحـياة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(214)
" ذاك
الـذي سـمعـناه. ذاك الـذى رأيناه بعـينَينا، ذاك الـذي تأمّلناه، ذاك الذي لمسته
يدانا من كلمة الحياة ..." ( 1يو 1/1 ). هـذه الشهادة موجز صالح لاختبار
يوحنا. في حياة بولس قبل وبعد: كان يسـوع مضلّلاً في نظـره فأصبح ربّـه. أمّا يوحـنا
فلم يعـرف هـذا التحـوّل. كان، مـدّة عـدّة سـنوات، صديق رجـل، صـديق نبيّ، رأى فـيه
المسيح، يومًـا بعـد يـوم، وبعد ليلة الآلام، اكتـشـف بإعـجاب أنّ صديقه كان ابن
الله، هـوابن الله! وهـنا تكمـن المفارقة التي نجدها في يسوع كما يتصوّره يوحنا: إنّه
كائن كامل الإنسانيّة، نستطيع أنْ نـراه ونلمسه، ولكننا نرى فيه، بعـين الإيمان
المستنير بالروح القـدس، سـرّ الكلمة، سـرّ ابن الله.
إنسـان
إنّ يسـوع
عـند يوحنا كامل الإنسانيّة. جسـمه جسـمنا ونفسـانيته نفسـانيتنا. إذا تعب، جلس إلى
جانب بـئر وطلب مـن امرأة لا يعـرفها مـاء ليشرب ( 4/6ت ). عـنده مـنزل حيث يمكن
لأحد أنْ يقضي الأمسـية معه ( 1/38 و3/2 ). له صـديق " ألعازر، وصـديقات "
مرثـا ومريم (11 – 12 ). يعرف الاضطراب ويبكي عـلى صـديقه ألعازر ( 11/33 و 35 ).
يذهـب إلى العرس (2/1ت ). يغـضب ويقلب طـاولات الباعـة الثقـيلة ( 2/15 ).
إنّه يعـلم
ما في الإنسـان ( 2/25 )، وبما أنّه شـديد الاحـترام لآخـرين، فبإمكانه أنْ يستعـيد،
مع السامرية، ذكرى حـياتها الصاخبة. دون أنْ تشعـر بأنها تُحاكم أو بأنها تُدان.
وهذا أيضًا شـأن المرأة الزانية. في وسـعه أنْ يكشـف لكل إنسـان، حتّى للخاطئ، أفـضل
ما في قـلـبه.
رجـل الله
أيًّا
كانت الأسـئلة المطـروحة عـليه، جـوابه واحـد: الآب. من أين أتيت؟ من عـند الآب.
إلى أين ذاهب؟ - إلى الآب. مـاذا تعـمل؟ - أعـمال الآب ومشيئته. ماذا تقول؟ - لا شيء
من عـندي، بلّ ما رأيته عـند الآب... هـذه الأجـوبة تُـدخـلنا إلى صميم سـرّ الله
أكـثر مما تفعـله الاستدلالات النظريّة في الثالوث. إنّ يسـوع هـو كامل الحـرّيّة،
شـفاف الهـويّة، وهو، في الوقت نفسه، صلة تامّة بالآب، وموجّه نحو الآب ( 1/1 ).
الكاشف عـن الله
إنّ يسـوع
لـدى الله مـنذ الأزل، إنّه كلمة الله وحكمته، فهـو يعـرف سـرّه وقد جاء ليُطلعـنا
عـليه. المسيح في نظـر يوحنا هـو، قـبل كل شيء، من يكشف لنا عـن الآب.
يقـوم بهـذا
الـدور بأقـواله، ولا سـيّما بآياته ومعجـزاته وأعـماله ونمـط حـياته: " يا
فيلبّس، من رآني رأى الآب " ( 14/9 ).
وهـو يكشـف
عـنه أيضًا بإعـطائنا الـروح القـدس الـذي انبـثـق من جـنبه المفتوح (7/38 و19/30و34
)، الـروح القـدس المكلّـف بإرشادنا إلى الحـقّ كلّـه ( 16/13 ).
ابن الإنسـان
في كتاب
يطفح تصوّفـًا، نسـتغـرب انْ نجـد أنفسـنا منغـمسـين في تفاصـيل دعوى. كثيرًا ما
ترد الألفاظ الحقوقيّة: شـهـادة وقـضـاء واتهـام وإقـناع ومـؤيّـد ( محامٍ،
مـدافع )... ذلك بأنّ يسوع هو ابن الإنسان، ذلك الوجـه الـذي ورد ذكره في
دانيّال والذي كانوا ينتظرون مجيئه في آخر الأزمنة لإجـراء الحكم. صـرّح لنيقوديمس
بأنّـه وحـده نـزل من السـماء (3/11-13 ). لا يريد أنْ يكون القاضي الذي يدين، بلّ
الابن الذي يخلّص. ولكـنّه، لكونه نورًا، يحمل المخاطب عـلى الكشـف عن نفسه وعـلى
الاختيار. إنّـه يدعـو إلى الدينونة، ولكـنّه كالمحامي قـريب من المؤمن.
تسـتمر هـذه
الدعـوى إلى نهاية العالم. ولذلك فإنّـه يُرسـل مـؤيّـدًا آخـر ( 14/16 ) الروح
القدس، ليـدافع عـنه في قلب المؤمن ( 16/7-11 ).
ابن الله
يستطيع يسـوع
اخـيرًا أنْ يكشـف عـن الله، لأنّـه هـو نفسـه ابن الله. إنّ العـبارة " أنا
هو" نادرة عـند الإزائيّين، ولكننا كـثيرًا ما نجـدها عـلى لسـان يسـوع في إنجيل
يوحنا، وقد وردت أربع مرّات بالمعـنى المطلق (8/24 و28و58 و13/19). وهي تطابق اسـم
يهـوه ( الله ) ( خر 3/6 و14 ).
حياة المؤمن
ارتدى يسـوع
جسـدنا وإنّمـا فعـل ذلك ليكـون في خـدمة المؤمن. إنّـه الراعـي الـذي يبذل نفسه
عن أحبائـه. إنّـه النـور، إنّـه القـيامة والحياة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(215)
إنّ كلمة "
العـبادة " تذكّـر المسـيحي المعاصر فى أغـلب الأحيان بالحفلات الدينية. أمّا
المسيحيّون الأوّلـون واليهـود، فكانوا يرون فيها، قـبل كلّ شيء، الحياة اليوميّة.
فإنّ تأدية العـبادة أو خدمة الله لم تكن تعـني سـوى قـضاء الحـياة اليوميّة بتوجيهها
توجيهًا معـيّنًا. وكان هـذا التوجيه يُعَـبّر عـنه في بعـض الحـركات الخاصّة بالعـبادة.
إليك مـثلاً: إنذ الزوجـين لا يختلف عـملهما عـن عـمل العزّاب، ولكن حـياتهما كلّها
متّسـمة عـادة بسـمة حبّهما . والحركات التى يُعْـربان بها عن حنانهما المتبادل هي
عـبارة حياتهما كلّها و تساهـم في إعـطاء معـنى لهذه الحياة. وكذلك، فإنّ شعائر
العـبادة تُعَـبّر عن الحياة التي نحياها في الشكر وتساعـد عـلى أنْ تكـون حـياتنا
شـكـرًا.
أعـد قـراءة
روم 12/1 - 2 و1بط 2/5 ( وما سـبق أنْ قـلّـناه في الصفحة 169 ): إنّ ذبيحة المسـيحيّين
هي شـخـصهم وهي الحـياة التى يعـيشـونها " كطاعة الإيمان " ( روم 1/5 و
16/26 وفل 2/1 و 1بط 1/2 و14 و22 ). فيما يتعـلّـق بكلمة طاعـة، راجع الجـزء الأوّل،
الصفحة 100 ).
العـبادة الروحيّة في العهد القديم
إنّ العـبادة
الصحيحة التي كان الأنبياء يطالبون بها هـي الحـقّ والعـدل نحو القريب ( عا 5/21 وأش
58... )، هي المحبّة لا الذبائح ( هو6/6 الوارد ذكره في متّى 9/13 و 12/7 ). أعِـد
قراءة المـوجـز الرائع الوارد في مي 6/8 ( الجزء الأوّل، الصفحة 43 ).
البركـة فى الدين اليهـودىّ
إنّ الدين
اليهـوديّ نســيج مـن الـبركات.
كان
النهار تتخلّـله الصلوات في المجمع، في الصباح وفي وسـط النهار وعـند المساء، وهي
صلوات شـكر طـويلة ترافـقها قـراءات ومـزامـير.